المسيح والناموس.
الأن سنتناول ﻋﻼﻗﺔ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﺑﺸﺮﻳﻌﺔ ﷲ أو الناموس اﻟﺘﻲ أعطيت لموسى.
١. ﻟﻘﺪ كان المسيح تحت الناموس.
ﻧﻌﻠﻢ أن ﷲ ﺗﺠﺴﺪ (١ﺗﻴﻤﻮﺛﺎوس ٣: ١٦), وﻧﻌﻠﻢ أﻧﻪ وُﻟﺪ ﻣﻦ ﻧﺴﻞ إﺑﺮاﻫﻴﻢ وداود (ﻣﺘﻰ ١ — ﻟﻮﻗﺎ ٣) وأﻧﻪ ﻛﺎن ﻳﻬﻮدﻳًﺎ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ناسوته (روﻣﻴﺔ ١: ١-٣).
وﺑﻨﺎءً ﻋﲆ ذﻟﻚ، ﻛﺎن ﺧﺎﺿﻌﺎً ﻟﻠﺸﺮﻳﻌﺔ. ﻳﻘﻮل ﻏﻼﻃﻴﺔ (٤:٤) “وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ ٱلزَّمَانِ، أَرْسَلَ ٱللهُ ٱبْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ ٱمْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ”
ﻣﻊ أﻧﻪ ﻛﺎن واﺿﻊ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ووﺳﻴﻂ اﻟﻌﻬﺪ، ﻓﻘﺪ ﺗﻮاﺿﻊ وﺗﺠﺴﺪ إﻧﺴﺎﻧًﺎ. وﻟﻤﺎ ﺗﺠﺴﺪ، ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﻨﺎﻓﻘًﺎ وﻻ ﻣﺴﺘﻐﻼً ﻟﺴﻠﻄﺎﻧﻪ، ﺑﻞ أﺧﻀﻊ ﻧﻔﺴﻪ ﻟﻸﺣﻜﺎم اﻟﺘﻲ ﻓﺮﺿﻬﺎ ﻋﲆ ﺑﻨﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ.
٢.ﻟﻘﺪ اﻟﺘﺰم بالناموس.
ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺧﺎﺿﻌًﺎ ﻟﻠﻘﺎﻧﻮن ﻓﺤﺴﺐ، ﺑﻞ أﺻﺒﺢ أول رﺟﻞ ﻳﻠﺘﺰم ﺑﻜﻞ ﺣﺮف وﻧﻘﻄﺔ ﻓﻴﻪ، ﻓﻲ ﻛﻞ ﻟﺤﻈﺔ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻳﻮم ﻃﻮال ﺣﻴﺎﺗﻪ. وﻛﺎن ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻪ أن ﻳﻘﻮل ﻟﻤﻦ ﻋﺮﻓﻮا “مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ ٱلْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟” (ﻳﻮﺣﻨﺎ ٨: ٤٦).
ﻛﺎن ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻪ أن ﻳﺪﻋﻮ اﻵب ﻟﻴﺸﻬﺪ ﻋﲆ ﻛﻤﺎﻟﻪ اﻟﺬي ﻻ ﺗﺸﻮﺑﻪ ﺷﺎﺋﺒﺔ. “وَٱلَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي ٱلْآبُ وَحْدِي، لِأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ».” (ﻳﻮﺣﻨﺎ ٨: ٢٩). ﻟﻘﺪ ﻋﺎش ﻓﻲ ﻛﻞ اﻷﺣﻮال، وﻓﻲ ﻛﻞ اﻷوﻗﺎت، ﺣﻴﺎةً ﻛﺎﻣﻠﺔً ﻣﻦ اﻟﺒﺮ.
وﺷﻬﺪ اﻵب ﻋﲆ ﻗﺪاﺳﺘﻪ اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺰول.” وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ، وَصَوْتٌ مِنَ ٱلسَّحَابَةِ قَائِلًا: «هَذَا هُوَ ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ ٱسْمَعُوا».” (ﻣﺘﻰ ١٧: ٥).
٣.كان خادما للناموس.
ﻛﺎن ﻳﺴﻮع ﺧﺎدﻣًﺎ للناموس ﻋﻨﺪ اﻟﻴﻬﻮد، ﻳُﻌﻴﺪ إﻟﻴﻬﺎ ﺣﻘﻴﻘﺘﻬﺎ. ﻋﲆ ﻣﺮّ اﻟﻘﺮون، غير اﻟﺰﻋﻤﺎء اﻟﺪﻳﻨﻴﻮن ﻓﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ وﺣﺮّﻓﻮﻫﺎ، وﺧﻔّﻔﻮا ﻣﻦ ﺣﺪّﺗﻬﺎ، وﻋﺪّﻟﻮﻫﺎ، وأﺿﺎﻓﻮا إﻟﻴﻬﺎ ﺗﻘﺎﻟﻴﺪﻫﻢ، ﺑﻞ وﺟﻌﻠﻮا أﺣﻜﺎﻣﻬﻢ أﺳﻤﻰ ﻣﻦ أﺣﻜﺎم ﷲ.
ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺟﺎء ﻳﺴﻮع أﻋﺎد اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ إﱃ ﻣﻜﺎﻧﺘﻬﺎ ﻛﺴﻠﻄﺔ ﻋﲆ اﻷﻣﺔ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ.
واﺟﻪ ﻳﺴﻮع رﺟﻼً ﻛﺎن ﻳﻌﺮف ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻟﻪ اﻟﻨﺎﻣﻮس، ﻟﻜﻦ رﻏﺒﺔ ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻓﻲ ﺣﻔﻆ اﻟﻨﺎﻣﻮس ﺑﻞ ﻓﻲ ﺗﺒﺮﻳﺮ ﻧﻔﺴﻪ. ﻳﺨﺒﺮﻧﺎ إﻧﺠﻴﻞ ﻟﻮﻗﺎ (١٠: ٢٥-٢٩):
“وَإِذَا نَامُوسِيٌّ قَامَ يُجَرِّبُهُ قَائِلًا: «يَا مُعَلِّمُ، مَاذَا أَعْمَلُ لِأَرِثَ ٱلْحَيَاةَ ٱلْأَبَدِيَّةَ؟». فَقَالَ لَهُ: «مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي ٱلنَّامُوسِ. كَيْفَ تَقْرَأُ؟». فَأَجَابَ وَقَالَ: «تُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ». فَقَالَ لَهُ: «بِٱلصَّوَابِ أَجَبْتَ. اِفْعَلْ هَذَا فَتَحْيَا». وَأَمَّا هُوَ فَإِذْ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّرَ نَفْسَهُ، قَالَ لِيَسُوعَ: «وَمَنْ هُوَ قَرِيبِي؟».”
ﻟﻢ ﻳﻌﺘﺮف ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ ﺑﺴﻠﻄﺔ اﻟﻮﺻﺎﻳﺎ اﻟﺘﻲ اﺳﺘﺸﻬﺪ ﺑﻬﺎ، ﺑﻞ أراد أن ﻳﺠﺎدل. ﻟﻢ ﻳﺘﺴﺎﻫﻞ ﻣﻌﻪ ﻳﺴﻮع، ﻓﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻳﺠﺐ اﻻﻟﺘﺰام ﺑﻬﺎ.
ﺗُﻈﻬﺮ اﻷﻧﺎﺟﻴﻞ ﻛﻴﻒ ﺧﺎﻟﻒ اﻟﻔﺮﻳﺴﻴﻮن واﻟﺼﺪوﻗﻴﻮن واﻟﻜﺘﺒﺔ واﻟﺰﻋﻤﺎء اﻟﺪﻳﻨﻴﻮن اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ وﻋﻠﻤﻮا اﻵﺧﺮﻳﻦ ﻣﺨﺎﻟﻔﺘﻬﺎ. ﻟﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮا ﺟﺮﻳﺌﻴﻦ ﻟﺪرﺟﺔ إﻧﻜﺎر ﺻﺤﺔ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﻟﻜﻨﻬﻢ ﺟﻌﻠﻮا ﺗﻘﺎﻟﻴﺪﻫﻢ ذات أﻫﻤﻴﺔ ﺑﺎﻟﻐﺔ. وﺿﻊ ﻳﺴﻮع التأكيد ﻣﺠﺪداً ﻋﲆ ﻛﻼم ﷲ. “«لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأَنْقُضَ ٱلنَّامُوسَ أَوِ ٱلْأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لِأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ. فَإِنِّي ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ ٱلسَّمَاءُ وَٱلْأَرْضُ لَا يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ ٱلنَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ ٱلْكُلُّ. فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هَذِهِ ٱلْوَصَايَا ٱلصُّغْرَى وَعَلَّمَ ٱلنَّاسَ هَكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهَذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ.” (ﻣﺘﻰ ٥: ١٧ – ١٩).
ﺗﺄﻣﻠﻮا ﻛﻴﻒ داﻓﻊ ﻳﺴﻮع ﻋﻦ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺿﺪ ﺗﻔﺴﻴﺮاﺗﻬﻢ اﻟﻤﺤﺮﻓﺔ واﻟﺘﺸﻮﻳﺶ اﻟﻨﺎﺗﺞ ﻋﻦ ﺗﻀﺎرب اﻟﺴﻠﻄﺎت. ﺗﺄﻣﻠﻮا ﻛﻴﻒ دﻋﺎ اﻟﻨﺎس إﱃ اﻟﻄﺎﻋﺔ ﺑﻜﻠﻤﺎت اﻟﺮب. “«قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لَا تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْحُكْمِ.” (ﻣﺘﻰ ٥: ٢١). اﻧﻈﺮوا ﻛﻴﻒ ﺧﻔﻒ اﻟﻨﺎس ﻣﻦ ﺣﺪة اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. ﻟﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮا ﻓﻘﻂ ﻋﺮﺿﺔ ﻟﻠﺪﻳﻨﻮﻧﺔ، ﺑﻞ ﻛﺎﻧﻮا ﺳﻴُﺤﺎﺳﺒﻮن.
“وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ. فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى ٱلْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لِأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَٱتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ ٱلْمَذْبَحِ، وَٱذْهَبْ أَوَّلًا ٱصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ.” (ﻣﺘﻰ ٥: ٢٢-٢٤). ﻟﻘﺪ أزال ﻳﺴﻮع إﺳﺎءة اﺳﺘﺨﺪام اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻣﻦ اﻟﻔﺮﻳﺴﻴﻴﻦ واﻟﻜﺘﺒﺔ، وأﻋﺎد اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻤﻄﻠﻘﺔ ﻟﻜﻠﻤﺔ ﷲ. اﻟﻜﻠﻤﺔ وﺣﺪﻫﺎ ﻫﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﺤﻜﻢ ﻗﻠﻮب اﻟﻨﺎس وﺣﻴﺎﺗﻬﻢ. ﻟﻘﺪ أﻋﺎد ﻧﻘﺎء اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ.
ﻟﻢ ﻳﺄتِ ﻳﺴﻮع ﻟﻴﻠﻐﻲ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﺑﻞ أﻋﺎد إرﺳﺎء اﻟﺘﻔﺴﻴﺮ اﻟﻜﺎﻣﻞ واﻟﺤﺮﻓﻲ واﻟﻤﻠﺰم ﻟﻠﺸﺮﻳﻌﺔ ﻟﻸﻣﺔ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ، وأدان ﻛﻞ ﻣﻮاﻃﻦ وﻗﺎﺋﺪ ﻟﻌﺪم اﻟﺘﺰاﻣﻪ ﺑﻨﺺ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻛﻤﺎ أﻧﺰﻟﻬﺎ ﷲ.
ﻳﻘﻮل اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ روﻣﻴﺔ (١٥: ٨) “وَأَقُولُ: إِنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ قَدْ صَارَ خَادِمَ ٱلْخِتَانِ، مِنْ أَجْلِ صِدْقِ ٱللهِ، حَتَّى يُثَبِّتَ مَوَاعِيدَ ٱلْآبَاءِ.” ﻣﻦ وﺟﻬﺔ ﻧﻈﺮ ﺑﺸﺮﻳﺔ، رُﻓﺾ ﻳﺴﻮع وﺻُﻠﺐ ﻷﻧﻪ ﻟﻢ ﻳُﻠﺐ ﺗﻮﻗﻌﺎت اﻟﻨﺎس. ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻨﺘﻈﺮون ﻣﺴﻴﺤًﺎ ﻳُﺨﻠﺼﻬﻢ، ﻻ ﻣﻦ ﺧﻄﺎﻳﺎﻫﻢ، ﺑﻞ ﻣﻦ ﻋﻮاﻗﺒﻬﺎ. وﺿﻌﻮا ﺳﻌﻒ اﻟﻨﺨﻴﻞ ﻓﻲ اﻟﻄﺮﻳﻖ وﻫﺘﻔﻮا هوشعنا، ﻇﻨًﺎ ﻣﻨﻬﻢ أن ﻳﺴﻮع ﺳﻴﺴﺘﺨﺪم ﻗﺪراﺗﻪ ﻋﲆ ﺻﻨﻊ اﻟﻤﻌﺠﺰات ﻹﺧﺮاﺟﻬﻢ ﻣﻦ ﺗﺤﺖ ﺣﻜﻢ اﻟﺮوﻣﺎن وﻛﻬﻨﺘﻬﻢ اﻟﻔﺎﺳﺪﻳﻦ.
ﻟﻜﻦ اﻟﻮﻋﻮد اﻟﺘﻲ ﻗُﻄﻌﺖ ﻟﻶﺑﺎء ﺳﺒﻘﺖ اﻷﻣﻞ اﻟﻨﺒﻮي ﻓﻲ ﻣﺴﻴﺢ ﻣُﺨﻠﱢﺺ. ﻟﻢ ﺗﻜﻦ وﻋﻮد اﻷرض واﻟﺤﺮﻳﺔ واﻷﻣﺎن واﻟﺮاﺣﺔ ﻣُﺘﺤﻘﻘﺔ ﻷن اﻷﻣﺔ ﻋﺼﺖ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻃﻮﻳﻼً. ﻋﻠّﻢ ﻳﺴﻮع ﻗﻮﻻً وﻓﻌﻼً أﻧﻬﻢ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﻮن اﻟﺘﻤﺘﻊ ﺑﻮﻋﻮد اﻟﻌﻬﺪ وﻫﻢ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺗﻤﺮد ﻋﲆ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ.
ﻛﺎﻧﻮا ﻓﻲ ﻋﺒﻮدﻳﺔ اﻷﻣﻢ ﻷﻧﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮا ﻓﻲ ﻋﺒﻮدﻳﺔ ﺧﻄﺎﻳﺎﻫﻢ. وﻟﻤﺎ أدرﻛﻮا أن ﻳﺴﻮع ﻟﻦ ﻳُﻄﻴﺢ ﺑﺎﻟﺮوﻣﺎن وﻟﻦ ﻳﻤﻨﺤﻬﻢ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﻤﺎدﻳﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﻮا ﻳﺘﻮﻗﻮن إﻟﻴﻬﺎ، ﺗﺤﻮﻟﺖ ﻫﺘﺎﻓﺎﺗﻬﻢ إﱃ: “اﺻﻠﺒﻪ”.
ﻟﻮ اﺿﻄﺮوا ﻟﻠﻌﻴﺶ ﺗﺤﺖ اﻟﻌﺒﻮدﻳﺔ، ﻟﻔﻀﻠﻮا اﻟﺨﻀﻮع ﻟﺤﺎﻛﻢ روﻣﺎﻧﻲ ﻇﺎﻟﻢ ﻋﲆ اﻟﺨﻀﻮع ﻟﺤﺎﻛﻢ ﻳﻬﻮدي ﺑﺎر. ﻗﺎل ﺑﻴﻼﻃﺲ: “أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً.” (ﻳﻮﺣﻨﺎ ١٨: ٣٨ — ١٩: ٤ ،٦)ﻟﻜﻨﻬﻢ ﺻﺮﺧﻮا: “لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلَّا قَيْصَرَ.” (ﻳﻮﺣﻨﺎ ١٩: ١٥).
ﺧﺪم ﻳﺴﻮع اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. ﻓﻌﻞ ذﻟﻚ ﻛﺠﺰء ﻣﻦ اﻷﻣﺔ اﻟﺘﻲ ﺷﻬﺪت وﻋﻮد اﻟﻌﻬﺪ ﺑﻌﻼﻣﺔ اﻟﺨﺘﺎن. ﻟﻢ ﻳُﺒﻄﻞ اﻟﻮﻋﻮد ﺑﻞ أﻛّﺪﻫﺎ. ﻋﻠّﻢ وﻋﺎش ﺣﻖ ﷲ. ﻫﺬه ﻫﻲ أﻗﻮال رﺳﺎﻟﺔ روﻣﻴﺔ (١٥: ٨).
٤. لقد أكمل رموز وضلال الناموس.
ﻓﻲ ﻋﺒﺮاﻧﻴﻴﻦ (٩ : ١١ – ١٢) ﻧﺮى أن ﻳﺴﻮع ﻗﺪ أﺗﻢّ رﻣﻮز اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ وﻇﻼﻟﻬﺎ ﺑﺤﻴﺎﺗﻪ وﻣﻮﺗﻪ. “وَأَمَّا ٱلْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ ٱلْعَتِيدَةِ، فَبِٱلْمَسْكَنِ ٱلْأَعْظَمِ وَٱلْأَكْمَلِ، غَيْرِ ٱلْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ ٱلَّذِي لَيْسَ مِنْ هَذِهِ ٱلْخَلِيقَةِ، وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى ٱلْأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا.”
ﻛﻞ اﻟﻤﺎﻋﺰ، وﻛﻞ اﻟﻌﺠﻮل، وﻛﻞ اﻟﺤﻴﻮاﻧﺎت، وﻛﻞ اﻟﺪﻣﺎء اﻟﺘﻲ ﺳُﻔﻜﺖ ﻋﲆ ﻣﺬﺑﺢ ﺗﺸﻴﺮ إﱃ ﺗﻀﺤﻴﺔ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻋﲆ اﻟﺼﻠﻴﺐ ﻓﻲ اﻟﺠﻠﺠﺜﺔ.
“لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى ٱلْمُنَجَّسِينَ، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ ٱلْجَسَدِ، فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ ٱلْمَسِيحِ، ٱلَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلهِ بِلَا عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا ٱللهَ ٱلْحَيَّ!” (اﻵﻳﺎت ١٣-١٤).ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺜﻴﺮان واﻟﻤﺎﻋﺰ واﻟﻌﺠﻼت واﻟﺮﻣﺎد واﻟﻘﺮاﺑﻴﻦ، إذا ﻗﺪﻣﻬﺎ ﻣﻦ ﻳﺨﺸﻰ ﷲ وﻳﻌﺒﺪه، ﺗﺆﺛﺮ ﻓﻲ ﺑﺮه اﻟﻈﺎﻫﺮ وأﻓﻌﺎﻟﻪ. ﻟﻜﻦ اﻟﺘﻄﻬﻴﺮ اﻟﺪاﺧﻠﻲ وﺗﻨﻘﻴﺔ اﻟﻀﻤﻴﺮ ﻳﺘﻄﻠﺒﺎن دم ﻳﺴﻮع. ﻟﻘﺪ ﻛﺎن وﻻ ﻳﺰال ﺗﺤﻘﻴﻘًﺎ ﻟﺠﻤﻴﻊ رﻣﻮز اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ وإﺷﺎراﺗﻪ.
“لِأَنَّ ٱلْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ ٱلْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ إِلَى ٱلسَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ ٱلْآنَ أَمَامَ وَجْهِ ٱللهِ لِأَجْلِنَا.” (اﻵﻳﺔ ٢٤).وﻫﺬا أﻣﺮٌ ﻻﻓﺖٌ ﻟﻠﻨﻈﺮ، ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﻓﻲ ﻋﺮﺿﻪ اﻟﺮاﺋﻊ ﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺻﻌﻮد اﻟﻤﺴﻴﺢ، وﻻ ﻓﻲ ﻛﻮﻧﻪ ﻣﻊ اﻵب ﻷﺟﻠﻨﺎ، ﺑﻞ ﻓﻲ ﺗﻌﻠﻴﻤﻪ اﻟﻤﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ.
ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻨﺺ ﻧﻔﻬﻢ أن اﻟﻤﺠﻲء إﱃ اﻟﻤﻜﺎن اﻟﺬي ﺷﺮﻋﻪ ﷲ (ﺧﻴﻤﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎع)، ﺑﺎﻟﻄﺮﻳﻘﺔ اﻟﺘﻲ ﺷﺮﻋﻬﺎ (ﻟﻠﻌﺒﺎدة)، ﻣﻊ اﻟﺬﺑﻴﺤﺔ اﻟﺘﻲ ﺷﺮﻋﻬﺎ، ﻣﺤﺎﻃًﺎ ﺑﺎﻷواﻧﻲ اﻟﺘﻲ ﺷﺮﻋﻬﺎ (اﻷﻧﻮار، وﺧﺒﺰ اﻟﺘﻘﺪﻣﺔ، واﻟﻤﺎﺋﺪة، إﻟﺦ) ﻻ ﻳﺮﻓﻊ اﻟﻤﺮء ﻗﻴﺪ أﻧﻤﻠﺔ ﻋﻦ اﻷرض. ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ اﻧﺘﻬﻰ ﺑﻨﻮ ﻫﺎرون ﻣﻦ ﻋﻤﻠﻬﻢ، ﻟﻢ ﻳﻜﻦ اﻟﻜﺎﻫﻦ وﻣﻦ ﻛﺎن ﻳﻌﻤﻞ ﻟﺪﻳﻬﻢ أﻗﺮب إﱃ اﻟﺴﻤﺎء ﻣﻤﺎ ﻛﺎﻧﻮا ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻲ اﻟﺒﺪاﻳﺔ.
ﻟﻜﻦ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ دﺧﻞ إﱃ ﻗﺪس اﻷﻗﺪاس ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء، وذﻟﻚ ﺑﺪﻣﻪ. ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن ﺑﺘﻀﺤﻴﺘﻪ، ﻳُﻤﻜﻦ ﻷﺣﻘﺮ اﻟﺨﻄﺎة أن ﻳﺮﺗﻔﻊ إﱃ أﻋﲆ اﻟﻤﺮاﺗﺐ. ﺟﻤﻴﻊ رﻣﻮز اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ أﺷﺎرت إﱃ اﻟﺘﻀﺤﻴﺔ اﻟﻮﺣﻴﺪة اﻟﺘﻲ ﺗُﻨﻘﻞ اﻹﻧﺴﺎن ﻣﻦ اﻷرض إﱃ اﻟﺴﻤﺎء، أﻻ وﻫﻲ دم ﻳﺴﻮع.
ﺗﺨﻴّﻞ اﻣﺮأةً ﺗﻘﻊ ﻓﻲ اﻟﺤﺐ، ﻟﻜﻦ ﺣﺒﻴﺒﻬﺎ ﻳُﺴﺘﺪﻋﻰ إﱃ اﻟﺤﺮب، ﻓﻼ ﻳﺒﻘﻰ ﻟﻬﺎ ﺳﻮى ﺻﻮرﺗﻪ. ﻟﺴﻨﻮاتٍ ﻃﻮﻳﻠﺔ، ﺗﻨﻈﺮ ﻛﻞ ﻟﻴﻠﺔ إﱃ ﺻﻮرﺗﻪ، ﻣﺘﻠﻬﻔﺔً ﻟﻠﻴﻮم اﻟﺬي ﻳﻌﻮد ﻓﻴﻪ وﻳﺠﻌﻠﻬﺎ ﻋﺮوﺳﻪ. وأﺧﻴﺮًا، ﺗﻨﺘﻬﻲ اﻟﺤﺮب، وﻳﻌﻮد إﱃ اﻟﻮﻃﻦ. ﺗﺮاه ﻫﻨﺎك ﻓﻲ أﺑﻬﻰ ﺣﻠﻠﻪ، ﻳﺒﺪو أﺟﻤﻞ ﻣﻤﺎ ﻛﺎن ﻋﻠﻴﻪ ﺣﻴﻦ رﺣﻞ، وأﻛﺜﺮ رﺟﻮﻟﺔً ﻣﻤﺎ ﻛﺎن ﻋﻠﻴﻪ ﺣﻴﻦ وﻗﻌﺖ ﻓﻲ ﺣﺒﻪ. وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﺗﺨﺘﺎر أن ﺗُﺒﻘﻲ ﻋﲆ ﻋﻼﻗﺘﻬﺎ ﺑﺼﻮرﺗﻪ وﺗﺮﻓﺾ اﻟﺰواج ﻣﻨﻪ. أﻣﺮٌ ﻻ ﻳُﺼﺪق.
ﻫﺬا ﺑﺎﻟﻀﺒﻂ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﺘﻪ أﻣﺔ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻋﻨﺪﻣﺎ اﺧﺘﺎرت اﻟﺘﻤﺴﻚ ﺑﺮﻣﻮز اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ وﻇﻼﻟﻬﺎ ﺑﺪﻻً ﻣﻦ ﻗﺒﻮل ﺷﺨﺺ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ. ﻟﻘﺪ ﻓﻀﻠﻮا دم اﻟﺜﻴﺮان واﻟﻤﺎﻋﺰ ﻋﲆ دم ﺣﻤﻞ ﷲ.
تخيل اﻵن أن ﻣﻨﺰل ﻫﺬه اﻟﻔﺘﺎة ﻳﺤﺘﺮق، وﺗﻠﺘﻬﻢ اﻟﺼﻮرة. ﻟﻢ ﻳﺘﺒﻖ ﻟﻬﺎ ﺷﻲء. ﻟﻘﺪ اﺳﺘﺒﺪﻟﺖ اﻟﺮﺟﻞ ﺑﺼﻮرة اﻟﺮﺟﻞ، ﺛﻢ اﺧﺘﻔﺖ اﻟﺼﻮرة.
ﺑﻌﺪ ﺳﻨﻮات ﻗﻠﻴﻠﺔ ﻣﻦ ﻗﻴﺎﻣﺔ ﻳﺴﻮع ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻷﻣﻮات، ﻓﻘﺪ اﻟﻴﻬﻮد ﻫﻴﻜﻠﻬﻢ وﻛﻬﻨﺘﻬﻢ وﻣﺪﻳﻨﺘﻬﻢ وﻣﺬﺑﺤﻬﻢ – دُﻣﺮ ﻛﻞ ﺷﻲء، وﺗﺸﺘﺘﻮا ﻓﻲ أرﺟﺎء اﻷرض. ﻳﺮوي ﺳﻔﺮ ﻫﻮﺷﻊ (٣ : ٤)ﻫﺬه اﻟﻘﺼﺔ: “لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَيَقْعُدُونَ أَيَّامًا كَثِيرَةً بِلَا مَلِكٍ، وَبِلَا رَئِيسٍ، وَبِلَا ذَبِيحَةٍ، وَبِلَا تِمْثَالٍ، وَبِلَا أَفُودٍ وَتَرَافِيمَ.” ﻟﻘﺪ اﺳﺘﺒﺪﻟﻮا ﻣﺴﻴﺤﻬﻢ ﺑﺮﻣﻮزه، ﺛﻢ أُزﻳﻠﺖ ﺗﻠﻚ اﻟﺮﻣﻮز.
ﺗﺘﻮﻓﺮ اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺐ اﻟﺮاﺋﻌﺔ اﻟﺘﻲ ﺗُﻈﻬﺮ ﺻﻮر اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻓﻲ ﺧﻴﻤﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎع، واﻟﻬﻴﻜﻞ، واﻷﻋﻴﺎد، واﻟﺬﺑﺎﺋﺢ. إﻧﻬﺎ ﻣﻤﺘﻌﺔ ﻟﻠﻘﺮاءة واﻟﺘﺄﻣﻞ. ﻣﺎ أﻋﻈﻢ أن ﷲ اﻻﺑﻦ ﺟﺎء ﻟﻴُﺘﱢﻤﻢ ﻛﻞ ﻣﺎ ﺑﺸَّﺮت ﺑﻪ ﻛﻠﻤﺔ ﷲ ﺑﺸﺄن ﻣﻌﺎﻧﺎﺗﻪ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﺨﻄﺎﻳﺎ واﻟﺨﻄﺎة، ﻟﻜﻲ ﺗُﺨﻠﱠﺺ اﻟﻨﻔﻮس اﻟﻀﺎﻟﺔ!
٥. ﻟﻘﺪ ﺗﺤﻤﻞ ﻟﻌﻨﺔ الناموس.
ﻟﻘﺪ أﺛﺒﺘﻨﺎ أن ﻛﻞ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﻠﺘﺰم ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔً ﻃﻮال ﺣﻴﺎﺗﻪ ﻛﺎن ﻣُﺪاﻧًﺎ. وﻧﺤﻦ ﻧﺤﺐ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع ﻷﻧﻪ ﺣﻤﻞ ﻋﻨﺎ ﺗﻠﻚ اﻟﻠﻌﻨﺔ ودﻓﻊ ﺛﻤﻨﻬﺎ ﻛﺎﻣﻼً ﺑﻤﻮﺗﻪ ﻋﲆ اﻟﺼﻠﻴﺐ.
ﻳﻘﻮل ﻏﻼﻃﻴﺔ (٣ : ١٣ – ١٤) “اَلْمَسِيحُ ٱفْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ ٱلنَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لِأَجْلِنَا، لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ». لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلْأُمَمِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِٱلْإِيمَانِ مَوْعِدَ ٱلرُّوحِ.”
ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ أﻧﻨﺎ ﻣﻐﻔﻮر ﻟﻨﺎ، وﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ أﻧﻨﺎ ﻣﻔﺪى، ﺑﻞ إﻧﻨﺎ ﻧﻨﺎل ﻣﺠﺎﻧﺎً ﺑﺮﻛﺎت ﻻ ﺣﺼﺮ ﻟﻬﺎ ﻟﻢ ﻧﻜﻦ ﻧﺴﺘﺤﻘﻬﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ.
أوﻻً، ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻷي ﺧﺎﻃﺊ أن ﻳﺪﻋﻲ اﻟﺤﺼﻮل ﻋﲆ ﺑﺮﻛﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ، ﻟﻜﻦ ﻳﺴﻮع أﺧﺬ ﻣﻜﺎن اﻟﺨﺎﻃﺊ ﺗﺤﺖ اﻟﻠﻌﻨﺔ ﺣﺘﻰ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ أن ﻳﻤﻨﺤﻨﺎ ﻛﻤﺎل ﻧﻌﻤﺘﻪ ورﺣﻤﺘﻪ، ﺑﻌﺪ أن أﺗﻢّ ﻛﻞ ﺑﺮ ﻧﻴﺎﺑﺔ ﻋﻨﺎ.
ﺛﺎﻧﻴﺎً، ﻣﻦ ﺧﻼل ﻋﻤﻞ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ اﻟﻤﻨﺠﺰ، ﻓﺈن اﻷﻣﻤﻴﻴﻦ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺜﻘﻮن ﺑﻪ ﻳﺤﺼﻠﻮن ﻋﲆ اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺒﺮﻛﺎت اﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻠﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺳﺘﺘﻤﺘﻊ ﺑﻬﺎ إﺳﺮاﺋﻴﻞ اﻟﻤﺴﺘﻌﺎدة ﻓﻲ ﻋﺼﺮ اﻟﻤﻠﻜﻮت.
ﺛﺎﻟﺜًﺎ، ﻋﲆ اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أﻧﻨﺎ ﻻ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ أﺑﺪًا اﻻﻟﺘﺰام ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺑﺴﺒﺐ ﺣﺎﻟﺘﻨﺎ اﻟﺴﺎﻗﻄﺔ، إﻻ أﻧﻨﺎ ﻗﺎدرون ﻋﲆ ﻋﻴﺶ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻣﻦ ﺧﻼل ﻫﺒﺔ اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس اﻟﺴﺎﻛﻦ ﻓﻴﻨﺎ.
٦.أﺧﺮج اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮا ﻋﺒﻴﺪاً ﺗﺤﺖ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ وﺟﻌﻠﻬﻢ أﺑﻨﺎءً.
ﺑﻌﺪ أن أﺗﻢّ اﻟﺮبّ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ودﻓﻊ ﺛﻤﻦ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﺤﻔﻈﻬﺎ، وﻓﺪى ﻣﻦ آﻣﻨﻮا ﺑﻪ، ﻳﺄﺧﺬ اﻟﺮبّ أوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮا ﻋﺒﻴﺪًا ﻟﻠﺸﺮﻳﻌﺔ وﻳﺠﻌﻠﻬﻢ أﺑﻨﺎءً ﻟﻠﻪ. ﻣﻦ ذا اﻟﺬي ﻻ ﻳﺘﻌﺠﺐ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺘﻨﺎ وﻣﻜﺎﻧﺘﻨﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﻴﺢ؟
ﻛﻠﻤﺔ “العبد” ﺗﻮﺣﻲ ﺑﺎﻟﻌﺒﻮدﻳﺔ واﻟﻘﺴﻮة واﻟﻈﻠﻢ. ﻓﻤﻌﻈﻢ ﻣﻦ ﻳﺴﻤﻌﻬﺎ ﻳﺘﺒﺎدر إﱃ ذﻫﻨﻪ اﻟﻌﺒﻮدﻳﺔ ﻛﺸﻲء ﻳﺘﻮق اﻹﻧﺴﺎن إﱃ اﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻨﻪ. أﻣﺎ ﻛﻠﻤﺔ “اﺑﻦ” ﻓﺘﻮﺣﻲ ﺑﺎﻟﺤﺐ واﻟﺤﻴﺎة واﻟﺮﻓﻘﺔ وأوﺛﻖ اﻟﺮواﺑﻂ اﻟﺘﻲ ﻳﺘﻮق إﻟﻴﻬﺎ ﻗﻠﺐ اﻹﻧﺴﺎن.
ﻳﻘﻮل ﻏﻼﻃﻴﺔ (٤ : ١ – ٧) “وَإِنَّمَا أَقُولُ: مَا دَامَ ٱلْوَارِثُ قَاصِرًا لَا يَفْرِقُ شَيْئًا عَنِ ٱلْعَبْدِ، مَعَ كَوْنِهِ صَاحِبَ ٱلْجَمِيعِ. بَلْ هُوَ تَحْتَ أَوْصِيَاءَ وَوُكَلَاءَ إِلَى ٱلْوَقْتِ ٱلْمُؤَجَّلِ مِنْ أَبِيهِ.” (اﻵﻳﺎت ١-٢).رﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﻹﺳﺮاﺋﻴﻞ وﻋﻮد ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻓﻲ ﻋﻬﺪ إﺑﺮاﻫﻴﻢ، ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻨﻌﻤﻮا ﺑﻬﺎ ﻟﻘﺮون ﻗﺒﻞ اﻟﻤﺴﻴﺢ، وﻓﻲ اﻷﻟﻔﻲ ﻋﺎم اﻟﺘﻲ ﺗﻠﺖ اﻟﺠﻠﺠﺜﺔ ﻋﺎﺷﻮا ﻛﻤﺎ ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳُﻌﻂَ ﻟﻬﻢ أي وﻋﺪ ﻗﻂ.
“هَكَذَا نَحْنُ أَيْضًا: لَمَّا كُنَّا قَاصِرِينَ، كُنَّا مُسْتَعْبَدِينَ تَحْتَ أَرْكَانِ ٱلْعَالَمِ.” (اﻵﻳﺔ ٣).ﻳﺮوي ﺳﻔﺮ أﻓﺴﺲ، اﻹﺻﺤﺎﺣﺎن ٢و٤، ﻗﺼﺔ اﻷﻣﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﻇﻠﻮا ﻋﺒﻴﺪًا ﻷﻫﻮاء اﻟﺸﻴﻄﺎن ورﻏﺒﺎﺗﻪ وأﻧﻈﻤﺔ ﻋﺎﻟﻤﻪ.
“وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ ٱلزَّمَانِ، أَرْسَلَ ٱللهُ ٱبْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ ٱمْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ ٱلَّذِينَ تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ، لِنَنَالَ ٱلتَّبَنِّيَ.”(اﻵﻳﺎت ٤-٥).ﻟﻴﺲ اﻷﻣﺮ ﻣﺠﺮد ﺣﻴﺎة أﺑﺪﻳﺔ، وﻻ ﻣﺠﺮد ﻣﺴﻜﻦ ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء، وﻻ ﻣﺠﺮد ﻏﻔﺮان ﻟﻠﺨﻄﺎﻳﺎ، ﺑﻞ ﻣﻨﺤﻨﺎ ﷲ ﻣﻜﺎﻧًﺎ ﻓﻲ ﻋﺎﺋﻠﺘﻪ، وﻣﻘﻌﺪًا ﻋﲆ ﻣﺎﺋﺪﺗﻪ.
“ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ ٱللهُ رُوحَ ٱبْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: «يَا أَبَا ٱلْآبُ». إِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ٱبْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ٱبْنًا فَوَارِثٌ لِلهِ بِٱلْمَسِيحِ.” (اﻵﻳﺎت ٦-٧).ﻫﺬا ﻳﻔﻮق ﺑﻜﺜﻴﺮ اﻟﺘﺤﺮر ﻣﻦ اﻟﻘﻮاﻋﺪ واﻷﻧﻈﻤﺔ واﻟﻤﻄﺎﻟﺐ واﻟﻌﻘﻮﺑﺎت اﻟﺘﻲ ﻓُﺮﺿﺖ ﻋﻨﺪ ﺟﺒﻞ ﺳﻴﻨﺎء. إﻧﻪ إﻋﻼن ﻋﻈﻴﻢ ﺑﺄﻧﻨﺎ أﺻﺒﺤﻨﺎ أﻋﻀﺎءً ﻓﻲ ﻋﺎﺋﻠﺔ ﷲ، وأﻧﻨﺎ، ﺑﺼﻔﺘﻨﺎ ﻛﺬﻟﻚ، ﻧﺮث ﻛﻞ ﻣﺎ ﺻﻨﻌﻪ ﻣﺨﻠﺼﻨﺎ وﻷﺟﻠﻪ.
٧. ﻟﻘﺪ اﺳﺘﺒﺪل الناموس ﺑﻌﻬﺪ ﺟﺪﻳﺪ.
ﺳﻴﻈﻞ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ ﺳﺎرﻳًﺎ داﺋﻤًﺎ. وﻋﺪ ﷲ إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﺎﻷرض، وﺳﻴﺴﻜﻦ ﺷﻌﺒﻪ ﺗﻠﻚ اﻷرض ﻣﻦ اﻟﻤﺠﻲء اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻟﻠﻤﺴﻴﺢ ﻓﺼﺎﻋﺪًا. وﺳﻴﻌﻴﺸﻮن ﻓﻲ ﻇﻞ ناموس اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ ﺑﻌﺪ اﺳﺘﻌﺎدﺗﻬﺎ. أﻣﺎ اﻟﺬﻳﻦ وُﻟﺪوا ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ ﺑﻨﻌﻤﺔ ﷲ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻹﻳﻤﺎن ﺑﺎﻟﺮب ﻳﺴﻮع، ﻓﻘﺪ ﻣﻨﺤﻬﻢ ﷲ ﻣﺎ ﻫﻮ أﻓﻀﻞ ﻣﻦ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ. ﻓﺎﻟﻤﻌﻤﻮدﻳﺔ ﻓﻲ ﺟﺴﺪ اﻟﻤﺴﻴﺢ ﺗﺠﻠﺐ ﻫﺒﺎتٍ أﻏﻨﻰ، وﺗُﻤﻜّﻦ ﻛﻞ ﻓﺮد ﻣﻦ إﻗﺎﻣﺔ ﻋﻼﻗﺔ أﺑﺪﻳﺔ ﻣﻊ اﻟﺮب.
ﻟﻘﺪ وﻫﺐ ﷲ ﻛﻞ إﻧﺴﺎن ﺿﻤﻴﺮًا (روﻣﻴﺔ ٢)وﻓﻬﻤًﺎ ﻟﻘﺪرﺗﻪ، وإدراﻛًﺎ ﻟﻤﺴﺆوﻟﻴﺘﻪ أﻣﺎﻣﻪ (روﻣﻴﺔ ١)وﻧﻮرًا (ﻳﻮﺣﻨﺎ ١).وﻓﻮق ﻛﻞ ذﻟﻚ، أُﻋﻄﻴﺖ أﻣﺔ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﺷﺮﻳﻌﺔ ﻣﻜﺘﻮﺑﺔ ﺑﻴّﻦ ﷲ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﺎﻟﺘﻔﺼﻴﻞ ﻛﻴﻒ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﻤﺮء أن ﻳﻌﻴﺶ وﻳﺤﺐ وﻳﻨﺎل اﻟﺒﺮﻛﺔ. وﻓﻮق ﻛﻞ ذﻟﻚ، اﻟﻌﻼﻗﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺮﺑﻂ اﻟﻤﺴﻴﺢ ﺑﺎﻟﻜﻨﻴﺴﺔ. ﻓﻨﺤﻦ ﻧُﻮﺿﻊ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﻴﺢ، وﻳُﻤﻨﺤﻨﺎ ﷲ اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس ﻟﻴﺴﻜﻦ ﻓﻴﻨﺎ. ﻟﺬا، ﻓﺒﻴﻨﻤﺎ ﻳُﻌﺪّ ﻛﻮن اﻟﻤﺮء ﻋﺒﺮاﻧﻴًﺎ، ﻻ أﻣﻤﻴًﺎ، ﻣﻴﺰة، إﻻ أن اﻷﻓﻀﻞ ﻫﻮ أن ﻳﻜﻮن ﻣﻮﻟﻮدًا ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ ﻣﻦ أﺑﻨﺎء ﷲ.
ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﱃ ﻫﺬه اﻟﺤﻘﺎﺋﻖ، وﻋﺪ اﻟﺮب ﺑﺄن ﻧﺘﻴﺠﺔ أﺧﺮى ﻟﻤﻮت ﻳﺴﻮع ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﺨﻄﺎﻳﺎ ﻫﻲ ﻋﻬﺪ ﺟﺪﻳﺪ ﺑﻴﻦ ﻳﻬﻮه وذرﻳﺔ إﺑﺮاﻫﻴﻢ.
ﻳﺨﺒﺮﻧﺎ اﻟﻌﺒﺮاﻧﻴﻮن (٨: ٦-١٣) “وَلَكِنَّهُ ٱلْآنَ قَدْ حَصَلَ عَلَى خِدْمَةٍ أَفْضَلَ بِمِقْدَارِ مَا هُوَ وَسِيطٌ أَيْضًا لِعَهْدٍ أَعْظَمَ، قَدْ تَثَبَّتَ عَلَى مَوَاعِيدَ أَفْضَلَ. فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ ٱلْأَوَّلُ بِلَا عَيْبٍ لَمَا طُلِبَ مَوْضِعٌ لِثَانٍ. لِأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ لَائِمًا: «هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، حِينَ أُكَمِّلُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْدًا جَدِيدًا. لَا كَٱلْعَهْدِ ٱلَّذِي عَمِلْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُ بِيَدِهِمْ لِأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَثْبُتُوا فِي عَهْدِي، وَأَنَا أَهْمَلْتُهُمْ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ. لِأَنَّ هَذَا هُوَ ٱلْعَهْدُ ٱلَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ ٱلْأَيَّامِ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ: أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي أَذْهَانِهِمْ، وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلَهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. وَلَا يُعَلِّمُونَ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلًا: ٱعْرِفِ ٱلرَّبَّ، لِأَنَّ ٱلْجَمِيعَ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ. لِأَنِّي أَكُونُ صَفُوحًا عَنْ آثَامِهِمْ، وَلَا أَذْكُرُ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ». فَإِذْ قَالَ: «جَدِيدًا»، عَتَّقَ ٱلْأَوَّلَ. وَأَمَّا مَا عَتَقَ وَشَاخَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ ٱلِٱضْمِحْلَالِ.”
ﻳﺠﺐ أن ﻧﺘﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻤﻘﻄﻊ اﻟﻜﺒﻴﺮ واﻟﻬﺎم.
ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ﻫﺬا اﻟﻌﻬﺪ أﺳﻤﻰ ﻣﻦ ﺳﺎﺑﻘﻪ. وﻣﻦ اﻟﺠﻠﻲّ أﻳﻀﺎً أن اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺴﺎﺑﻖ رﺑﻤﺎ ﻳﻜﻮن ﻗﺪ ﺷﻬﺪ اﻧﺤﻼﻻً وﺑﺪا وﻛﺄﻧﻪ ﻋﲆ وﺷﻚ اﻟﺰوال، وﻟﻜﻨﻪ ﻻ ﻳﺰال ﻗﺎﺋﻤﺎً. وﻣﻤﺎ ﻻ ﺷﻚ ﻓﻴﻪ أﻳﻀﺎً أن اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ ﻟﻴﺲ ﺑﻴﻦ اﻟﻤﺴﻴﺢ واﻟﻜﻨﻴﺴﺔ، ﺑﻞ ﺑﻴﻦ اﻵب وأﻣﺘﻪ اﻟﻤﺨﺘﺎرة.
ﺗﺬﻛﺮوا ﻣﺎ ﺗﻌﻠﻤﻨﺎه ﻋﻦ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. ﻟﻘﺪ أُﻧﺰﻟﺖ ﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﺣﻴﺎة ﺑﻨﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻓﻲ أرض اﻟﻤﻴﻌﺎد. وﻛﺎﻧﺖ ﻫﻨﺎك ﻋﻮاﻗﺐ ﻟﻠﻌﺼﻴﺎن، وﻛﺜﻴﺮاً ﻣﺎ ﻋﺎﻧﺖ اﻷﻣﺔ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﻌﻘﻮﺑﺎت ﻷن أﺣﺪاً ﻣﻨﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻠﺘﺰم ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ.
ﻓﻲ ﻋﺼﺮ اﻟﻤﻠﻜﻮت، ﺳﻴﺤﻈﻰ اﻟﻤﺆﻣﻨﻮن اﻟﺒﺎﻗﻮن ﻣﻦ ﺑﻨﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﺑﻤﺰاﻳﺎ ﻋﺪﻳﺪة ﻟﻢ ﻳﺤﻆَ ﺑﻬﺎ أﺳﻼﻓﻬﻢ. ﻟﻦ ﻳﻘﺘﺼﺮ اﻷﻣﺮ ﻋﲆ ﺣﻀﻮر ﻳﺴﻮع، ﺣﺎﻛﻤًﺎ ﻋﲆ ﻋﺮش داود ﻓﻲ أورﺷﻠﻴﻢ، ﺑﻞ ﺳﻴُﻜﺸﻒ اﻟﻨﻘﺎب ﻋﻦ ﻗﻠﻮﺑﻬﻢ ﻟﻴﺮوا ﺣﻘﻴﻘﺘﻪ وﻳﻔﻬﻤﻮا ﻛﻠﻤﺔ ﷲ.
ﻳﺤﻤﻞ ﻫﺬا اﻟﻨﺺ وﻋﺪًا ﻋﻈﻴﻤًﺎ. ﻓﻬﻮ ﻳُﺒﺸّﺮ ﺑﺸﻲء ﻟﻢ ﻳﻨﻌﻢ ﺑﻪ أي إﻧﺴﺎن ﻣﻦ ﻗﺒﻞ، ﺣﺘﻰ أوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮا ﻓﻲ ﻛﻨﻴﺴﺔ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ. ﻗﺎل ﷲ إﻧﻪ ﺳﻴﻜﺘﺐ ﺷﺮاﺋﻌﻪ ﻓﻲ أذﻫﺎﻧﻬﻢ وﻳﻀﻌﻬﺎ ﻓﻲ ﻗﻠﻮﺑﻬﻢ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﺧﺎرﻗﺔ. وﻫﺬا ﺳﻴﻤﻜّﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻃﺎﻋﺔ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻣﻤﻜﻨﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ، ﻣﻤﺎ ﺳﻴﺆدي إﱃ اﻟﺘﻤﺘﻊ اﻟﻜﺎﻣﻞ ﺑﺎﻟﺒﺮﻛﺎت اﻟﻤﻨﺼﻮص ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻓﻲ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. ﺳﻴﻜﻮن ﻫﺬا ﺷﻴﺌًﺎ ﻟﻢ ﻳُﺸﻬﺪ ﻟﻪ ﻣﺜﻴﻞ ﻓﻲ أي ﻋﺼﺮ ﺳﺎﺑﻖ.
٨. ﻟﻘﺪ وﺿﻊ ﻗﺎﻧﻮﻧﺎً أﻋﲆ.
ﻳﻘﻮل اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻓﻲ ﻏﻼﻃﻴﺔ (٦ : ٢) “اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَهَكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ ٱلْمَسِيحِ.” وﻗﺪ رأﻳﻨﺎ ﺳﺎﺑﻘًﺎ أن ﻳﺴﻮع ﻟﻢ ﻳﺄتِ ﻟﻴﻨﻘﺾ اﻟﻨﺎﻣﻮس ﺑﻞ ﻟﻴﺘﻤﻤﻪ. واﻵن ﺳﻨﺮى ﻛﻴﻒ أﺧﺬ اﻟﺮب كلمات اﻟﻨﺎﻣﻮس ووﺳﻌﻪ ﻟﻴﺸﻤﻞ الروح أﻳﻀًﺎ.
ﺑﻌﺪ أن ﻋﻠﻤﻨﺎ أن ﺷﺮﻳﻌﺔ ﻣﻮﺳﻰ ﻣﻘﺪﺳﺔ وﻋﺎدﻟﺔ وﺻﺎﻟﺤﺔ، وأن ﻋﻴﺒﻬﺎ اﻟﻮﺣﻴﺪ ﻳﻜﻤﻦ ﻓﻲ اﻋﺘﻤﺎدﻫﺎ ﻋﲆ ﻃﺎﻋﺔ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﺴﺎﻗﻂ، ﻓﺈﻧﻨﺎ ﻻ ﻧﺸﻜﻚ ﻓﻲ أي آﻳﺔ ﻣﻦ ﺗﻌﺎﻟﻴﻢ ﷲ. إن ﻗﺮاءة ﻣﻤﺘﻌﺔ ﻟﻠﻤﺰﻣﻮر ١١٩ﺳﺘُﻘﻨﻊ اﻟﻘﺎرئ ﺑﻔﻀﺎﺋﻞ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ وﻛﻤﺎﻟﻬﺎ. وﻗﺪ ﺧﺼﺺ اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس أﻃﻮل ﻓﺼﻞ ﻓﻲ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻟﺘﻤﺠﻴﺪ اﻟﻮﺻﺎﻳﺎ واﻷﺣﻜﺎم.
أﻗﺮّ ﻳﺴﻮع اﻟﻮﺻﺎﻳﺎ اﻟﻌﺸﺮ. اﻧﻈﺮ إﱃ اﻷﻣﺜﻠﺔ اﻟﺘﺎﻟﻴﺔ.
“فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ.” (ﻣﺘﻰ ٢٢: ٣٧). “ٱللهُ رُوحٌ. وَٱلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَٱلْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا».” (ﻳﻮﺣﻨﺎ ٤: ٢٤). إذن، لا يوجد الا اله واحد، وﻻ ﻳﺠﻮز ﻋﺒﺎدة ﻏﻴﺮه.
“وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لَا تَحْلِفُوا ٱلْبَتَّةَ، لَا بِٱلسَّمَاءِ لِأَنَّهَا كُرْسِيُّ ٱللهِ، وَلَا بِٱلْأَرْضِ لِأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلَا بِأُورُشَلِيمَ لِأَنَّهَا مَدِينَةُ ٱلْمَلِكِ ٱلْعَظِيمِ.” (ﻣﺘﻰ ٥: ٣٤-٣٥). ﻻ ﻳُﻨﻄﻖ ﺑﺎﺳﻢ ﷲ ﻋﺒﺜًﺎ. إن أردﺗﻢ اﻟﺘﺤﺪث إﻟﻴﻪ، ﻓﺎدﻋﻮه ﺑﺎﺳﻤﻪ. وإن ﻟﻢ ﺗﺮﻏﺒﻮا ﻓﻲ اﻟﺘﺤﺪث إﻟﻴﻪ، ﻓﻼ ﺗﺴﺘﻬﺰﺋﻮا ﺑﺎﺳﻤﻪ. إن ﻛﻨﺖُ ﻗﺪ ﺳﺌﻤﺖُ ﻣﻦ ﺳﻤﺎع اﻟﺤﻤﻘﻰ ﻳﻘﻮﻟﻮن: “ﻳﺎ إﻟﻬﻲ” ﻣﺌﺔ ﻣﺮة ﻓﻲ اﻟﻴﻮم، ﻓﺘﺨﻴﻠﻮا ﻛﻢ ﺳﺌﻢ اﻟﺮب ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﺘﺠﺪﻳﻒ.
“فَإِنَّ ٱللهَ أَوْصَى قَائِلًا: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَمَنْ يَشْتِمْ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا.” (ﻣﺘﻰ ١٥ : ٤).”أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ».” (ﻣﺘﻰ ١٩: ١٩). “لِأَنَّ مُوسَى قَالَ: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَمَنْ يَشْتُمُ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا.” (ﻣﺮﻗﺲ ٧: ١٠). “«قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لَا تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْحُكْمِ.” (ﻣﺘﻰ ٥ : ٢١).
“وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ ٱمْرَأَتَهُ إِلَّا بِسَبَبِ ٱلزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَٱلَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي»…. قَالَ لَهُ: «أَيَّةَ ٱلْوَصَايَا؟». فَقَالَ يَسُوعُ: «لَا تَقْتُلْ. لَا تَزْنِ. لَا تَسْرِقْ. لَا تَشْهَدْ بِٱلزُّورِ.” (ﻣﺘﻰ ١٩: ٩, ١٨).
ﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ أن ﻧﺴﺘﻐﺮب أن ﻧﺠﺪ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ، واﺿﻊ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﻳﺴﺘﺸﻬﺪ ﺑﺴﻠﻄﺔ أﺣﻜﺎﻣﻪ. وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻧﺠﺪ ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ أن اﻟﺮب ﻳﺴﻮع ﻗﺪ وﺿﻊ ﺷﺮﻳﻌﺔ أﺳﻤﻰ ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﺘﻲ أُﻧﺰﻟﺖ ﻋﲆ ﺟﺒﻞ ﺳﻴﻨﺎء. ﻓﻘﺪ أﺧﺮج اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻣﻦ ﻧﻄﺎق اﻟﻌﻤﻞ اﻟﻈﺎﻫﺮ وﺟﻌﻠﻬﺎ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺗﺘﻌﻠﻖ ﺑﺤﺎﻟﺔ اﻟﻘﻠﺐ. ودﻋﺎ اﻟﻨﺎس ﻣﺮارًا وﺗﻜﺮارًا إﱃ اﻟﺴﻴﺮ ﻓﻲ اﻟﻤﻴﻞ اﻷول ﻣﻦ اﻟﻄﺎﻋﺔ اﻟﺘﺎﻣﺔ، ﺛﻢ اﻟﻤﻴﻞ اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﻦ اﻟﺘﻌﺒﺪ اﻟﺒﺎﻃﻨﻲ.
ﻓﻲ ﻣﺘﻰ (١٥ : ١٩) ﻳﻘﻮل اﻟﺮب إن ﻣﺨﺎﻟﻔﺔ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻗﻠﺒﻴﺔ. “لِأَنْ مِنَ ٱلْقَلْبِ تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنًى، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ.”
ﻓﻲ ﻣﺘﻰ (١٢: ٣٤-٣٧) ﻧﻘﺮأ: “يَا أَوْلَادَ ٱلْأَفَاعِي! كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِٱلصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ ٱلْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ ٱلْفَمُ. اَلْإِنْسَانُ ٱلصَّالِحُ مِنَ ٱلْكَنْزِ ٱلصَّالِحِ فِي ٱلْقَلْبِ يُخْرِجُ ٱلصَّالِحَاتِ، وَٱلْإِنْسَانُ ٱلشِّرِّيرُ مِنَ ٱلْكَنْزِ ٱلشِّرِّيرِ يُخْرِجُ ٱلشُّرُورَ. وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا ٱلنَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ ٱلدِّينِ. لِأَنَّكَ بِكَلَامِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلَامِكَ تُدَانُ».”
ﻟﻢ ﻳﻜﺘﻒِ ﻳﺴﻮع ﺑﺎﻟﺘﺄﻛﻴﺪ ﻋﲆ ﺻﺤﺔ اﻟﻮﺻﺎﻳﺎ اﻟﻌﺸﺮ، ﺑﻞ أﻛﺪ أﻳﻀًﺎ ﻋﲆ ﺿﺮورة اﻣﺘﻼك ﻗﻠﺐٍ ﺳﻠﻴﻢٍ ﺗﺠﺎه ﷲ. وأوﺿﺢ أن اﻻﻟﺘﺰام ﺑﺎﻟﻮﺻﺎﻳﺎ ﻳﻨﺒﻊ ﺗﻠﻘﺎﺋﻴًﺎ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻘﻠﺐ اﻟﻄﻴﺐ. ﻛﺎن ﻳﺴﻮع أﻛﺜﺮ اﻫﺘﻤﺎﻣًﺎ ﺑﻤﻦ ﻳﺨﺪم ﷲ ﻃﻮاﻋﻴﺔً ﺑﻘﻠﺐٍ ﻣُﺤﺐ ﻟﻪ، ﻣﻦ أن ﻳُﺠﺒﺮ ﻋﲆ ﺧﺪﻣﺘﻪ رﻏﻤﺎً ﻋﻨﻪ.
وﻳﺘﻀﺢ ﻫﺬا ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﻠﻘﺎء اﻟﻤﺬﻛﻮر ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻟﻮﻗﺎ (١٣: ١٤ – ١٦) “فَأَجابَ رَئِيسُ ٱلْمَجْمَعِ، وَهُوَ مُغْتَاظٌ لِأَنَّ يَسُوعَ أَبْرَأَ فِي ٱلسَّبْتِ، وَقَالَ لِلْجَمْعِ: «هِيَ سِتَّةُ أَيَّامٍ يَنْبَغِي فِيهَا ٱلْعَمَلُ، فَفِي هَذِهِ ٱئْتُوا وَٱسْتَشْفُوا، وَلَيْسَ فِي يَوْمِ ٱلسَّبْتِ!». فَأَجَابَهُ ٱلرَّبُّ وَقَالَ: «يَا مُرَائِي! أَلَا يَحُلُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ ثَوْرَهُ أَوْ حِمَارَهُ مِنَ ٱلْمِذْوَدِ وَيَمْضِي بِهِ وَيَسْقِيهِ؟ وَهَذِهِ، وَهِيَ ٱبْنَةُ إِبْراهِيمَ، قَدْ رَبَطَهَا ٱلشَّيْطَانُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُحَلَّ مِنْ هَذَا ٱلرِّبَاطِ فِي يَوْمِ ٱلسَّبْتِ؟».”
رﺑﻤﺎ ﻛﺎن ﺻﺤﻴﺤًﺎ أﻧﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﺮﺗﻜﺒﻮا أي ﺧﻄﺄ ﻓﻲ اﻟﻴﻮم اﻟﺴﺎﺑﻊ (وﻫﺬا أﻣﺮ ﻣﺴﺘﺒﻌﺪ ﺟﺪًا)، ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻔﻌﻠﻮا ﻛﻞ ﺷﻲء ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻴﻮم وﻻ ﻓﻲ اﻷﻳﺎم اﻟﺴﺘﺔ اﻷﺧﺮى. أراد اﻟﺮب أن ﻳﺬﻛّﺮﻫﻢ ﺑﺄن اﻟﻮﺻﻴﺔ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻣﺠﺮد ﺗﺬﻛﺮ ﻳﻮم اﻟﺴﺒﺖ، ﺑﻞ ﺷﻤﻠﺖ أﻳﻀًﺎ ﻃﻠﺐ ﺗﻘﺪﻳﺴﻪ (ﺧﺮوج ٢٠: ٨).
اﻧﻈﺮ إﱃ اﻷﻣﺜﻠﺔ اﻷرﺑﻌﺔ اﻟﻮاردة ﻓﻲ ﻣﺘﻰ ٥.ﻳﺒﺪأ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﻌﺒﺎرة: “قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ”
ﻓﻲ اﻷوﱃ، ﻳﺘﻮﺳﻊ اﻟﺮب ﻓﻲ ﺷﺮح “ﻻ ﺗﻘﺘﻞ” وﻳﺠﻌﻞ ﻣﻦ اﻟﻤﺤﺮﻣﺎت اﻟﻐﻀﺐ ﻋﲆ اﻷخ ﺑﺪون ﺳﺒﺐ أو وﺻﻔﻪ ﺑﺎﻟﻐﺒﺎء ﺑﻐﻀﺐ (اﻵﻳﺎت ٢١-٢٢).
ﻓﻲ اﻵﻳﺔ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، ﻳﻮﺿﺢ ﻳﺴﻮع أن ﻓﻌﻞ اﻟﺰﻧﺎ ﺧﻄﻴﺌﺔ، وﻛﺬﻟﻚ اﻟﺮﻏﺒﺔ ﻓﻴﻪ. ﻳﻘﻮل: “وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى ٱمْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ.” (اﻵﻳﺔ ٢٨).ﻫﺬا أﺣﺪ اﻟﻤﻮاﺿﻊ اﻟﻌﺪﻳﺪة اﻟﺘﻲ ﻳُﺒﻴﻦ ﻓﻴﻬﺎ ﻳﺴﻮع أن اﻟﺨﻮف ﻣﻦ اﻟﻌﻘﺎب ﻗﺪ ﻳﻤﻨﻊ اﻹﻧﺴﺎن، ﻟﻜﻦ ﻗﻠﺒﻪ ﻳﻤﻴﻞ إﱃ ارﺗﻜﺎب اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ. ﻟﻘﺪ ﺗﺠﺎوز اﻟﻤﺴﻴﺢ اﻟﻔﻌﻞ إﱃ اﻟﺮﻏﺒﺔ، ﻓﺠﻌﻞ اﻹﻧﺴﺎن ﻣﺬﻧﺒًﺎ ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﺑﺴﺒﺐ اﻟﻔﻌﻞ اﻟﻈﺎﻫﺮ، ﺑﻞ أﻳﻀًﺎ ﺑﺴﺒﺐ اﻟﺸﻮق اﻟﺒﺎﻃﻨﻲ.
ﻓﻲ اﻟﺜﺎﻟﺚ، ﻳﺰﻳﺪ ﷲ ﺣﺪود ﺷﺮﻳﻌﺔ اﻟﺤﻠﻒ. “«أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لَا تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لَا تَحْلِفُوا ٱلْبَتَّةَ، لَا بِٱلسَّمَاءِ لِأَنَّهَا كُرْسِيُّ ٱللهِ، وَلَا بِٱلْأَرْضِ لِأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلَا بِأُورُشَلِيمَ لِأَنَّهَا مَدِينَةُ ٱلْمَلِكِ ٱلْعَظِيمِ.”(اﻵﻳﺎت ٣٣-٣٥).
ﻓﻲ اﻵﻳﺔ اﻟﺮاﺑﻌﺔ، ﻳﻘﻮل اﻟﻤﺴﻴﺢ إﻧﻪ ﻻ ﻳﻜﻔﻲ أن ﻧﻜﻮن ﺧﺎﻟﻴﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﻜﺮاﻫﻴﺔ وأن ﻧﻤﺘﻨﻊ ﻋﻦ إﻳﺬاء اﻵﺧﺮﻳﻦ. ﺑﻞ ﻳﻘﻮل إﻧﻪ ﻳﺠﺐ ﻋﻠﻴﻨﺎ أن ﻧﺤﺒﻬﻢ وﻧﺤﺴﻦ إﻟﻴﻬﻢ، وإﻻ ﻧﻜﻮن ﻣﺬﻧﺒﻴﻦ.” «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لِأَجْلِ ٱلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ”(اﻵﻳﺎت ٤٣-٤٤).
ﺗﺬﻛﺮوا اﻵﻳﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮل إن اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﺣﺘﻰ ﻳﻮﺣﻨﺎ، وأن اﻟﻨﻌﻤﺔ واﻟﺤﻖ ﺟﺎءا ﺑﻴﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ (ﻳﻮﺣﻨﺎ ١: ١٧). ﻟﻢ ﻳﻜﻦ اﻟﺮب ﻳُﻠﻐﻲ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﺑﻞ ﻛﺎن ﻳﻘﻮل إﻧﻪ إن ﻏﺎﺑﺖ ﻋﻨﻜﻢ اﻟﻨﻌﻤﺔ واﻟﺤﻖ، ﻓﻠﻦ ﻳﺒﻘﻰ ﻟﻜﻢ إﻻ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺑﺪون اﻟﻨﻌﻤﺔ واﻟﺤﻖ ﻻ ﺗﻨﻔﻌﻜﻢ ﺷﻴﺌًﺎ. ﻟﻢ ﻳُﺒﺪّل ﻳﺴﻮع اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ أو ﻳُﻠﻐﻴﻬﺎ، ﺑﻞ أﻇﻬﺮ ﺣﻘﻴﻘﺘﻬﺎ وﺟﻮﻫﺮﻫﺎ.
إن ﻓﻜﺮة أن ﺣﻔﻆ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻗﻠﺒﻴﺔ ﻟﻬﺎ ﻧﻈﻴﺮ ﻓﻲ ﻃﺎﻋﺔ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ. إذ ﻳﻘﻮل اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس: “فَإِنَّ هَذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ ٱللهِ: أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ. وَوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً” (١ﻳﻮﺣﻨﺎ ٥: ٣). ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﻳﺴﻴﻄﺮ ﺣﺐ ﷲ ﻋﲆ اﻟﻘﻠﺐ، ﻳﻘﻮل اﻟﻨﺎس: «ﺑﺎﻟﺘﺄﻛﻴﺪ ﻳﺎ رب، أرﺷﺪﻧﻲ إﱃ ﻣﺎ ﻳﺠﺐ ﻋﻠﻲّ ﻓﻌﻠﻪ.» أﻣﺎ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻻ ﻳﺴﻴﻄﺮ ﺣﺐ ﷲ ﻋﲆ اﻟﻘﻠﺐ، ﻓﻴﻘﻮل اﻟﻨﺎس: «ﻣﺎذا ﺗﻌﻨﻲ ﺑﻘﻮﻟﻚ إﻧﻨﻲ ﻻ أﺳﺘﻄﻴﻊ ﻓﻌﻞ ذﻟﻚ؟.» أﺣﺪ اﻟﻤﻨﺎﻫﺞ ﻳﻘﻮل: «اﱃ أي ﻣﺪى ﻳﺮﻳﺪ ﷲ ﻣﻨﻲ أن أذﻫﺐ؟» واﻵﺧﺮ ﻳﻘﻮل: «ﻟﻤﺎذا ﻋﻠﻲّ أن أذﻫﺐ إﱃ ﻫﺬا اﻟﺤﺪ؟» ﻓﺎﻷﻣﺮ ﻛﻠﻪ ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻗﻠﺒﻴﺔ.