الغفران مقابل التبرير.
ﺑﻤﺎ أن اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ دارﺳﻲ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻗﺪ ﺗﺒﻨﻮا وﺟﻬﺔ اﻟﻨﻈﺮ اﻟﻘﺎﺋﻠﺔ ﺑﺄن اﻹﻧﺴﺎن ﻗﺪ ﺑُﺮﱢر أو ﺳﻴُﺒﺮﱠر ﺑﺎﻻﻟﺘﺰام ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﻓﻼ ﺑﺪ ﻣﻦ وﺟﻮد أﺳﺎس ﻓﻲ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻳُﺒﻨﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﻫﺬا اﻻﺳﺘﻨﺘﺎج اﻟﺨﺎﻃﺊ. ﻗﺪ ﻳُﻮﺣﻲ اﻟﻨﻈﺮ اﻟﺴﺮﻳﻊ إﱃ ﺷﺮﻳﻌﺔ ذﺑﻴﺤﺔ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ ﺑﺄن اﻹﻧﺴﺎن ﻳُﻤﻜﻦ أن ﻳُﻐﻔﺮ ﻟﻪ ذﻧﺒﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳُﻜ ﱢﻔﺮ ﻋﻨﻪ اﻟﻜﺎﻫﻦ ﺑﺘﻘﺪﻳﻢ اﻟﺬﺑﻴﺤﺔ اﻟﻤﻮﺻﻮﻓﺔ ﻟﻠﺨﻄﻴﺌﺔ. إﻻ أن ﻗﺮاءة ﻣﺘﺄﻧﻴﺔ ﻟﻠﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﺗُﻈﻬﺮ أﻧﻪ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳُﻤﻜﻦ أن ﻳُﻐﻔﺮ ﻟﻺﻧﺴﺎن ذﻧﻮب ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻓﻲ ﻇﺮوف ﻣﺤﺪدة ﻣﻦ ﺧﻼل ذﺑﻴﺤﺔ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ، ﻓﺈن ﻫﺬا ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ اﻟﺘﺒﺮﻳﺮ اﻟﺬي ﻳﻨﺎﻟﻪ اﻟﻤﺆﻣﻦ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻀﻊ ﺛﻘﺘﻪ ﻓﻲ رﺣﻤﺔ ﷲ وﻧﻌﻤﺘﻪ ﻹﻧﻘﺎذ ﻧﻔﺴﻪ.
وردت ﺷﺮﻳﻌﺔ ذﺑﻴﺤﺔ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ ﻓﻲ ﺳﻔﺮ اﻟﻼوﻳﻴﻦ (٤ : ١ – ٦: ٧). ﻧﻘﺮأ ﻫﻨﺎك ﻋﻦ اﻟﻤﺘﻄﻠﺒﺎت اﻟﻄﻘﺴﻴﺔ ﻟﻠﺬﺑﻴﺤﺔ ﻟﻠﻜﺎﻫﻦ (٤: ١ – ١٢) وﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ ﺑﺄﻛﻤﻠﻬﺎ (٤: ١٣ – ٢١) وﻟﻠﺤﺎﻛﻢ (٤: ٢٢ – ٢٦) وﻷﺣﺪ ﻋﺎﻣﺔ اﻟﺸﻌﺐ (٤: ٢٧ – ٣٥).
“وَيَفْعَلُ بِٱلثَّوْرِ كَمَا فَعَلَ بِثَوْرِ ٱلْخَطِيَّةِ. كَذَلِكَ يَفْعَلُ بِهِ. وَيُكَفِّرُ عَنْهُمُ ٱلْكَاهِنُ، فَيُصْفَحُ عَنْهُمْ. ” (ﻻوﻳﻴﻦ ٤ : ٢٠).
“وَيُكَفِّرُ ٱلْكَاهِنُ عَنْهُ مِنْ خَطِيَّتِهِ فَيُصْفَحُ عَنْهُ.” (ﻻوﻳﻴﻦ ٤: ٢٦). “وَيُكَفِّرُ عَنْهُ ٱلْكَاهِنُ فَيُصْفَحُ عَنْهُ.” (ﻻوﻳﻴﻦ ٤: ٣١).
“وَيُكَفِّرُ عَنْهُ ٱلْكَاهِنُ مِنْ خَطِيَّتِهِ ٱلَّتِي أَخْطَأَ فَيُصْفَحُ عَنْهُ.” (ﻻوﻳﻴﻦ ٤: ٣٥).
ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ﻣﺎ ﻛﺎن ﻳُﻐﻔﺮ ﻫﻮ اﻟﺬﻧﺐ اﻟﻤﺤﺪد اﻟﺬي ﻗُﱢﺪﻣَﺖ اﻟﻘﺮﺑﺎﻧﺔ ﻣﻦ أﺟﻠﻪ. ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣُﻘﱢﺪم القربان ﻳﺴﻌﻰ إﱃ اﻟﺤﺼﻮل ﻋﲆ ﻏﻔﺮان ﻟﺠﻤﻴﻊ اﻟﺬﻧﻮب، وﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﻨﺎﻟﻪ، ﺑﻞ ﻛﺎن ﻳُﻘﱢﺪم ﻣﺎ ﻳُﺒﻄﻞ اﻟﻌﻮاﻗﺐ اﻟﺪﻧﻴﻮﻳﺔ اﻟﻤﺘﺮﺗﺒﺔ ﻋﲆ ذﻟﻚ ﻣﻦ ﻓﻌﻞٍ ﻣُﺤﺪد. اﻧﻈﺮ أﻳﻀًﺎ ﺳﻔﺮ اﻟﻼوﻳﻴﻦ ٥: ١٠ ؛٥: ١٣ ؛٥: ١٦؛ ٥: ١٨ ؛٦: ٧.ﻫﺬه ﻫﻲ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺤﺎﻻت اﻟﺘﻲ ﻳﻘﻮل ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس إن اﻟﻤﺮء ﻳُﻐﻔﺮ ﻟﻪ ﻋﻨﺪ إﺗﻤﺎم ذﺑﻴﺤﺔ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ.
ﻛﻤﺎ ورد ﻓﻲ ﺳﻔﺮ اﻟﻼوﻳﻴﻦ (١٩: ٢٢) ﻗﺮﺑﺎنٌ ﻳُﻘﺪّم ﻟﻠﺘﻜﻔﻴﺮ ﻋﻦ اﻟﺬﻧﻮب، وﻳُﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻪ اﻟﺤﺼﻮل ﻋﲆ اﻟﻐﻔﺮان. وﻫﺬا اﻟﻘﺮﺑﺎن ﻳُﻘﺪّم ﻟﺨﻄﻴﺌﺔٍ ﻣُﺤﺪّدة، وﻫﻲ ﻓﻲ ﻫﺬه اﻟﺤﺎﻟﺔ، اﻟﺰﻧﺎ ﺑﺠﺎرﻳﺔٍ ﻣﺨﻄﻮﺑﺔٍ ﻟﺰوج.
ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺤﺎﻻت اﻟﻤﺬﻛﻮرة ﻓﻲ ﺳﻔﺮ اﻟﻼوﻳﻴﻦ ٤ و ٥ ﺣﻴﺚ ﻳُﺠﻴﺰ ﺗﻘﺪﻳﻢ ذﺑﻴﺤﺔ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ، ﻳﻜﻮن اﻟﺸﺨﺺ ﻗﺪ أﺧﻄﺄ ﻋﻦ ﺟﻬﻞ، أو أن ذﻧﺒﻪ ﻛﺎن ﻣﺨﻔﻴًﺎ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ اﻟﺒﺪاﻳﺔ. وﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻌﻠﻢ ﺑﺨﻄﻴﺌﺘﻪ، ﻳﺼﺒﺢ ﻣﺬﻧﺒًﺎ، وﺗﻜﻮن اﻟﺬﺑﻴﺤﺔ واﺟﺒﺔ.
ﻓﻲ ﺳﻔﺮ اﻟﻼوﻳﻴﻦ ٦ ﻧﺠﺪ أﻧﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺴﺘﻮﻟﻲ رﺟﻞٌ ﻋﲆ ﻣﻠﻜﻴﺔ ﻏﻴﺮه ﻇﻠﻤﺎً، ﻳُﻠﺰَم ﺑﺮدﻫﺎ ﻣﻊ إﺿﺎﻓﺔ ٢٠% إﱃ ﻣﺎﻟﻜﻬﺎ اﻟﺸﺮﻋﻲ، وﺗﻘﺪﻳﻢ ﻗﺮﺑﺎﻧﻪ إﱃ اﻟﻜﺎﻫﻦ. وﻳُﻜﱢﻔﺮ اﻟﻜﺎﻫﻦ ﻋﻨﻪ أﻣﺎم اﻟﺮب، ﻓﻴُﻐﻔﺮ ﻟﻪ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﻪ ﻣﻦ ﺗﻌ ﱟﺪ ﻓﻴﻬﺎ (اﻵﻳﺔ ٧).
ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ﻫﻨﺎك ﻋﺪدًا ﻫﺎﺋﻼً ﻣﻦ اﻟﺨﻄﺎﻳﺎ اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺸﻤﻠﻬﺎ اﻟﻈﺮوف اﻟﻤﺤﺪودة ﺟﺪًا اﻟﺘﻲ ﻳُﺠﻴﺰ ﻓﻴﻬﺎ ﺗﻘﺪﻳﻢ ذﺑﻴﺤﺔ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ. ﻓﻠﻮ ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ أن ﻳﺰﻳﻞ دم اﻟﺜﻴﺮان واﻟﻤﺎﻋﺰ اﻟﺨﻄﺎﻳﺎ (ﻋﺒﺮاﻧﻴﻴﻦ ١٠: ٤) ﻟﻜﺎﻧﺖ ﺗﻠﻚ اﻟﺬﺑﺎﺋﺢ ﻗﺪ ﻃﻬﺮت ﻓﻘﻂ اﻟﺨﻄﺎﻳﺎ اﻟﻤﺬﻛﻮرة آﻧﻔًﺎ، وﻟﺘﺮﻛﺖ اﻟﺨﺎﻃﺊ دون ﺳﺒﻴﻞ ﻟﻠﺘﻜﻔﻴﺮ ﻋﻦ ﻏﺎﻟﺒﻴﺔ اﻟﺨﻄﺎﻳﺎ اﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﻳﻜﻮن ﻗﺪ ارﺗﻜﺒﻬﺎ.
ﺑﻤﺎ أن اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس واﺿﺢ ﻓﻲ أن اﻹﻧﺴﺎن ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳُﺒﺮﱠر ﺑﺎﻟﺬﺑﺎﺋﺢ، ﻓﻤﺎ ﻣﻌﻨﻰ اﻟﻜﻔﺎرة واﻟﻤﻐﻔﺮة اﻟﻤﻮﺻﻮﻓﺘﻴﻦ ﻓﻲ ذﺑﻴﺤﺔ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ؟ ﻳﺠﺐ اﻟﺘﺬﻛﻴﺮ ﺑﺄن اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ أُﻧﺰﻟﺖ كناموس ﻣﺪﻧﻲ ﻳﺤﻜﻢ أﻣﺔ إﺳﺮاﺋﻴﻞ، وﻳﻤﻴﺰﻫﺎ ﻋﻦ اﻷﻣﻢ اﻷﺧﺮى، وﻳﻤﻨﺢ اﻟﻴﻬﻮد واﻷﻣﻢ ﻣﻦ ﺣﻮﻟﻬﻢ إﺣﺴﺎﺳًﺎ ﺑﻘﺪﺳﻴﺔ ﷲ وﺟﻼﻟﻪ. ﺗﻀﻤﻨﺖ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻋﻘﻮﺑﺎت ﻋﲆ اﻟﻤﺨﺎﻟﻔﺎت، ﺗُﻔﺮض إﻣﺎ ﻣﻦ ﻗِﺒﻞ اﻷﻣﺔ أو ﺣﻜﺎﻣﻬﺎ أو ﻣﻦ ﻗِﺒﻞ ﷲ ﻧﻔﺴﻪ. ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳُﻐﻔﺮ ﻷﺣﺪﻫﻢ ﺑﻤﻮﺟﺐ ﺷﺮﻳﻌﺔ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ، ﻳُﻌﻔﻰ ﻣﻦ اﻟﻌﻘﺎب اﻟﺬي ﻛﺎن ﺳﻴُﻔﺮض ﻋﻠﻴﻪ ﻟﻮﻻ ذﻟﻚ. ﻣﻦ أﺟﻞ ﺿﻤﻴﺮ اﻷﻣﺔ وﺳﻤﻌﺔ اﻟﺮب، ﻻ ﻳﻤﻜﻦ اﻟﺘﻐﺎﺿﻲ ﻋﻦ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ، ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ارﺗُﻜﺒﺖ دون ﻗﺼﺪ.
اﻧﻈﺮ ﻣﺠﺪدًا إﱃ ﺳﻔﺮ اﻟﻼوﻳﻴﻦ (٥: ١٧-١٩) “«وَإِذَا أَخْطَأَ أَحَدٌ وَعَمِلَ وَاحِدَةً مِنْ جَمِيعِ مَنَاهِي ٱلرَّبِّ ٱلَّتِي لَا يَنْبَغِي عَمَلُهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ، كَانَ مُذْنِبًا وَحَمَلَ ذَنْبَهُ. فَيَأْتِي بِكَبْشٍ صَحِيحٍ مِنَ ٱلْغَنَمِ بِتَقْوِيمِكَ، ذَبِيحَةَ إِثْمٍ، إِلَى ٱلْكَاهِنِ، فَيُكَفِّرُ عَنْهُ ٱلْكَاهِنُ مِنْ سَهْوِهِ ٱلَّذِي سَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ. إِنَّهُ ذَبِيحَةُ إِثْمٍ. قَدْ أَثِمَ إِثْمًا إِلَى ٱلرَّبِّ».”
وﻫﻜﺬا، ﻫﻴﺄ ﷲ ﺳﺒﻴﻼً ﻟﻺﻧﺴﺎن ﻟﻜﻲ ﻳﻨﺪﻣﺞ ﻓﻲ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ. ﻻ ﻳُﺒﺮﱠر اﻹﻧﺴﺎن، وﻻ ﻳُﻌﻠﻦ ﺻﻼﺣﻪ ﺑﺘﻘﺪﻳﻢ ﻗﺮﺑﺎﻧﻪ، وﻟﻜﻨﻪ ﻳُﻐﻔﺮ ﻟﻪ ﺑﻤﻌﻨﻰ أﻧﻪ ﻳﻌﻮد إﱃ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ، وﻻ ﻳُﻌﺎﻗﺐ. ﻓﻴﺴﺘﻄﻴﻊ أن ﻳﺴﺘﻤﺮ ﻓﻲ اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ ﻓﻲ ﺣﻴﺎة اﻷﻣﺔ وﻋﺒﺎدة ﷲ ﺑﺪﻻً ﻣﻦ أن ﻳُﻌﺰل.
ﻫﺬا ﻫﻮ اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﺬي اﺳﺘُﺨﺪﻣﺖ ﺑﻪ ﻛﻠﻤﺔ “ﻣﻐﻔﻮر” ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺻﲆ ﻣﻮﺳﻰ ﻓﻲ ﺳﻔﺮ اﻟﻌﺪد (١٤: ١٩) “اِصْفَحْ عَنْ ذَنْبِ هَذَا ٱلشَّعْبِ كَعَظَمَةِ نِعْمَتِكَ، وَكَمَا غَفَرْتَ لِهَذَا ٱلشَّعْبِ مِنْ مِصْرَ إِلَى هَهُنَا».” ﺑﺎﻟﺘﺄﻛﻴﺪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻛﻞ ﻓﺮد ﻣﻦ ﺑﻨﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻣُﺒﺮﱠرًا أﻣﺎم ﷲ. ﻟﻘﺪ ﻛﱠﻒ ﷲ ﻋﻦ إﻧﺰال اﻟﻌﻘﺎب ﺑﻬﻢ، وأﻋﻔﺎﻫﻢ ﻣﺮارًا ﻣﻦ اﻟﻌﻘﻮﺑﺔ اﻟﻤﺴﺘﺤﻘﺔ ﻟﺒﻌﺾ ذﻧﻮﺑﻬﻢ، ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻢ ﻳُﺸﺮ إﱃ أﻧﻪ ﻳُﻌﻠﻨﻬﻢ أﺑﺮارًا. إن اﻟﻤﻐﻔﺮة أو الصفح اﻟﺘﻲ طلبه ﻣﻮﺳﻰ ﻟﻠﺸﻌﺐ ﻓﻲ ﻫﺬه اﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺑﺤﺴﺐ ﻋﻈﻤﺔ ذﺑﻴﺤﺘﻬﻢ (ﻟﻢ ﻳُﻘﱢﺪﻣﻮا ﺷﻴﺌًﺎ)، وﻻ ﺑﺤﺴﺐ ﻋﻈﻤﺔ ﺑﺮّﻫﻢ (ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﺪﻳﻬﻢ ﺑﺮّ)، ﺑﻞ ﺑﺤﺴﺐ عَظَمَةِ نِعْمَتِكَ.
ﻏﻔﺮ ﷲ ﻟﻬﻢ (اﻟﻌﺪد ١٤: ٢٠) وأﻧﻘﺬﻫﻢ ﻣﻦ اﻟﻌﻘﺎب اﻟﺬي ﻳﺴﺘﺤﻘﻮﻧﻪ. “إِنِّي أَضْرِبُهُمْ بِٱلْوَبَإِ وَأُبِيدُهُمْ، وَأُصَيِّرُكَ شَعْبًا أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِنْهُمْ” (اﻟﻌﺪد ١٤: ١٢). ﻟﻜﻨﻪ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ أﻋﻠﻦ أن اﻟﺠﻴﻞ اﻟﻤﺘﻤﺮد اﻟﺨﺎﺋﻦ ﻟﻦ ﻳﺪﺧﻞ أرض اﻟﻤﻴﻌﺎد (اﻟﻌﺪد ١٤: ٢١-٢٣). وﻫﻜﺬا ﻏُﻔﺮ ﻟﻬﻢ ذﻧﺒﻬﻢ، ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻟﻢ ﻳُﺒﺮﱠروا.
ﻻﺣﻆ أن ﷲ ﻳﺬﻛﺮ أﻧﻬﻢ ﻗﺪ ﺟﺮﺑﻮه ﻋﺸﺮ ﻣﺮات (اﻵﻳﺔ ٢٢). ﻓﻲ اﻟﻤﻘﺎﺑﻞ، ﻧﺤﻦ ﻛﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻣﻮﻟﻮدﻳﻦ ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ ﻣُﺒﺮﱠرون. ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺳﺠﻞ ﻳُﺒﻴّﻦ ﻋﺪد اﻟﻤﺮات اﻟﺘﻲ ﺟﺮﺑﻨﺎ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﺮب.
وردت ﻛﻠﻤﺔ “ﻳﺒﺮر”، أو ﻣﺎ ﺷﺎﺑﻬﻬﺎ، ﺛﻼﺛًﺎ وﻋﺸﺮﻳﻦ ﻣﺮة ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ. وﻟﻢ ﺗُﺴﺘﺨﺪم ﻗﻂ ﺑﻤﻌﻨﻰ ﻏﻔﺮان اﻟﺨﻄﺎة وإﻋﻼﻧﻬﻢ أﺑﺮارًا. ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ، ﻧﺘﻌﻠﻢ أن إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺗﺒﺮر ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن (روﻣﻴﺔ ٤ \\ﻏﻼﻃﻴﺔ ٣) ﻻ ﺑﺎﻟﺬﺑﺎﺋﺢ أو اﻟﺨﺘﺎن أو أي أﻋﻤﺎل أﺧﺮى.
اﻟﻤﺰﻣﻮر ٥١ ﻫﻮ ﺻﻼة داود ﻟﻠﺘﻮﺑﺔ واﻹﻳﻤﺎن. ﻟﻘﺪ ﺗﻮﻛﻞ ﻋﲆ رﺣﻤﺔ ﷲ، ﻻ ﻋﲆ أي ﺷﻲء ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﻓﻌﻠﻪ أو أي ذﺑﻴﺤﺔ ﻳﻘﺪﻣﻬﺎ: “لِأَنَّكَ لَا تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلَّا فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لَا تَرْضَى. ذَبَائِحُ ٱللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. ٱلْقَلْبُ ٱلْمُنْكَسِرُ وَٱلْمُنْسَحِقُ يَا ٱللهُ لَا تَحْتَقِرُهُ.” (ﻣﺰﻣﻮر ٥١: ١٦-١٧). ﻛﺎن اﻟﺨﻼص ﻣﺘﺎﺣًﺎ ﻟﻠﺨﺎﻃﺊ ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ ﻻ ﺑﺄﻋﻤﺎل اﻟﻨﺎﻣﻮس، ﺑﻞ ﺑﻨﻌﻤﺔ ﷲ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻹﻳﻤﺎن.
ﻣﺎذا ﻋﻦ ﻳﻮم اﻟﻜﻔﺎرة؟ ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻴﻮم، “وَيُقَدِّمُ هَارُونُ ثَوْرَ ٱلْخَطِيَّةِ ٱلَّذِي لَهُ وَيُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَيْتِهِ، وَيَذْبَحُ ثَوْرَ ٱلْخَطِيَّةِ ٱلَّذِي لَهُ “(ﻻوﻳﻴﻦ ١٦: ١١). ﺛﻢ ﻳﺬﺑﺢ ﺗﻴﺴًﺎ ذﺑﻴﺤﺔ ﺧﻄﻴﺌﺔ ﻋﻦ اﻟﺸﻌﺐ، وﻳﺮش دﻣﻪ ﻓﻲ اﻟﻘﺪس “فَيُكَفِّرُ عَنِ ٱلْقُدْسِ مِنْ نَجَاسَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ. وَهَكَذَا يَفْعَلُ لِخَيْمَةِ ٱلِٱجْتِمَاعِ ٱلْقَائِمَةِ بَيْنَهُمْ فِي وَسَطِ نَجَاسَاتِهِمْ.” (اﻵﻳﺔ ١٦). ﺛﻢ ﻳﺨﺮج اﻟﻜﺎﻫﻦ إﱃ اﻟﻤﺬﺑﺢ وﻳﺮش دم اﻟﺜﻮر واﻟﺘﻴﺲ ﻋﻠﻴﻪ ﻟﻴﻄﻬﺮه وَيُقَدِّسُهُ مِنْ نَجَاسَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. (اﻵﻳﺔ ١٩).”«وَمَتَى فَرَغَ مِنَ ٱلتَّكْفِيرِ عَنِ ٱلْقُدْسِ وَعَنْ خَيْمَةِ ٱلِٱجْتِمَاعِ وَعَنِ ٱلْمَذْبَحِ، يُقَدِّمُ ٱلتَّيْسَ ٱلْحَيَّ. وَيَضَعُ هَارُونُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِ ٱلتَّيْسِ ٱلْحَيِّ وَيُقِرُّ عَلَيْهِ بِكُلِّ ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكُلِّ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ، وَيَجْعَلُهَا عَلَى رَأْسِ ٱلتَّيْسِ، وَيُرْسِلُهُ بِيَدِ مَنْ يُلَاقِيهِ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ، لِيَحْمِلَ ٱلتَّيْسُ عَلَيْهِ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ إِلَى أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ، فَيُطْلِقُ ٱلتَّيْسَ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ.” (اﻵﻳﺎت ٢٠-٢٢).
ﻓﻲ اﻵﻳﺔ ٢٤ ﻗﺪّم ﻫﺎرون ﻣﺤﺮﻗﺔ ﻧﻔﺴﻪ وﻣﺤﺮﻗﺔ اﻟﺸﻌﺐ. وكان ﻗﺮﺑﺎن واﺣﺪ ﻣﻦ ﻛﺒﺶ واﺣﺪ ﻳُﻘﺪّم ﻛﻤﺤﺮﻗﺔ (اﻵﻳﺔ ٥)ﻟﻠﺘﻜﻔﻴﺮ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻪ وﻋﻦ اﻟﺸﻌﺐ. وﻳﺤﺮق ﺷﺤﻢ ذﺑﻴﺤﺔ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ ﻋﲆ اﻟﻤﺬﺑﺢ (اﻵﻳﺎت ٢٤-٢٥).
أُﻗﺮﱠ ﻳﻮم اﻟﻜﻔﺎرة ﻓﺮﻳﻀﺔً أﺑﺪﻳﺔً ﻷﻣﺔ إﺳﺮاﺋﻴﻞ، إذ ﻳﻘﻮل “لِأَنَّهُ فِي هَذَا ٱلْيَوْمِ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ لِتَطْهِيرِكُمْ. مِنْ جَمِيعِ خَطَايَاكُمْ أَمَامَ ٱلرَّبِّ تَطْهُرُونَ.” (اﻟﻼوﻳﻮن ١٦: ٣٠)”وَيُكَفِّرُ عَنْ مَقْدِسِ ٱلْقُدْسِ. وَعَنْ خَيْمَةِ ٱلِٱجْتِمَاعِ وَٱلْمَذْبَحِ يُكَفِّرُ. وَعَنِ ٱلْكَهَنَةِ وَكُلِّ شَعْبِ ٱلْجَمَاعَةِ يُكَفِّرُ. وَتَكُونُ هَذِهِ لَكُمْ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً لِلتَّكْفِيرِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ جَمِيعِ خَطَايَاهُمْ مَرَّةً فِي ٱلسَّنَةِ». فَفَعَلَ كَمَا أَمَرَ ٱلرَّبُّ مُوسَى.” (اﻵﻳﺎت ٣٣-٣٤).
ﻳﺘﻀﺢ ﻟﻨﺎ أن اﻟﻜﻔﺎرة اﻟﺘﻲ ﻗﺪﻣﺘﻬﺎ ﻫﺬه اﻟﺬﺑﺎﺋﺢ ورش اﻟﺪم ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻠﺘﻄﻬﻴﺮ واﻟﻤﺼﺎﻟﺤﺔ. ﻟﻜﻦ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﻛﺎﻧﺖ أن ﺧﻄﺎﻳﺎ اﻟﻨﺎس وآﺛﺎﻣﻬﻢ دﻧﺴﺘﻬﻢ ﻫﻢ وأﻣﺎﻛﻨﻬﻢ اﻟﻤﻘﺪﺳﺔ. وﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻌﻴﺸﻮن ﺣﻴﺎﺗﻬﻢ اﻟﻔﺎﻧﻴﺔ ﻓﻲ أرض اﻟﻤﻴﻌﺎد، ﻛﺎﻧﻮا ﺑﺤﺎﺟﺔ إﱃ اﻟﻌﻮدة إﱃ ﻣﻜﺎﻧﺔ ﻋﺒﺎدة ﻣﻘﺒﻮﻟﺔ.
ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻫﺬا ﺗﺒﺮﻳﺮًا ﻷﻧﻔﺴﻬﻢ، ﺑﻞ ﺗﻄﻬﻴﺮًا ﻟﻤﺼﻠﺤﺔ ﻋﻼﻗﺘﻬﻢ ﺑﺎﻟﻠﻪ، ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻛﻤﺎ وُﻋﺪ اﻟﻤﺆﻣﻨﻮن اﻟﻤﻮﻟﻮدون ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ، اﻟﺬﻳﻦ تبرروا بدم ﻳﺴﻮع ﻣﻦ ﻛﻞ ﺷﻲء، “إِنِ ٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ.” (١ ﻳﻮﺣﻨﺎ ١: ٩).
ﻟﻴﺲ ﻫﺪﻓﻲ ﻫﻨﺎ اﻟﺨﻮض ﻓﻲ ﻣﺌﺎت اﻟﻨﺼﻮص اﻟﺘﻲ ﺗﺘﻨﺎول ﻣﻮﺿﻮﻋﻲ اﻟﻐﻔﺮان واﻟﺘﺒﺮﻳﺮ. ﻣﻊ ذﻟﻚ، أودّ أن أﺷﺠﻌﻜﻢ ﻋﲆ اﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﻓﻲ ﻫﺬه اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ أﺛﻨﺎء دراﺳﺘﻜﻢ ﻷﺳﻔﺎر اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ:
١.ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﺘﺒﺮر، ﻓﺈن ﻫﺬا ﻳﺤﻤﻞ ﻣﻌﻪ ﻏﻔﺮان ﺟﻤﻴﻊ ﺧﻄﺎﻳﺎﻧﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﻜﺎﻧﺘﻨﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﻴﺢ (اﻧﻈﺮ اﻟﻔﺼﻞ ٧).
٢.ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أﻧﻨﺎ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ أن ﻧﻐﻔﺮ ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ، وﻛﺜﻴﺮاً ﻣﺎ ﻧﻜﻮن ﻛﺬﻟﻚ. أُﻣﺮﻧﺎ ﺑﺬﻟﻚ، ﻟﻜﻦ ﻻ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﺗﺒﺮﻳﺮ ﻏﻴﺮﻧﺎ. أي أﻧﻪ ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻨﺎ اﺧﺘﻴﺎر ﻋﺪم اﻟﺠﺰاء اﻟﻤﻨﺎﺳﺐ اﻟﺬي ﻳﺴﺘﺤﻘﻪ اﻟﻤﺮء ﻟﺬﻧﺐ ﻣﻌﻴﻦ، ﻟﻜﻦ ﻻ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ إﻋﻼن أﺣﺪٍ ﺑﺎراً ﻓﻲ ﻧﻈﺮ ﷲ.