اﻟﺘﺒﺮﻳﺮ أﻣﺎم اﻟﺮﺟﺎل.

إنّ اﻟﺤﺠﺔ اﻟﻮﺣﻴﺪة اﻟﺘﻲ ﺗﺒﺪو ﻗﻮﻳﺔ ﺿﺪ ﻣﺎ ﻃﺮﺣﻨﺎه ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻔﺼﻞ ﻫﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺗﺒﺮﻳﺮ إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﺎﻷﻋﻤﺎل ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ ﻳﻌﻘﻮب ٢.وﻗﺪ ﺷﻜّﻠﺖ ﻫﺬه اﻟﻔﻘﺮة اﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﻣﻌﻀﻠﺔً ﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ دارﺳﻲ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻋﲆ ﻣﺮّ اﻟﺴﻨﻴﻦ. ﻓﺎﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻤﻦ ﻳﺘﻤﺴﻜﻮن ﺑﺎﻟﻔﻜﺮة اﻟﺨﺎﻃﺌﺔ اﻟﻘﺎﺋﻠﺔ ﺑﺄن ﻣﻮت اﻟﺮب ﻳﺴﻮع ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺿﺮورﻳًﺎ ﻷن اﻟﻨﺎس ﻛﺎﻧﻮا ﺳﺎﺑﻘًﺎ ﻳﻨﺎﻟﻮن الأبدية بالأﻋﻤﺎل اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ، ﻻ ﻳﻜﺘﻔﻮن ﺑﺎﻹﺷﺎرة إﱃ ﻫﺬا اﻟﺠﺰء ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻛﺪﻟﻴﻞ، ﺑﻞ ﻳﺸﻨﻮن ﻫﺠﻮﻣًﺎ ﻋﲆ ﺷﺨﺼﻴﺘﻚ وذﻛﺎﺋﻚ وﺳﻤﻌﺘﻚ إذا ﺧﺎﻟﻔﺘﻬﻢ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮﻫﻢ ﻟﻬﺬه اﻟﻔﻘﺮة.
أﺣﺪ اﻹﺧﻮة اﻟﻤﺨﻠﺼﻴﻦ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﻴﺢ، وﻫﻮ ﻋﻀﻮ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﺘﻲ أﻧﺘﻤﻲ إﻟﻴﻬﺎ، ﺷﺠﺒﻨﻲ ﻣﻦ ﻋﲆ ﻣﻨﺒﺮه، وﺣﺬر اﻟﻄﻼب ﻓﻲ ﻣﻌﻬﺪه ﻣﻦ اﻻﻗﺘﺮاب ﻣﻨﻲ، وﻗﺎل إﻧﻨﻲ “ﻏﺒﻲ وﻻ أﻋﺮف ﺷﻴﺌًﺎ ﻋﻦ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس” ﻷﻧﻨﻲ ﻟﻢ أﻋﺘﺒﺮ رﺳﺎﻟﺔ ﻳﻌﻘﻮب ٢ دﻟﻴﻼً ﻋﲆ اﻟﺨﻼص ﺑﺎﻷﻋﻤﺎل ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ.
ﺣﺴﻨًﺎ، ﻗﺪ أﻛﻮن ﻏﺒﻴًﺎ أو ﻻ، وﻗﺪ ﻻ أﻋﺮف اﻟﻜﺜﻴﺮ ﻋﻦ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس، ﻟﻜﻨﻨﻲ أﻋﺮف ﻛﻴﻒ أﻗﺎرن اﻟﻨﺼﻮص وأﺣﻠﻠﻬﺎ ﻗﺒﻞ اﺳﺘﺨﻼص أي اﺳﺘﻨﺘﺎﺟﺎت. ﻓﻠﻨﺠﺮب ذﻟﻚ.
ﻳﻘﻮل ﻳﻌﻘﻮب (٢: ١٧-٢٤) ﻣﺎ ﻳﻠﻲ.
“هَكَذَا ٱلْإِيمَانُ أَيْضًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ. لَكِنْ يَقُولُ قَائِلٌ: «أَنْتَ لَكَ إِيمَانٌ، وَأَنَا لِي أَعْمَالٌ….” (اﻵﻳﺎت ١٧-١٨أ). إذن، اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻤﻠﻜﻪ اﻟﻤﺮء، ﺑﻞ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺪّﻋﻲ اﻣﺘﻼﻛﻪ.
“أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعْمَالِكَ، وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي».” (اﻵﻳﺔ ١٨ب). ﻓﻴﺠﻴﺐ اﻟﻜﺎﺗﺐ: “ﻻ ﺗﻘﻞ ذﻟﻚ، ﺑﻞ أرﻧﻲ.” ﻟﻢ ﻳﻘﻞ أرﻧﻲ ﷲ، ﺑﻞ ﻗﺎل أرﻧﻲ أﻧﺎ. ﻓﺎﻟﺤﺪﻳﺚ ﻳﺪور ﺣﻮل ﻣﺎ ﻳﺮاه اﻟﻨﺎس.
“أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ ٱللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَٱلشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ! وَلَكِنْ هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَعْلَمَ أَيُّهَا ٱلْإِنْسَانُ ٱلْبَاطِلُ أَنَّ ٱلْإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَالٍ مَيِّتٌ؟ أَلَمْ يَتَبَرَّرْ إِبْرَاهِيمُ أَبُونَا بِٱلْأَعْمَالِ، إِذْ قَدَّمَ إِسْحَاقَ ٱبْنَهُ عَلَى ٱلْمَذْبَحِ؟” (اﻵﻳﺎت ١٩-٢١).ﻟﻘﺪ أﻋﻠﻦ ﷲ ﺑﺮّ إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻓﻲ ﺳﻔﺮ اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ ١٥.وﻗﺪ رأﻳﻨﺎ ﻓﻲ ﻣﻮاﺿﻊ ﻋﺪﻳﺪة ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس أن اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس ﻳُﻌﻠﻦ ﺑﺮّ إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻷﻧﻪ آﻣﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻷرض واﻷﺑﻨﺎء. ﻓﻤﺎ ﻫﻮ ﻫﺬا اﻟﺘﺒﺮﻳﺮ اﻟﻤﺬﻛﻮر ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ ﻳﻌﻘﻮب ٢؟ إﻧﻪ أﻣﺮٌ ﻳُﺮاد ﺗﻮﺿﻴﺤﻪ، إن اﻟﺮﺟﻞ اﻟﺬي ﻳﺘﺒﺮر ﻓﻲ ﻧﻈﺮ ﷲ ﻗﺪ ﻳﺘﺒﺮر أﻳﻀﺎً ﻓﻲ ﻧﻈﺮ اﻟﻨﺎس.
“فَتَرَى أَنَّ ٱلْإِيمَانَ عَمِلَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَبِٱلْأَعْمَالِ أُكْمِلَ ٱلْإِيمَانُ، (اﻛﺘﻤﻞ) وَتَمَّ ٱلْكِتَابُ ٱلْقَائِلُ: «فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِٱللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا»، وَدُعِيَ خَلِيلَ ٱللهِ. (ﺣُﺴﺐ ﻟﻪ اﻟﺒﺮ ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن، واﻟﺼﺪاﻗﺔ ﺑﺎﻷﻋﻤﺎل.) تَرَوْنَ إِذًا أَنَّهُ بِٱلْأَعْمَالِ يَتَبَرَّرُ ٱلْإِنْسَانُ، لَا بِٱلْإِيمَانِ وَحْدَهُ.” (اﻵﻳﺎت ٢٢-٢٤). اﻟﻤﻘﺼﻮد أن ﻳﻬﻮه ﻗﺪ ﺣُﺴﺐ اﻟﺒﺮ ﻹﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻓﻲ ﺳﻔﺮ اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ ١٥ﻋﻨﺪﻣﺎ آﻣﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ. ﻓﻲ اﻟﻔﺼﻮل اﻟﺘﺎﻟﻴﺔ، ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻣﺎ ﻳﺪل ﻓﻲ ﺳﻠﻮك إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﲆ أﻧﻪ ﻛﺎن ﻳﻌﻴﺶ ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن ﺑﺎﻟﻠﻪ. ﻟﻢ ﻳﻜﺘﻤﻞ إﻳﻤﺎﻧﻪ وﻟﻢ ﻳﻜﻦ واﺿﺤًﺎ ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ إﻻ ﺑﻌﺪ ﺗﻘﺪﻳﻢ إﺳﺤﺎق ﻗﺮﺑﺎﻧًﺎ ﻋﲆ ﺟﺒﻞ اﻟﻤﺮﻳﺎ.
اﻵن، ﻻ أﺟﺮؤ ﻋﲆ اﻋﺘﺒﺎر ذﻟﻚ ﺗﻔﺴﻴﺮاً ﺷﺨﺼﻴﺎً، ﻟﻜﻨﻨﺎ ﺳﻨﺴﻤﺢ ﻟﻨﺼﻮص كتابية أﺧﺮى أن ﺗﺜﺒﺖ ﺻﺤﺔ ﻫﺬا اﻟﺮأي.
ﻳﻘﻮل اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻋﻦ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ: “لِأَنَّهُ جَعَلَ ٱلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللهِ فِيهِ.” (ﻛﻮرﻧﺜﻮس اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ٥: ٢١). ﻟﻢ ﻳﺮﺗﻜﺐ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ أي ﺧﻄﻴﺌﺔ، وﺑﺎﻟﺘﺄﻛﻴﺪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺑﺤﺎﺟﺔ إﱃ اﻟﺨﻼص.
وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻳﻘﻮل ﺗﻴﻤﻮﺛﺎوس اﻷوﱃ (٣: ١٦) “وَبِٱلْإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ ٱلتَّقْوَى: ٱللهُ ظَهَرَ فِي ٱلْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي ٱلرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلَائِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ ٱلْأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي ٱلْعَالَمِ، رُفِعَ فِي ٱلْمَجْدِ.”
ﻟﻘﺪ ﺑُﺮﱢرَ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ. أي أﻧﻪ أُﻋﻠﻦَ ﺑﺎرا ﻣﻦ ﻗِﺒَﻞ اﻟﺬﻳﻦ ﻻﺣﻈﻮا أﻋﻤﺎﻟﻪ اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ. وﻫﺬا ﻻ ﻳﻌﻨﻲ ﺑﺎﻟﻀﺮورة أﻧﻪ ﻧﺎل اﻟﺨﻼص أو أﻧﻪ ﺣﻈﻲ ﺑﺮﺿﺎ ﷲ ﻣﻨﺬ ﻗﻴﺎﻣﻪ ﺑﻌﻤﻞ ﺻﺎﻟﺢ ﻣﺎ.
ﻓﻜﻤﺎ اﻛﺘﻤﻞ إﻳﻤﺎن إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﺒﺮه اﻟﻈﺎﻫﺮ اﻟﺬي ﻳﻤﻜﻦ ﻣﻼﺣﻈﺘﻪ، ﻛﺬﻟﻚ ﻳﻘﻮل ﻛﻼم ﷲ ﻋﻦ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع: “وَإِذْ كُمِّلَ صَارَ لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ، سَبَبَ خَلَاصٍ أَبَدِيٍّ” (ﻋﺒﺮاﻧﻴﻴﻦ ٥: ٩).
ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﱃ ذﻟﻚ، دﻋﻮﻧﺎ ﻧﻌﻮد ﻣﻌًﺎ إﱃ ﺻﻼة داود اﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺰﻣﻮر “٥١” وﻧﺘﺄﻣﻞ ﻓﻲ اﻟﻜﻠﻤﺎت اﻟﺘﻲ وردت ﻋﻦ اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس وﻫﻮ ﻳﺨﺎﻃﺐ ﷲ اﻵب: “إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَٱلشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ، وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ.” (ﻣﺰﻣﻮر ٥١: ٤). ﻻ يشك أَﺣَﺪٌ  ﺑِﺎﻷَْبِ أنه ﻟَﻢْ  ﻳَﻜُﻦْ  ﻣُﺨْﻠِﺼًﺎ أَوْ ﻟَﻢْ ﻳَﻜُﻦْ بارا إَِﱃ أن غفر ﻟِﺪاود. ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن اﻟﻌﺒﺎرة ﺗُﺸﻴﺮ إﱃ أن إﻟﻬًﺎ ﻛﺎن داﺋﻤًﺎ ﻋﺎدﻻً ﻗﺪ أﻇﻬﺮ ﻋﺪﻟﻪ ﻓﻲ ﻧﻈﺮ اﻟﺒﺸﺮ ﻧﺘﻴﺠﺔً ﻟﻌﻤﻞٍ ﻗﺎم ﺑﻪ.
وﺑﺎﻟﻤﺜﻞ، ﺗﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﻫﺬه اﻟﻜﻠﻤﺎت ﻣﻦ إﻧﺠﻴﻞ ﻟﻮﻗﺎ (٧: ٢٩). “وَجَمِيعُ ٱلشَّعْبِ إِذْ سَمِعُوا وَٱلْعَشَّارُونَ بَرَّرُوا ٱللهَ مُعْتَمِدِينَ بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا.”
ﻓﻲ اﻟﻤﺮة اﻟﻘﺎدﻣﺔ اﻟﺘﻲ ﻳﺨﺒﺮك ﻓﻴﻬﺎ أﺣﺪﻫﻢ أن إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻧﺎل اﻟﺨﻼص ﺑﺎﻷﻋﻤﺎل وﻳﺤﺎول إﺛﺒﺎت ذﻟﻚ ﺑﺎﻟﺮﺟﻮع إﱃ رﺳﺎﻟﺔ ﻳﻌﻘﻮب “٢” ﻓﺎﺳﺄﻟﻪ إن ﻛﺎن ﷲ اﻵب وﷲ اﻻﺑﻦ ﻗﺪ ﻧﺎﻻ اﻟﺨﻼص ﺑﺎﻷﻋﻤﺎل. ﻛﻼ، ﺑﻞ ﻛﺎن اﻟﺜﻼﺛﺔ أﺑﺮارًا ﻗﺒﻞ ﻇﻬﻮر ﺑﺮّﻫﻢ، وﻫﻮ ﻣﺎ دﻓﻊ اﻟﻨﺎﻇﺮﻳﻦ إﱃ ﺗﺒﺮﻳﺮﻫﻢ (أي إﻋﻼﻧﻬﻢ أﺑﺮارًا). ﺑﺎﻟﻌﻮدة إﱃ رﺳﺎﻟﺔ ﻳﻌﻘﻮب ٢ ﻧﺘﺴﺎءل ﻟﻤﺎذا ﻧﺎدرًا ﻣﺎ ﻳﺬﻛﺮ أوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺠﺎدﻟﻮن ﺑﺄن اﻟﺨﻼص ﺑﺎﻷﻋﻤﺎل ﻗﺒﻞ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﺑﺘﻔﺴﻴﺮﻫﻢ اﻟﺨﺎﻃﺊ ﻟﻠﺠﺰء اﻟﻤﺘﻌﻠﻖ ﺑﺈﺑﺮاﻫﻴﻢ، اﻟﺸﺨﺼﻴﺔ اﻷﺧﺮى اﻟﻤﺬﻛﻮرة ﻛﻤﺜﺎل. ﻳﻘﻮل ﻳﻌﻘﻮب (٢: ٢٥) “كَذَلِكَ رَاحَابُ ٱلزَّانِيَةُ أَيْضًا، أَمَا تَبَرَّرَتْ بِٱلْأَعْمَالِ، إِذْ قَبِلَتِ ٱلرُّسُلَ وَأَخْرَجَتْهُمْ فِي طَرِيقٍ آخَرَ؟”
ﻳﺨﺒﺮﻧﺎ ﺳﻔﺮ اﻟﻌﺒﺮاﻧﻴﻴﻦ (١١: ٣١) أن ﻫﺬه اﻟﻤﺮأة اﻷﻣﻤﻴﺔ اﻟﺴﺎﻗﻄﺔ، اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻜﺴﺐ رزﻗﻬﺎ ﺑﺄﺑﺸﻊ اﻟﻄﺮق اﻟﻤﻤﻜﻨﺔ، ﻓﻌﻠﺖ ﻋﻤﻼً ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن ﻳُﻌﺪّ ﻣﺜﺎﻻً ﻳُﺤﺘﺬى ﺑﻪ، ﺗﻤﺎﻣﺎً ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻞ إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺣﻴﻦ ﻫﻢّ ﺑﺘﻘﺪﻳﻢ اﺑﻨﻪ إﺳﺤﺎق ﻗﺮﺑﺎﻧﺎً. وﻟﻜﻦ ﻣﻦ اﻷﺟﺪر ﺑﻨﺎ أن ﻧﺘﺄﻣﻞ ﻓﻲ دواﻓﻌﻬﺎ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس.
ﻳﺴﺠﻞ ﺳﻔﺮ ﻳﺸﻮع (٢: ١٠-١٤) أﻗﻮال ﻫﺬه اﻟﻤﺮأة. “لِأَنَّنَا قَدْ سَمِعْنَا كَيْفَ يَبَّسَ ٱلرَّبُّ مِيَاهَ بَحْرِ سُوفَ قُدَّامَكُمْ عِنْدَ خُرُوجِكُمْ مِنْ مِصْرَ، وَمَا عَمِلْتُمُوهُ بِمَلِكَيِ ٱلْأَمُورِيِّينَ ٱللَّذَيْنِ فِي عَبْرِ ٱلْأُرْدُنِّ: سِيحُونَ وَعُوجَ، ٱللَّذَيْنِ حَرَّمْتُمُوهُمَا.” (اﻵﻳﺔ ١٠).ﺗﺸﻬﺪ ﻫﺬه اﻟﻤﺮأة أﻧﻬﺎ ﺳﻤﻌﺖ ﺑﺸﺎرة ﻣﺎ ﻓﻌﻠﻪ ﷲ ﻓﻲ ﻓﺪاء ﺷﻌﺒﻪ، وآﻣﻨﺖ ﺑﻪ.
“سَمِعْنَا فَذَابَتْ قُلُوبُنَا وَلَمْ تَبْقَ بَعْدُ رُوحٌ فِي إِنْسَانٍ بِسَبَبِكُمْ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكُمْ هُوَ ٱللهُ فِي ٱلسَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَعَلَى ٱلْأَرْضِ مِنْ تَحْتُ.” (اﻵﻳﺔ ١١).ﺗﺸﻬﺪ ﻫﺬه اﻟﻤﺮأة، اﻟﻤﻨﺘﻤﻴﺔ إﱃ أﻣﺔ ﻣﻠﻌﻮﻧﺔ، ﺟﻤﻴﻌﻬﻢ ﻣُﻌﺮﱠﺿﻮن ﻟﻺﺑﺎدة، ﺑﺄﻧﻬﺎ ﺗﺆﻣﻦ ﺑﺈﻟﻪ واﺣﺪ، ﻫﻮ إﻟﻪ اﻟﻌﺒﺮاﻧﻴﻴﻦ.
“فَٱلْآنَ ٱحْلِفَا لِي بِٱلرَّبِّ وَأَعْطِيَانِي عَلَامَةَ أَمَانَةٍ -لِأَنِّي قَدْ عَمِلْتُ مَعَكُمَا مَعْرُوفًا- بِأَنْ تَعْمَلَا أَنْتُمَا أَيْضًا مَعَ بَيْتِ أَبِي مَعْرُوفًا. وَتَسْتَحْيِيَا أَبِي وَأُمِّي وَإِخْوَتِي وَأَخَوَاتِي وَكُلَّ مَا لَهُمْ وَتُخَلِّصَا أَنْفُسَنَا مِنَ ٱلْمَوْتِ».” (اﻵﻳﺎت ١٢-١٣).ﺗﺸﻬﺪ أﻧﻬﺎ ﺗﻌﻠﻢ أن ﷲ ﺳﻴﻤﻨﺢ ﺷﻌﺒﻪ ﻧﺼﺮًا ﻛﺎﻣﻼً ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺼﻠﻮن إﱃ أرض ﻛﻨﻌﺎن.
“فَقَالَ لَهَا ٱلرَّجُلَانِ: «نَفْسُنَا عِوَضُكُمْ لِلْمَوْتِ إِنْ لَمْ تُفْشُوا أَمْرَنَا هَذَا. وَيَكُونُ إِذَا أَعْطَانَا ٱلرَّبُّ ٱلْأَرْضَ أَنَّنَا نَعْمَلُ مَعَكِ مَعْرُوفًا وَأَمَانَةً».” (اﻵﻳﺔ ١٤).ﻗﺒﻞ وﺻﻮل اﻟﺠﻮاﺳﻴﺲ ﺑﻮﻗﺖٍ ﻃﻮﻳﻞ، ﺳﻤﻌﺖ ﻫﺬه اﻟﻤﺮأة اﻟﻐﺮﻳﺒﺔ ﻋﻦ اﻷﻣﻢ ﻋﻦ ﷲ، وﺳﻤﻌﺖَ ﻋﻦ أﻋﻤﺎﻟﻪ، وﺻﺪّﻗﺖ ﻣﺎ ﻗﻴﻞ، واﻋﺘﺮﻓﺖ ﺑﻪ إﻟﻬًﺎ ﻟﻬﺎ، وﺻﺪّﻗﺘﻬﺎ ﻧﺒﻮءات أﻓﻌﺎﻟﻪ اﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻠﻴﺔ. ﻟﻜﻦ ﻫﺬا اﻹﻳﻤﺎن ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻟﻦ ﻳُﻨﺠﻴﻬﺎ ﻣﻦ اﻟﻐﺰو اﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻲ. ﻛﺎن ﻋﻠﻴﻬﺎ أن ﺗﻔﻌﻞ ﺷﻴﺌًﺎ ﻳﺮاه اﻟﻨﺎس ﻟﺘُﺜﺒﺖ ﻟﻬﻢ إﻳﻤﺎﻧﻬﺎ ﺑﺎﻟﻠﻪ. وﻫﺬا ﻣﺎ ﻓﻌﻠﺘﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ أﺧﻔﺖ اﻟﺠﻮاﺳﻴﺲ. ﻋﺮﻓﻮا ﻣﻦ ﺧﻼل أﻋﻤﺎﻟﻬﺎ أﻧﻬﺎ ﺗﺜﻖ ﺑﺈﻟﻬﻬﻢ، وﻛﻮﻓﺌﺖ ﻋﲆ ذﻟﻚ.