ملكوت السماوات وملكوت الله.

ﺑﻐﺾ اﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﻋﺪم اﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺑﻴﻦ إﺳﺮاﺋﻴﻞ واﻟﻜﻨﻴﺴﺔ، ﻟﻢ ﻳﺜﺒﺖ ﺷﻲء أﻧﻪ ﻣﺼﺪر ﺧﻄﺄ أﻛﺒﺮ ﻟﺪارس اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس اﻟﺼﺎدق ﻣﻦ اﻻﻋﺘﻘﺎد اﻟﺸﺎﺋﻊ ﺑﺄن ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات وﻣﻠﻜﻮت ﷲ واﺣﺪ. ﻻ ﻳﺆدي ﻫﺬا إﱃ اﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻻﻟﺘﺒﺎس اﻟﻌﻘﺎﺋﺪي ﻓﺤﺴﺐ، ﺑﻞ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺎ واﺣﺪًا، ﻷدى ذﻟﻚ إﱃ ﻇﻬﻮر ﺗﻨﺎﻗﻀﺎت ﻻ ﺣﺼﺮ ﻟﻬﺎ ﻓﻲ ﻧﺺ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ.
ﺑﺒﺴﺎﻃﺔ (ﻣﺆﻗﺘًﺎ، ﻣﻊ ﺷﺮح ﻣﻔﺼﻞ ﻻﺣﻘًﺎ)، ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻫﻮ اﻟﻤﻠﻜﻮت اﻟﻤﺎدي ﻋﲆ ﻫﺬه اﻷرض. وﻗﺪ ﺳﻤﺢ ﷲ ﻟﻠﺒﺸﺮ ﺑﺎﻟﺴﻴﻄﺮة ﻋﲆ ﻫﺬا اﻟﻤﻠﻜﻮت ﺑﺪءًا ﻣﻦ آدم واﻧﺘﻬﺎءً ﺑﻴﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ. ﻣﻠﻜﻮت ﷲ ﻫﻮ اﻟﻤﻠﻜﻮت اﻟﺮوﺣﻲ، وﻫﻮ ﻏﻴﺮ ﻣﺮﺋﻲ وﻏﻴﺮ ﻣﺪرك ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻏﺎﻟﺒﻴﺔ اﻟﻨﺎس، وﻗﺪ ﻛﺎن داﺋﻤًﺎ ﺗﺤﺖ ﺣﻜﻢ ﷲ.
ﻗﻠﺔٌ ﻣﻦ اﻟﻜُﺘّﺎب واﻟﻤُﻌﻠّﻘﻴﻦ، وﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻗﻠﺔٌ ﻣﻦ اﻟﻮﻋﺎظ، ﻳُﻘﺮّون ﺑﺎﻻﺧﺘﻼف ﺑﻴﻦ اﻟﻤﻤﻠﻜﺘﻴﻦ. ﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ، ﻳُﻌﺪّ اﻟﻘﻮل ﺑﺄﻧﻬﻤﺎ ﻟﻴﺴﺘﺎ ﻣﺘﻄﺎﺑﻘﺘﻴﻦ أﻣﺮًا ﻣﺜﻴﺮًا ﻟﻠﺠﺪل. أرﺟﻮ ﻣﻦ اﻟﻘﺎرئ أن ﻳﺘﺨﲆ ﻋﻦ أﻳّﺔ أﻓﻜﺎر ﻣُﺴﺒﻘﺔ وأن ﻳﻘﺮأ ﻫﺬا اﻟﻔﺼﻞ ﺑﺘﺄﱟن. إذا ﻛﻨﺖ ﺗﻌﺘﻘﺪ أن اﻟﻤﻤﻠﻜﺘﻴﻦ ﻣﺘﻄﺎﺑﻘﺘﺎن، وﻣﺎ زﻟﺖَ ﻣُﻘﺘﻨﻌًﺎ ﺑﺬﻟﻚ ﺑﻌﺪ اﻻﺳﺘﻤﺎع إﱃ اﻷﻓﻜﺎر اﻟﺘﺎﻟﻴﺔ ﺑﺈﻧﺼﺎف، ﻓﻼ ﺑﺄس. ﻟﻜﻦ ﻻ ﺗﺘﺠﺎﻫﻞ أو ﺗﺮﻓﺾ ﻣﺎ ورد ﻫﻨﺎ ﻟﻤُﺠﺮّد أﻧﻪ ﻻ ﻳﺘﻮاﻓﻖ ﻣﻊ ﻣﺎ ﺗﻌﻠّﻤﺘﻪ.
ﻳﺒﺪو أﻧﻪ ﻳﻨﺒﻐﻲ أن ﻧﺒﺪأ ﺑﺘﺎرﻳﺦ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻴﻪ ﻣﺘﻰ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات. ﻛﺎن ﻫﺪف ﷲ ﻣﻨﺬ اﻟﻔﺼﻞ اﻷول ﻣﻦ ﺳﻔﺮ اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ ﻫﻮ إﻗﺎﻣﺔ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﻣﺮﺋﻴﺔ ﻋﲆ اﻷرض. ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ أﻳﺎم اﻟﺨﻠﻖ اﻟﺴﺘﺔ، أﻋﻄﻰ ﷲ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﺬي ﻛﺎن ﻗﺪ ﺧﻠﻘﻪ سلطانا ﻋﲆ اﻷرض. ﻟﻢ ﻳﻤﻨﺤﻪ اﻟﻮﻛﺎﻟﺔ، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ اﻟﺤﺎل ﻣﻊ ﻣﻦ ﻳﺸﺮﻓﻮن ﻋﲆ ﻛﻨﻴﺴﺔ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ. ﺑﻞ ﻣﻨﺤﻪ السلطان. ﻛﺎن ﻫﻮ اﻟﺤﺎﻛﻢ.
“وَقَالَ ٱللهُ: «نَعْمَلُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ ٱلْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ ٱلْأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ ٱلدَّبَّابَاتِ ٱلَّتِي تَدِبُّ عَلَى ٱلْأَرْضِ». فَخَلَقَ ٱللهُ ٱلْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ ٱللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ ٱللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَٱكْثُرُوا وَٱمْلَأُوا ٱلْأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ ٱلْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى ٱلْأَرْضِ».” (ﺗﻜﻮﻳﻦ ١: ٢٦-٢٨).
ﺧُﻠﻖ اﻹﻧﺴﺎن ﻟﻴﺤﻜﻢ اﻷرض.
ﻓﻲ ﺳﻔﺮ اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ “٣” ﺗﻨﺎزل آدم ﻋﻦ ﺳﻠﻄﺘﻪ ﻟﻠﺸﻴﻄﺎن، اﻟﺬي ﺻﺎر إﻟﻪ ﻫﺬا اﻟﻌﺎﻟﻢ (ﻛﻮرﻧﺜﻮس اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ٤:٤)وﺳﻴﻄﺮ على الممالك(ﻣﺘﻰ ٤: ٨ – ١٠ \\ ﻟﻮﻗﺎ ٤: ٥ – ٦). “وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: «لَكَ أُعْطِي هَذَا ٱلسُّلْطَانَ كُلَّهُ وَمَجْدَهُنَّ، لِأَنَّهُ إِلَيَّ قَدْ دُفِعَ، وَأَنَا أُعْطِيهِ لِمَنْ أُرِيدُ.” ﺻﺤﻴﺢ أن اﻟﺮب ﻗﺪ ﻳﻤﺎرس ﺳﻠﻄﺘﻪ اﻟﻌﻈﻴﻤﺔ وﻳﻨﺼﺐ اﻟﻤﻠﻮك وﻳﻌﺰﻟﻬﻢ (داﻧﻴﺎل ٢: ٢١) إﻻ أن ﺗﻐﻴﻴﺮ اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺬي ﺣﺪث ﻓﻲ اﻟﺠﻨﺔ ﻻ ﻳﺰال ﺳﺎرﻳًﺎ.
ﻓﻲ ﻳﻮﺣﻨﺎ (١٤: ٣٠) ﻗﺎل ﻳﺴﻮع: “لَا أَتَكَلَّمُ أَيْضًا مَعَكُمْ كَثِيرًا، لِأَنَّ رَئِيسَ هَذَا ٱلْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ.”، ﻣﻌﺘﺮﻓًﺎ ﺑﺄن اﻟﺸﻴﻄﺎن ﻫﻮ اﻟﻘﻮة اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ ﻟﻨﻈﺎم اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻟﺤﺎﻟﻲ.
ﻫﺬا ﻳﻌﻨﻲ أن ﻟﻜﻞ ﻣﺎ ﻳﺆﺛﺮ ﻋﲆ اﻟﺒﺸﺮ ﻣﺴﺘﻮﻳﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﺘﺄﺛﻴﺮ: ﷲ، وﻫﻮ اﻷﻋﲆ اﻟﺬي ﻣﻨﺢ آدم اﻟﺴﻴﺎدة، واﻟﺸﻴﻄﺎن، اﻟﺬي ﺳُﻤﺢ ﻟﻪ ﺑﻤﻤﺎرﺳﺔ اﻟﺴﻴﺎدة (أﻳﻮب ١) ﻧﺘﻴﺠﺔً ﻟﺘﻨﺎزل آدم اﻟﻄﻮﻋﻲ ﻋﻦ اﻟﺴﻠﻄﺔ. ﻣﻊ أن الرب يسوع المسيح ﻗﺪ ﻣﺎت ودُﻓﻦ وﻗﺎم، إﻻ أن ﻫﺬا اﻟﺘﺮﺗﻴﺐ ﻟﻢ ﻳﺘﻐﻴﺮ، ﻛﻤﺎ رأﻳﻨﺎ ﻓﻲ ﻓﺼﻞ ﺳﺎﺑﻖ.
ﻓﻲ ﺳﻔﺮ داﻧﻴﺎل “٢” ﻳُﻄﻠﻊ ﷲ ﻧﺒﻴًﺎ ﻋﺒﺮاﻧﻴًﺎ وﻣﻠﻜًﺎ ﻣﻦ اﻷﻣﻢ ﻋﲆ ﺗﺎرﻳﺦ اﻟﺤﻜﻢ اﻟﺒﺸﺮي ﻣﻨﺬ ﻋﻬﺪ ﻧﺒﻮﺧﺬﻧﺼﺮ ﻓﺼﺎﻋﺪًا. ﻳُﻌﻠﻦ اﻟﺮب ﻋﻦ اﻟﻘﻮى اﻟﺘﻲ ﺳﺘﺴﻮد ﻋﲆ اﻷرض. وﻻ ﻧﺠﺪ أن ﻣﻤﺎﻟﻚ ﻫﺬا اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻗﺪ أﺻﺒﺤﺖ ﻣﻤﺎﻟﻚ رﺑﻨﺎ وﻣﺴﻴﺤﻪ إﻻ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﻔﺘﺮة اﻟﺰﻣﻨﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﻏﻄﺘﻬﺎ ﻧﺒﻮءة داﻧﻴﺎل. “ثُمَّ بَوَّقَ ٱلْمَلَاكُ ٱلسَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي ٱلسَّمَاءِ قَائِلَةً: «قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ ٱلْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ».” (رؤﻳﺎ ١١: ١٥).

ﻟﻘﺪ اﻧﺘﻘﻠﻨﺎ ﻓﺠﺄة ﻣﻦ اﻟﺠﻨﺔ إﱃ ﺑﺎﺑﻞ ﺛﻢ إﱃ اﻟﻤﺠﻲء اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻟﻠﻤﺴﻴﺢ. ﻓﻠﻨﻌﺪ إﱃ اﻟﻮراء وﻧﺘﻨﺎول اﻷﻣﻮر ﺑﺘﺄﱟن أﻛﺒﺮ وﻧُﻀﻴﻒ إﻟﻴﻬﺎ اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ اﻟﻀﺮورﻳﺔ.
ﻓﻲ دﻋﻮة إﺑﺮاﻫﻴﻢ، ﺧﻄﺎ ﷲ ﺧﻄﻮة ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻧﺤﻮ إﻗﺎﻣﺔ ﻣﻠﻜﻮﺗﻪ ﻋﲆ اﻷرض. ﺑﺎﺧﺘﻴﺎره ﻟﻬﺬا اﻟﺮﺟﻞ، اﺧﺘﺎر اﻟﺸﻌﺐ اﻟﺬي ﺳﻴﺤﻜﻢ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻪ: اﻟﻌﺒﺮاﻧﻴﻴﻦ.
ﺛﻢ أﺿﺎف ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﻣﻮﺳﻰ إﱃ اﻷﻣﺔ الأسرائيلية اﻟﻘﻮاﻧﻴﻦ اﻟﺘﻲ ﺳﻴﺤﻜﻢ ﺑﻬﺎ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ. ﺑﺎﺳﺘﺨﺪام ﻳﺸﻮع واﻟﻘﻀﺎة، أﺷﺮف ﷲ ﻋﲆ ﻏﺰو اﻷرض اﻟﺘﻲ ﺳﻴﻘﻴﻢ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻤﻠﻜﺘﻪ. ﺛﻢ أﺳﺲ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ داود اﻟﻌﺮش ﻋﲆ ﺟﺒﻞ ﺻﻬﻴﻮن، وﻣﻨﻪ ﺳﻴﻨﺼﺐ ﻓﻲ ﻳﻮم ﻣﻦ اﻷﻳﺎم رﺟﻠﻪ اﻟﻤﺨﺘﺎر ﻟﻴﺤﻜﻢ ﺟﻤﻴﻊ اﻷﻣﻢ.
ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺟﺎء ﻳﺴﻮع ﻓﻲ اﻟﻤﺮة اﻷوﱃ ﻟﻴﺘﺄﻟﻢ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﺨﻄﺎﻳﺎ ﻟﻴﺨﻠﺺ اﻟﺨﻄﺎة، ﻓﻘﺪ ﺑﺸّﺮت ﺗﻠﻚ اﻟﻤﺠﻲء اﻷول ﺑﺘﺤﻘﻴﻖ اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﻨﺒﻮءات اﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﻤﺴﻴﺢ اﻟﺬي ﺳﻴﻤﻠﻚ ﻋﲆ اﻷرض ﻣﻠﻜًﺎ ﻟﻠﻴﻬﻮد وﻣﺨﻠﺼًﺎ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ. ﻛﺎﻧﺖ ﺧﺪﻣﺔ ﻳﻮﺣﻨﺎ اﻟﻤﻌﻤﺪان، واﻟﻤﻌﺠﺰات، ودﺧﻮﻟﻪ اﻟﻤﻈﻔﺮ إﱃ اﻟﺴﻤﺎء، ﻣﺠﺮد أﻣﺜﻠﺔ ﻗﻠﻴﻠﺔ ﻋﲆ اﻷﺳﺒﺎب اﻟﺘﻲ دﻓﻌﺖ اﻟﻜﺜﻴﺮﻳﻦ ﻟﻼﻋﺘﻘﺎد ﺑﺄن ﻳﺴﻮع ﺳﻴﺘﻮﱃ اﻟﺤﻜﻢ وﻳﻘﻴﻢ ﻋﺮﺷﻪ ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻮﻗﺖ.
ﺧﻼﻓًﺎ ﻟﻤﺎ ﻳُﺸﺎع، ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺗﺎرﻳﺦ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻓﺎﺷﻠﺔ ﻹﻗﺎﻣﺔ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﻌﺒﺮاﻧﻴﻴﻦ. ﺑﻞ اﺳﺘﺨﺪم ﷲ اﻟﻌﺒﺮاﻧﻴﻴﻦ ﻟﻮﺿﻊ أﺳﺎس اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﺘﻲ ﺳﻴﺤﻜﻤﻬﺎ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﻤﻄﺎف. ﻗﺪ ﻳُﻠﻤّﺢ اﻟﺒﻌﺾ، ﺑﻞ وﻳُﺼﺮّح آﺧﺮون، ﺑﺄن ﷲ ﻓﺸﻞ وﻟﺠﺄ إﱃ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﻛﺨﻄﺔ ﺑﺪﻳﻠﺔ رﻳﺜﻤﺎ ﻳﺴﺘﻌﻴﺪ ﻗﻮﺗﻪ ﻟﻤﺤﺎوﻟﺔ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻹﻗﺎﻣﺔ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ. ﻫﺬا اﻋﺘﻘﺎد ﺧﺎﻃﺊ ﺗﻤﺎﻣًﺎ. ﻟﻢ ﺗﻨﻞ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﺑﺮﻛﺎﺗﻬﺎ ﻛﺎﻣﻠﺔً ﻣﺆﻗﺘًﺎ ﻟﻴﺲ ﻷن ﷲ ﻛﺎن ﻣُﻌﺎﻗًﺎ ﻋﻦ ﻣﻘﺎﺻﺪه، ﺑﻞ ﻷن اﻟﻨﺒﻮءات ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﺤﺪث ﻋﻦ ﻣﻌﺎﻧﺎة اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ، ﺛﻢ ﻳﺘﺒﻌﻬﺎ اﻟﻤﺠﺪ.
أﺛﻨﺎء ﺗﻮﻟﻲ ﺻﻤﻮﺋﻴﻞ اﻟﻘﻴﺎدة، ﺛﺎر اﻟﺸﻌﺐ ﺿﺪ ﺣﻜﻢ ﷲ. اﺧﺘﺎروا ﺷﺎول ﻷﻧﻬﻢ أرادوا ﻣﻠﻜًﺎ ﺑﺸﺮﻳًﺎ ﻣﺜﻞ ﺑﺎﻗﻲ اﻷﻣﻢ (ﺻﻤﻮﺋﻴﻞ اﻷول ٨).ورﻏﻢ اﻋﺘﺮاض اﻟﺮاﺋﻲ، أﺻﺮّوا، ﻓﺎﺳﺘﺠﺎب ﷲ ﻟﺮﻏﺒﺘﻬﻢ. وﻋﻨﺪﻣﺎ ﻓﺸﻞ اﺧﺘﻴﺎر اﻟﺸﻌﺐ ﻓﺸﻼً ذرﻳﻌًﺎ، اﺧﺘﺎر ﷲ داود. ﺣﺘﻰ ﻣﻊ أن داود ﻛﺎن ﻗﻠﺒﻪ ﻣﺘﻌﻠﻘﺎً ﺑﺎﻟﻠﻪ، إﻻ أﻧﻪ وورﺛﺘﻪ ﻛﺎﻧﻮا ﻣﺬﻧﺒﻴﻦ ﺑﺴﻮء اﻟﺤﻜﻢ، ﺛﻢ ﻋﺒﺎدة اﻷﺻﻨﺎم، ﺛﻢ اﻟﺘﻤﺮد، اﻟﺬي اﺳﺘﻮﱃ ﻋﲆ اﻷﻣﺔ ﺑﺘﻮاﺗﺮ ﻣﺘﺰاﻳﺪ ﺣﺘﻰ اﻧﻔﺼﻞ ﷲ ﻋﻦ اﻟﻤﻠﻜﻴﺔ اﻟﻌﺒﺮﻳﺔ.
ﻓﻲ ﺣﺰﻗﻴﺎل (١٠: ١٨-٢٠) ﻧﺮى رﺣﻴﻞ اﻟﺮب ﻣﻦ اﻟﺒﻴﺖ اﻟﻤﺒﻨﻲ ﻻﺳﻤﻪ.” وَخَرَجَ مَجْدُ ٱلرَّبِّ مِنْ عَلَى عَتَبَةِ ٱلْبَيْتِ وَوَقَفَ عَلَى ٱلْكَرُوبِيمِ. فَرَفَعَتِ ٱلْكَرُوبِيمُ أَجْنِحَتَهَا وَصَعِدَتْ عَنِ ٱلْأَرْضِ قُدَّامَ عَيْنَيَّ. عِنْدَ خُرُوجِهَا كَانَتِ ٱلْبَكَرَاتُ مَعَهَا، وَوَقَفَتْ عِنْدَ مَدْخَلِ بَابِ بَيْتِ ٱلرَّبِّ ٱلشَّرْقِيِّ، وَمَجْدُ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ عَلَيْهَا مِنْ فَوْقُ. هَذَا هُوَ ٱلْحَيَوَانُ ٱلَّذِي رَأَيْتُهُ تَحْتَ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ عِنْدَ نَهْرِ خَابُورَ. وَعَلِمْتُ أَنَّهَا هِيَ ٱلْكَرُوبِيمُ.”
ﻧﺰل ﷲ ﻋﲆ ﻋﺮﺷﻪ اﻟﺴﻤﺎوي، وﺣﺎم ﻓﻮق أورﺷﻠﻴﻢ، وأﻇﻬﺮ ﻣﺠﺪه ﻣﻦ ﻓﻮق ﺗﺎﺑﻮت اﻟﻌﻬﺪ. ﻓﺨﺮج اﻟﺘﺎﺑﻮت ﻣﻦ اﻟﻬﻴﻜﻞ وﻋﺎد إﱃ ﻣﻜﺎﻧﻪ ﻋﻨﺪ ﷲ.
ﻳﻘﻮل ﺣﺰﻗﻴﺎل (١١: ٢٢-٢٣) “ثُمَّ رَفَعَتِ ٱلْكَرُوبِيمُ أَجْنِحَتَهَا وَٱلْبَكَرَاتِ مَعَهَا، وَمَجْدُ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ عَلَيْهَا مِنْ فَوْقُ. وَصَعِدَ مَجْدُ ٱلرَّبِّ مِنْ عَلَى وَسْطِ ٱلْمَدِينَةِ وَوَقَفَ عَلَى ٱلْجَبَلِ ٱلَّذِي عَلَى شَرْقِيِّ ٱلْمَدِينَةِ.” ﺛﻢ اﺧﺘﻔﻰ ﻣﺠﺪ ﷲ، وﻏﺎدر اﻟﻬﻴﻜﻞ، وﻋﺒﺮ وادي ﻗﺪرون إﱃ ﺟﺒﻞ اﻟﺰﻳﺘﻮن. وﺷﺎﻫﺪ ﺣﺰﻗﻴﺎل ﻣﺠﺪ ﷲ وﻫﻮ ﻳﺮﺣﻞ.
ﻧﻨﺘﻘﻞ اﻵن إﱃ ﺣﺰﻗﻴﺎل (٢١: ٢٥-٢٧) “«وَأَنْتَ أَيُّهَا ٱلنَّجِسُ ٱلشِّرِّيرُ، رَئِيسُ إِسْرَائِيلَ، ٱلَّذِي قَدْ جَاءَ يَوْمُهُ فِي زَمَانِ إِثْمِ ٱلنِّهَايَةِ، هَكَذَا قَالَ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ: ٱنْزِعِ ٱلْعَمَامَةَ. ٱرْفَعِ ٱلتَّاجَ. هَذِهِ لَا تِلْكَ. ٱرْفَعِ ٱلْوَضِيعَ، وَضَعِ ٱلرَّفِيعَ. مُنْقَلِبًا، مُنْقَلِبًا، مُنْقَلِبًا أَجْعَلُهُ! هَذَا أَيْضًا لَا يَكُونُ حَتَّى يَأْتِيَ ٱلَّذِي لَهُ ٱلْحُكْمُ فَأُعْطِيَهُ إِيَّاهُ.”
ﻫﻨﺎ ﺳُﻠِﺐَ اﻟﺘﺎج ﻣﻦ ﻣﻠﻮك إﺳﺮاﺋﻴﻞ. وﻟﻦ ﻳﻀﻊ ﷲ اﻵب ذﻟﻚ اﻟﺘﺎج ﻋﲆ رأس ﻣﻠﻚ ﻋﺒﺮاﻧﻲ آﺧﺮ ﺣﺘﻰ ﻳﻀﻌﻪ ﻋﲆ رأس اﺑﻨﻪ، ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ.

ﺑﻌﺪ ﺳﺘﻤﺎﺋﺔ ﻋﺎم ﻣﻦ ﺧﻠﻊ اﻟﺘﺎج (ﺣﺰﻗﻴﺎل ٢١) وُﻟِﺪَ ﻃﻔﻞٌ ﻓﻲ ﺑﻠﺪة ﺻﻐﻴﺮة ﺗُﺪﻋﻰ ﺑﻴﺖ ﻟﺤﻢ. ﻳﻘﻮل إﻧﺠﻴﻞ ﻟﻮﻗﺎ (١: ٢٦-٣٣) “وَفِي ٱلشَّهْرِ ٱلسَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ ٱلْمَلَاكُ مِنَ ٱللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ ٱلْجَلِيلِ ٱسْمُهَا نَاصِرَةُ، إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ ٱسْمُهُ يُوسُفُ. وَٱسْمُ ٱلْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ. فَدَخَلَ إِلَيْهَا ٱلْمَلَاكُ وَقَالَ: «سَلَامٌ لَكِ أَيَّتُهَا ٱلْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي ٱلنِّسَاءِ». فَلَمَّا رَأَتْهُ ٱضْطَرَبَتْ مِنْ كَلَامِهِ، وَفَكَّرَتْ: «مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ ٱلتَّحِيَّةُ!». فَقَالَ لَهَا ٱلْمَلَاكُ: «لَا تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لِأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ ٱللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ٱبْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هَذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَٱبْنَ ٱلْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ ٱلرَّبُّ ٱلْإِلَهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى ٱلْأَبَدِ، وَلَا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ».”
ﻟﻘﺪ ﻋﺎد ﷲ، وﻗﺪ ﺣُﺠﺐ ﻣﺠﺪه ﺑﺠﺴﺪ ﺑﺸﺮي. ﻣﻊ أن ﻣﺠﻲء اﻟﺮب ﻳﺴﻮع اﻷول ﻛﺎن ﻟﻴﻤﻮت ﻣﻦ أﺟﻞ ﺧﻄﺎﻳﺎ اﻟﻌﺎﻟﻢ، إﻻ أﻧﻨﺎ ﻧﺮى ﻓﻲ ﻫﺬا اﻹﻋﻼن أﻧﻪ اﻟﻤﻠﻚ اﻟﺬي ﺳﻴﻔﻌﻞ:
– يقيم مملكة أبدية.
– يجلس على عرش أبيه داود.
– على جبل صهيون.
– في وسط أرض الميعاد.
– يحكم بالشريعة التي أنزلت على موسى.
– على الشعب المنحدر من ابراهيم.
أُﺣﻀﺮ وﻫﻮ ﻃﻔﻞ إﱃ اﻟﻬﻴﻜﻞ (ﻟﻮﻗﺎ ٢: ٢٧)وﺑﻌﺪ اﺛﻨﺘﻲ ﻋﺸﺮة ﺳﻨﺔ أذﻫﻞ اﻷﻃﺒﺎء ﻫﻨﺎك ﺑﻤﻌﺮﻓﺘﻪ (ﻟﻮﻗﺎ ٢: ٤٦).
ﺑﻌﺪ ﺛﻼﺛﻴﻦ ﻋﺎﻣًﺎ، ﺻﺪر إﻋﻼن.” وَفِي تِلْكَ ٱلْأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ قَائِلًا: «تُوبُوا، لِأَنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّماوَاتِ. فَإِنَّ هَذَا هُوَ ٱلَّذِي قِيلَ عَنْهُ بِإِشَعْيَاءَ ٱلنَّبِيِّ ٱلْقَائِلِ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ ٱلرَّبِّ. ٱصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً».” (ﻣﺘﻰ ٣: ١-٣).
اﻧﻈﺮ إﱃ ﻣﺎ ﻳُﺴﺘﺨﺪم ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺘﺒﺎدل ﻓﻲ ﻫﺬه اﻵﻳﺎت. ﻣﺎ ﻫﻮ اﻟﻤﻘﺼﻮد ﺑﻜﻠﻤﺔ “ﻗﺮﻳﺐ” ﻓﻲ اﻵﻳﺔ “٢”؟ أنها ملكوت السماوات. ﻣﻦ اﻟﺬي يمهد سبله مستقسمة في اﻵﻳﺔ “٣”؟ إﻧﻪ اﻟﺮب. ﻻ ﻳُﻤﻜﻦ أن ﻳﻜﻮن ﻟﺪﻳﻚ اﻟﻤﻠﻜﻮت ﺑﺪون اﻟﻤﻠﻚ. ﻟﻢ ﻳُﻄﻠﺐ ﻣﻦ ﻳﻮﺣﻨﺎ أن ﻳُﻬﻴﺊ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﻤﻠﻜﻮت، ﺑﻞ ﻗﻴﻞ ﻟﻪ: “أَعِدُّوا طَرِيقَ ٱلرَّبِّ.” ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺠﻠﺲ اﻟﺮب ﻋﲆ اﻟﻌﺮش، ﺳﺘﺮون ﺗﺤﻘﻴﻖ وﻋﻮد ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات – وﻟﻴﺲ ﻗﺒﻞ ذﻟﻚ.
ﻓﻲ اﻟﻔﺼﻞ اﻟﺘﺎﻟﻲ ﻧﻘﺮأ: “مِنْ ذَلِكَ ٱلزَّمَانِ ٱبْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: «تُوبُوا لِأَنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ».” (ﻣﺘﻰ ٤: ١٧). ﺛﻢ ﻓﻲ ﻣﺘﻰ (١٠: ١, ٥, ٧) ﻧﻘﺮأ: “ثُمَّ دَعَا تَلَامِيذَهُ ٱلِٱثْنَيْ عَشَرَ… هَؤُلَاءِ ٱلِٱثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ … وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ ٱكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ.” اﺳﺘﻄﺎع ﻳﻮﺣﻨﺎ وﻳﺴﻮع واﻟﺘﻼﻣﻴﺬ أن ﻳﻘﻮﻟﻮا ﻫﺬا ﻷن اﻟﻤﻠﻚ ﻛﺎن ﺣﺎﺿﺮًا.
ﻫﻨﺎك ﺳﺒﺐ واﺣﺪ ﻳﺠﻌﻞ اﻟﺤﺮوب واﻟﻤﺆاﻣﺮات اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ واﻷﻣﻢ اﻟﻤﺘﺤﺪة واﻟﻨﺸﺎط اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻛﻠﻬﺎ ﻋﺒﺜﺎً. ﻓﺒﻌﺪ ﻛﻞ ﺣﺮب، وﻛﻞ اﻧﺘﺨﺎﺑﺎت، وﻛﻞ ﺑﺎﺑﺎ راﺣﻞ، وﻛﻞ ﻣﻴﺪاﻟﻴﺔ ذﻫﺒﻴﺔ، وﻛﻞ ﺣﻔﻞ ﺗﺨﺮج ﺟﺎﻣﻌﻲ، وﻛﻞ ﻣﺴﻴﺮة ﺳﻼم، وﻛﻞ ﻗﺪاس ﻛﻨﺴﻲ، ﻻ ﻳﺰال اﻟﺸﻴﻄﺎن ﻳﺴﻴﻄﺮ ﻋﲆ ﻣﻤﺎﻟﻚ ﻫﺬا اﻟﻌﺎﻟﻢ.
ﺣﻜﻢ ﻧﺒﻮﺧﺬﻧﺼﺮ ﻣﻦ ﺑﺎﺑﻞ، ﺛﻢ ﺣﻜﻢ دارﻳﻮس ﻣﻦ ﻓﺎرس، ﺛﻢ ﺟﺎء دور اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻴﻴﻦ واﻟﺮوﻣﺎن، ﻟﻜﻦ ﻟﻢ ﻳﻨﺘﺰع أي ﻣﻨﻬﻢ ﺷﺒﺮاً واﺣﺪاً ﻣﻦ أرض اﻟﺸﻴﻄﺎن. ﺟﺎؤوا ورﺣﻠﻮا، ﻟﻜﻨﻪ ﺑﻘﻲ ﻓﻲ اﻟﺴﻠﻄﺔ.
ﻳﺒﺪأ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ ﺑﺈﻋﻼن اﻗﺘﺮاب ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، ﻷن اﻟﺸﺨﺺ اﻟﺬي ﻳﻤﻠﻚ اﻟﻘﺪرة ﻋﲆ اﺳﺘﻌﺎدة ﻣﺎ ﻓﻘﺪه آدم ﻛﺎن ﺣﺎﺿﺮًا. ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺣﺮﻛﺔ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻳﻘﻮدﻫﺎ ﻳﺴﻮع، وﻻ ﺣﺮﻛﺔ دﻳﻨﻴﺔ ﻳُﺤﺮك ﻓﻴﻬﺎ ﻳﺴﻮع اﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮ، ﺑﻞ ﻛﺎﻧﺖ ﻗﻮة ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻛﺎﻓﻴﺔ ﻹﻋﺎدة اﻟﺴﻴﺎدة اﻟﺘﻲ ﻓﻘﺪﻫﺎ آدم إﱃ ﻣﻜﺎﻧﻬﺎ اﻟﺼﺤﻴﺢ. أﻋﻄﺎﻫﺎ ﷲ ﻟﺮﺟﻞ، وﻋﲆ ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ أن ﻳﺴﺘﻌﻴﺪﻫﺎ. ﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﻜﻮن ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ ﻣﻦ ﻧﺴﻞ آدم، ﻷن ﺟﻤﻴﻊ ﻧﺴﻠﻪ ﻣﺸﺎرﻛﻮن ﻓﻲ اﻟﺨﺮاب اﻟﺬي أﺣﺪﺛﻪ ﺳﻘﻮﻃﻪ. وﻟﻜﻦ إذا ﺗﺠﺴﺪ ﷲ ﻓﻲ ﺻﻮرة آدم اﻷﺧﻴﺮ، ﻣﻦ ﻧﺴﻞ إﺑﺮاﻫﻴﻢ وداود، ﻓﻬﻨﺎك أﻣﻞ. إذا ﻛﺎن ﺑﺈﻣﻜﺎن ﻣﻮﻟﻮد ﻣﻦ ﻋﺬراء أن ﻳﻨﻬﺾ ﻣﻠﻜًﺎ ﻋﲆ اﻟﻴﻬﻮد، ﻓﺈن اﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﻣﺸﺮق.
“وَبَعْدَ ذَلِكَ عَيَّنَ ٱلرَّبُّ سَبْعِينَ آخَرِينَ أَيْضًا، وَأَرْسَلَهُمُ ٱثْنَيْنِ ٱثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلَى كُلِّ مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ حَيْثُ كَانَ هُوَ مُزْمِعًا أَنْ يَأْتِيَ…. وَٱشْفُوا ٱلْمَرْضَى ٱلَّذِينَ فِيهَا، وَقُولُوا لَهُمْ: قَدِ ٱقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ ٱللهِ. … حَتَّى ٱلْغُبَارَ ٱلَّذِي لَصِقَ بِنَا مِنْ مَدِينَتِكُمْ نَنْفُضُهُ لَكُمْ. وَلَكِنِ ٱعْلَمُوا هَذَا: إنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ ٱللهِ.” (ﻟﻮﻗﺎ ١٠: ١, ٩, ١١).

ﻋُﺮﺿﺖ اﻟﻤﻤﻠﻜﺘﺎن ﺑﺈﻳﺠﺎز ﻷن رﺟﻼً واﺣﺪاً ﻫﻮ ﻣﻠﻜﻬﻤﺎ. وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻓﻘﺪ أوﺿﺢ ﻫﺬا اﻹﻟﻪ اﻟﻤﺘﺠﺴﺪ ﺟﻠﻴﺎً أن ﻫﻨﺎك ﻓﺮﻗﺎً ﺷﺎﺳﻌﺎً ﺑﻴﻦ اﻟﻤﻤﺎﻟﻚ اﻟﻤﺎدﻳﺔ اﻟﻤﺮﺋﻴﺔ اﻟﺘﻲ اﻋﺘﺎد ﻋﻠﻴﻬﺎ اﻟﺒﺸﺮ وﻣﻠﻜﻮت ﷲ.
ﻳﺸﻴﺮ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ إﱃ ﺳﻴﺎدة اﻟﺮب اﻟﺮوﺣﻴﺔ، ﺣﺘﻰ ﻓﻲ اﻷﻣﺎﻛﻦ واﻷزﻣﻨﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻜﻮن ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻘﻮة اﻟﻤﺎدﻳﺔ ﻓﻲ أﻳﺪي أﻋﺪاﺋﻪ. اﻧﻈﺮ إﱃ ﻟﻮﻗﺎ (١٧: ٢٠-٢١) “وَلَمَّا سَأَلَهُ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ: «مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ ٱللهِ؟». أَجَابَهُمْ وَقَالَ: «لَا يَأْتِي مَلَكُوتُ ٱللهِ بِمُرَاقَبَةٍ، وَلَا يَقُولُونَ: هُوَذَا هَهُنَا، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لِأَنْ هَا مَلَكُوتُ ٱللهِ دَاخِلَكُمْ».” إﻧﻪ ﻣﻠﻜﻮت داخلي ﻏﻴﺮ ﻣﺮﺋﻲ، ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻣﻼﺣﻈﺘﻪ. ﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﻋﺮش، وﻻ ﻣﺪﻳﻨﺔ، وﻻ أرض، وﻻ ﺟﻨﺲ ﺑﺸﺮي ﻣﺮﺋﻲ. إﻧﻪ أﻣﺮ داﺧﻠﻲ ﻳﺤﻜﻢ ﻓﻴﻪ ﷲ وﻳﺴﻮد ﻓﻲ ﻗﻠﻮب اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ.
ﻳﻘﻮل اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ روﻣﻴﺔ (١٤: ١٧)”لِأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ ٱللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلَامٌ وَفَرَحٌ فِي ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ.” ﻣﻠﻜﻮت ﷲ ﻳﺤﻜﻤﻪ ﻓﻲ ﻫﺬه اﻟﺴﺎﻋﺔ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ، “ٱلَّذِي سَيُبَيِّنُهُ فِي أَوْقَاتِهِ ٱلْمُبَارَكُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْوَحِيدُ: مَلِكُ ٱلْمُلُوكِ وَرَبُّ ٱلْأَرْبَابِ “(١ ﺗﻴﻤﻮﺛﺎوس ٦: ١٥). ﻻ ﻳﺤﺘﺎج أن ﻳﻌﻮد ﻟﻴﻄﺎﻟﺐ ﺑﻪ أو ﻟﻴﻘﻬﺮ أي ﻋﺪو ﻟﻴﺤﻜﻤﻪ. “وَمَلِكُ ٱلدُّهُورِ ٱلَّذِي لَا يَفْنَى وَلَا يُرَى، ٱلْإِلَهُ ٱلْحَكِيمُ وَحْدَهُ، لَهُ ٱلْكَرَامَةُ وَٱلْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ ٱلدُّهُورِ. آمِينَ.” (١ ﺗﻴﻤﻮﺛﺎوس ١: ١٧).ﻟﻢ ﻳُﺬﻛﺮ ﻗﻂ أن ﻳﺴﻮع ﻣﻠﻚ ﻋﲆ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ، وﻟﻜﻨﻪ ﻣﻠﻚ ﻋﲆ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ، اﻟﺬي اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﺟﺰء ﻣﻨﻪ.
واﻵن ﻧﻨﺘﻘﻞ إﱃ ﻣﺘﻰ (٢١: ٤٢-٤٣) “قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي ٱلْكُتُبِ: ٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي رَفَضَهُ ٱلْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ ٱلزَّاوِيَةِ؟ مِنْ قِبَلِ ٱلرَّبِّ كَانَ هَذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا! لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ ٱللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ.”
ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻮﻗﺖ، ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﺮوﺣﻴﺔ ﻣﻠﻜًﺎ ﻟﻠﻴﻬﻮد. ﻓﻲ زﻣﻦ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ، ﻛﺎن ﷲ ﻳﺤﻜﻤﻬﻢ وﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﻢ روﺣﻴًﺎ وﻣﺎدﻳًﺎ. وﻛﺎﻧﺖ ﺗﺮﺑﻄﻪ ﺑﻬﻢ ﻋﻼﻗﺔ ﻋﻬﺪ، وﻛﺬﻟﻚ ﺑﺎﻷﻣﻢ اﻷﺧﺮى ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﻢ ﻓﻘﻂ.
ﻳﻘﻮل اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ روﻣﻴﺔ (٩: ٣-٥) “فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ ٱلْمَسِيحِ لِأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ ٱلْجَسَدِ، ٱلَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ، وَلَهُمُ ٱلتَّبَنِّي وَٱلْمَجْدُ وَٱلْعُهُودُ وَٱلِٱشْتِرَاعُ وَٱلْعِبَادَةُ وَٱلْمَوَاعِيدُ، وَلَهُمُ ٱلْآبَاءُ، وَمِنْهُمُ ٱلْمَسِيحُ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ، ٱلْكَائِنُ عَلَى ٱلْكُلِّ إِلَهًا مُبَارَكًا إِلَى ٱلْأَبَدِ. آمِينَ.”
وﻓﻲ أﻓﺴﺲ (٢: ١١-١٢) “لِذَلِكَ ٱذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ ٱلْأُمَمُ قَبْلًا فِي ٱلْجَسَدِ، ٱلْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ ٱلْمَدْعُوِّ خِتَانًا مَصْنُوعًا بِٱلْيَدِ فِي ٱلْجَسَدِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذَلِكَ ٱلْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ ٱلْمَوْعِدِ، لَا رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلَا إِلَهٍ فِي ٱلْعَالَمِ.
ﻛﺎﻧﺖ ﻹﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﺎﻟﻠﻪ اﻟﺤﻖ اﻟﺤﻲ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ اﻟﻤﺎدي واﻟﺮوﺣﻲ. أﻣﺎ إذا أراد أﺣﺪ اﻷﻣﻤﻴﻴﻦ أن ﺗﻜﻮن ﻟﻪ ﻋﻼﻗﺔ ﺑﺎﻟﻠﻪ، ﻓﺴﺘﻜﻮن ﻫﺬه اﻟﻌﻼﻗﺔ ﻣﺤﺪودة ﻟﻠﻐﺎﻳﺔ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﺪﻳﻪ اﻟﻮﺣﻲ اﻟﺬي أﻧﺰﻟﻪ ﷲ ﻋﲆ ﺑﻨﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ. ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ “٢١” أﺧﺒﺮ ﻳﺴﻮع ﺑﻨﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ أﻧﻪ ﻟﻦ ﻳﺴﺘﺨﺪﻣﻬﻢ ﺑﻌﺪ اﻵن ﻟﺘﻌﺮﻳﻒ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻨﻔﺴﻪ، ﻷﻧﻬﻢ إﻣﺎ رﻓﻀﻮا ﺗﻤﺜﻴﻠﻪ أﻣﺎم اﻷﻣﻤﻴﻴﻦ أو أﺳﺎءوا ﺗﻤﺜﻴﻠﻪ ﺑﺴﻠﻮﻛﻬﻢ (اﻧﻈﺮ روﻣﻴﺔ ٢: ٢٤). ﺳﻴﺄﺧﺬ اﻟﻤﻠﻜﻮت اﻟﺮوﺣﻲ وﻳﻌﻬﺪ ﺑﻪ إﱃ آﺧﺮﻳﻦ: ﻛﻨﻴﺴﺘﻪ.
ﻗﺎرن ﻣﺘﻰ ( ٢١: ٤٢) ﻣﻊ ﻣﺎ ورد ﻓﻲ (١ ﺑﻄﺮس ٢: ٤-١٠) “قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي ٱلْكُتُبِ: ٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي رَفَضَهُ ٱلْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ ٱلزَّاوِيَةِ؟ مِنْ قِبَلِ ٱلرَّبِّ كَانَ هَذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا!” (ﻣﺘﻰ ٢١: ٤٢). “ٱلَّذِي إِذْ تَأْتُونَ إِلَيْهِ، حَجَرًا حَيًّا مَرْفُوضًا مِنَ ٱلنَّاسِ، وَلَكِنْ مُخْتَارٌ مِنَ ٱللهِ كَرِيمٌ… فَلَكُمْ أَنْتُمُ ٱلَّذِينَ تُؤْمِنُونَ ٱلْكَرَامَةُ، وَأَمَّا لِلَّذِينَ لَا يُطِيعُونَ، «فَٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي رَفَضَهُ ٱلْبَنَّاؤُونَ، هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ ٱلزَّاوِيَةِ» … وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ …ٱلَّذِينَ قَبْلًا لَمْ تَكُونُوا شَعْبًا، وَأَمَّا ٱلْآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ ٱللهِ.” (١ ﺑﻄﺮس ٢: ٤-١٠).
رﻓﺾ ﺑﻨﻮ إﺳﺮاﺋﻴﻞ اﻟﺼﺨﺮة اﻟﺘﻲ ﺳﻴُﺒﻨﻰ ﻋﻠﻴﻬﺎ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ. ﻓﺨﻠﻖ اﻟﺮب أﻣﺔ ﺟﺪﻳﺪة وأﻋﻄﺎﻫﻢ ﺣﺠﺮ اﻟﺰاوﻳﺔ اﻟﺜﻤﻴﻦ ﻫﺬا. واﻵن، ﻻ ﻳﺄﺗﻲ اﻟﺮاﻏﺒﻮن ﻓﻲ اﻟﺨﻼص إﱃ ﷲ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﻴﻬﻮد، ﺑﻞ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﺘﺒﺸﻴﺮ ﺑﺎﻹﻧﺠﻴﻞ اﻟﺬي أوﻛﻞ إﱃ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ.

دﻋﻮﻧﺎ ﻧﻌﻮد وﻧﻠﻘﻲ ﻧﻈﺮة ﻓﺎﺣﺼﺔ ﻋﲆ اﻟﻘﻮى اﻷﻣﻤﻴﺔ اﻟﺘﻲ ﺳﻴﻄﺮت ﻋﲆ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻣﻨﺬ أن ﻓﺎرق ﻣﺠﺪ اﻟﺮب إﺳﺮاﺋﻴﻞ. ﻟﻬﺬا اﻟﻐﺮض، ﻧﺒﺪأ ﻣﻦ ﺳﻔﺮ داﻧﻴﺎل ٢.
ﻛﺎن اﻟﻤﻠﻚ ﻧﺒﻮﺧﺬﻧﺼﺮ ﻣﻠﻚ ﺑﺎﺑﻞ ﻣﻨﺰﻋﺠًﺎ ﻣﻦ ﺣﻠﻢ، ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻢ ﻳﺴﺘﻄﻊ ﺗﺬﻛﺮ ﺗﻔﺎﺻﻴﻠﻪ. وﻛﺎن اﻟﻨﺒﻲ اﻟﻴﻬﻮدي، اﻟﻤﻘﻴﻢ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﻔﻰ ﻓﻲ ﺑﺎﺑﻞ، ﻳﺘﻤﺘﻊ ﺑﺴﻤﻌﺔ ﻃﻴﺒﺔ ﻓﻲ اﻟﻘﺼﺮ. ﻓﺄﺧﺒﺮ أﺣﺪ رﺟﺎل اﻟﺤﺎﺷﻴﺔ أﻧﻪ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺣﻞ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ.
ﻓﻲ داﻧﻴﺎل (٢: ٢٥-٢٨أ) ﻧﻘﺮأ: “حِينَئِذٍ دَخَلَ أَرْيُوخُ بِدَانِيآلَ إِلَى قُدَّامِ ٱلْمَلِكِ مُسْرِعًا وَقَالَ لَهُ هَكَذَا: «قَدْ وَجَدْتُ رَجُلًا…. ﻓﺪﻋﺎ اﻟﻤﻠﻚ اﻟﻌﺒﺮاﻧﻲ ﺑﺎﺳﻤﻪ اﻟﺒﺎﺑﻠﻲ، وﻗﺎل: “لِدَانِيآلَ، ٱلَّذِي ٱسْمُهُ بَلْطَشَاصَّرُ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْتَ عَلَى أَنْ تُعَرِّفَنِي بِٱلْحُلْمِ ٱلَّذِي رَأَيْتُ، وَبِتَعْبِيرِهِ؟» أَجَابَ دَانِيآلُ قُدَّامَ ٱلْمَلِكِ وَقَالَ: «ٱلسِّرُّ ٱلَّذِي طَلَبَهُ ٱلْمَلِكُ لَا تَقْدِرُ ٱلْحُكَمَاءُ وَلَا ٱلسَّحَرَةُ وَلَا ٱلْمَجُوسُ وَلَا ٱلْمُنَجِّمُونَ عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلْمَلِكِ. لَكِنْ يُوجَدُ إِلَهٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ كَاشِفُ ٱلْأَسْرَارِ، وَقَدْ عَرَّفَ ٱلْمَلِكَ نَبُوخَذْنَصَّرَ مَا يَكُونُ فِي ٱلْأَيَّامِ ٱلْأَخِيرَةِ.”
ﺗﺸﻴﺮ ﻋﺒﺎرة “اﻷﻳﺎم اﻷﺧﻴﺮة” ﻓﻲ أﻏﻠﺐ اﻷﺣﻴﺎن إﱃ ﺗﻌﺎﻣﻞ ﷲ ﻣﻊ اﻟﻴﻬﻮد ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﻀﻴﻘﺔ اﻟﻌﻈﻴﻤﺔ. إن اﻷﻣﺮ اﻟﺬي وﺿﻌﻪ ﷲ ﻓﻲ ذﻫﻦ ﻫﺬا اﻟﻤﻠﻚ ﺳﻴﻤﺘﺪ ﻋﺒﺮ اﻟﺰﻣﻦ ﻣﻦ ذﻟﻚ اﻟﻴﻮم وﺣﺘﻰ ﻳﻮم اﻟﺮب.
“حُلْمُكَ وَرُؤْيَا رَأْسِكَ عَلَى فِرَاشِكَ هُوَ هَذَا: أَنْتَ يَا أَيُّهَا ٱلْمَلِكُ أَفْكَارُكَ عَلَى فِرَاشِكَ صَعِدَتْ إِلَى مَا يَكُونُ مِنْ بَعْدِ هَذَا، وَكَاشِفُ ٱلْأَسْرَارِ يُعَرِّفُكَ بِمَا يَكُونُ. أَمَّا أَنَا فَلَمْ يُكْشَفْ لِي هَذَا ٱلسِّرُّ لِحِكْمَةٍ فِيَّ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ ٱلْأَحْيَاءِ، وَلَكِنْ لِكَيْ يُعَرَّفَ ٱلْمَلِكُ بِٱلتَّعْبِيرِ، وَلِكَيْ تَعْلَمَ أَفْكَارَ قَلْبِكَ.«أَنْتَ أَيُّهَا ٱلْمَلِكُ كُنْتَ تَنْظُرُ وَإِذَا بِتِمْثَالٍ عَظِيمٍ.” (اﻵﻳﺎت ٢٨ب الى ٣١أ). ﻳﺘﻔﻖ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻜُﺘّﺎب ﻋﲆ أن ﻫﺬه اﻟﺼﻮرة ﻛﺎﻧﺖ ﻋﲆ ﻫﻴﺌﺔ إﻧﺴﺎن. وﻫﺬا أﻣﺮ ﻣﻨﻄﻘﻲ. ﻓﻬﻮ ﻳُﺬﻛّﺮﻧﺎ ﺑﻜﻠﻤﺎت روﻣﻴﺔ (١: ٢٣) “وَأَبْدَلُوا مَجْدَ ٱللهِ ٱلَّذِي لَا يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ ٱلْإِنْسَانِ ٱلَّذِي يَفْنَى، وَٱلطُّيُورِ، وَٱلدَّوَابِّ، وَٱلزَّحَّافَاتِ.”
ﻳﻮاﺻﻞ داﻧﻴﺎل وﺻﻒ ﻫﺬه اﻟﺼﻮرة اﻟﺒﺮاﻗﺔ. “هَذَا ٱلتِّمْثَالُ ٱلْعَظِيمُ ٱلْبَهِيُّ جِدًّا وَقَفَ قُبَالَتَكَ، وَمَنْظَرُهُ هَائِلٌ. رَأْسُ هَذَا ٱلتِّمْثَالِ مِنْ ذَهَبٍ جَيِّدٍ. صَدْرُهُ وَذِرَاعَاهُ مِنْ فِضَّةٍ. بَطْنُهُ وَفَخْذَاهُ مِنْ نُحَاسٍ. سَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ. قَدَمَاهُ بَعْضُهُمَا مِنْ حَدِيدٍ وَٱلْبَعْضُ مِنْ خَزَفٍ.” (اﻵﻳﺎت ٣١ب – ٣٣). ﻧﻼﺣﻆ أن ﻗﻴﻤﺔ اﻟﻤﻌﺎدن ﺗﺘﻀﺎءل ﻛﻠﻤﺎ اﻧﺘﻘﻠﻨﺎ ﻣﻦ اﻷﻋﲆ إﱃ اﻷﺳﻔﻞ. ﺗﺼﺒﺢ أﺿﻌﻒ وأﻗﻞ ﻗﻴﻤﺔ ﻛﻠﻤﺎ ﺗﻘﺪﻣﻨﺎ ﻓﻲ اﻟﻮﺻﻒ. إﻧﻬﺎ ﺗﺘﺪﻫﻮر ﻣﻦ اﻷﻋﲆ إﱃ اﻷﺳﻔﻞ. ﺗﺼﺒﺢ أﻗﻞ ﻗﻴﻤﺔ. ﻟﻴﺴﺖ ﻧﻘﻴﺔ. اﻟﻮﺻﻒ اﻷول ﻳﺼﻒ ﺷﻴﺌًﺎ ذا ﻗﻴﻤﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ. أﻣﺎ اﻷﺧﻴﺮ ﻓﻬﻮ ﻋﺪﻳﻢ اﻟﻘﻴﻤﺔ ﺗﻘﺮﻳﺒًﺎ.
“كُنْتَ تَنْظُرُ إِلَى أَنْ قُطِعَ حَجَرٌ بِغَيْرِ يَدَيْنِ، فَضَرَبَ ٱلتِّمْثَالَ عَلَى قَدَمَيْهِ ٱللَّتَيْنِ مِنْ حَدِيدٍ وَخَزَفٍ فَسَحَقَهُمَا.” (اﻵﻳﺔ ٣٤).ﺳﻴﻘﺮأ اﻟﺪارسُ اﻟﻤُﻠِﱡﻢ ﺑﺎﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻋﻦ ﻫﺬا اﻟﺤﺠﺮ، وﺳﻴﺘﺒﺎدر إﱃ ذﻫﻨﻪ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ. ﻗﺒﻞ أي ﺗﻔﺴﻴﺮ، ﻧﺴﺘﻨﺘﺞ أن ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻳُﺤﻄّﻢ ﺟﻤﻴﻊ أﺟﺰاء ﻫﺬا اﻟﺘﻤﺜﺎل. ﻻ ﻳﻬﻤّﻪ ﻧﻮع اﻟﻤﻌﺪن اﻟﻤﺼﻨﻮع ﻣﻨﻪ، ﻓﻬﻮ ﻳُﺪﻣّﺮﻫﺎ ﺟﻤﻴﻌًﺎ ﺗﺪﻣﻴﺮًا ﻛﺎﻣﻼً.
“فَٱنْسَحَقَ حِينَئِذٍ ٱلْحَدِيدُ وَٱلْخَزَفُ وَٱلنُّحَاسُ وَٱلْفِضَّةُ وَٱلذَّهَبُ مَعًا، وَصَارَتْ كَعُصَافَةِ ٱلْبَيْدَرِ فِي ٱلصَّيْفِ، فَحَمَلَتْهَا ٱلرِّيحُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهَا مَكَانٌ. أَمَّا ٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي ضَرَبَ ٱلتِّمْثَالَ فَصَارَ جَبَلًا كَبِيرًا وَمَلَأَ ٱلْأَرْضَ كُلَّهَا.” (اﻵﻳﺔ ٣٥).ﻛﻠﻤﺔ “ﻣﻌًﺎ” ﻣﻬﻤﺔ، ﻓﻬﻲ ﺗﺪلّ ﻋﲆ أن ﻛﻞ ﻣﺎ ﻛﺎن ﻓﻲ رأس اﻟﺬﻫﺐ ﻗﺪ اﻧﺘﻘﻞ إﱃ ﻗﺪﻣﻲ اﻟﻄﻴﻦ، وﻛﻞ ﻣﺎ ﻛﺎن ﻓﻲ ﺟﺬع اﻟﻔﻀﺔ ﻗﺪ اﻧﺘﻘﻞ إﱃ ﻗﺪﻣﻲ اﻟﻄﻴﻦ، وﻛﻞ ﻣﺎ ﻛﺎن ﻓﻲ ﺧﺎﺻﺮﺗﻲ اﻟﻨﺤﺎس وﺳﺎﻗﻲ اﻟﺤﺪﻳﺪ ﻗﺪ اﻧﺘﻘﻞ إﱃ اﻟﻘﺪﻣﻴﻦ. اﻟﻮﺿﻊ اﻷﺧﻴﺮ ﻫﻮ ﻣﺴﺘﻮدع ﻛﻞ ﻣﺎ ﺳﺒﻘﻪ. ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ اﻟﻤﻮﺣﺪة واﻟﻤﺘﻌﺪدة اﻟﺜﻘﺎﻓﺎت ﻟﺒﻘﺎﻳﺎ اﻟﻤﻤﺎﻟﻚ اﻟﻤﺪﻣﺮة أﺿﻌﻒ وأﻛﺜﺮ اﻧﺤﻄﺎﻃًﺎ ﻣﻤﺎ ﺳﺒﻘﻬﺎ. ﻧﻈﺮ ﷲ إﱃ ذروة ﻛﻞ ﻣﺤﺎوﻻت اﻹﻧﺴﺎن ﻟﺤﻜﻢ اﻷرض وأرﺳﻞ اﺑﻨﻪ ﻟﺘﺪﻣﻴﺮﻫﺎ.
“فَٱنْسَحَقَ حِينَئِذٍ ٱلْحَدِيدُ وَٱلْخَزَفُ وَٱلنُّحَاسُ وَٱلْفِضَّةُ وَٱلذَّهَبُ مَعًا، وَصَارَتْ كَعُصَافَةِ ٱلْبَيْدَرِ فِي ٱلصَّيْفِ، فَحَمَلَتْهَا ٱلرِّيحُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهَا مَكَانٌ. أَمَّا ٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي ضَرَبَ ٱلتِّمْثَالَ فَصَارَ جَبَلًا كَبِيرًا وَمَلَأَ ٱلْأَرْضَ كُلَّهَا. هَذَا هُوَ ٱلْحُلْمُ. فَنُخْبِرُ بِتَعْبِيرِهِ قُدَّامَ ٱلْمَلِكِ.«أَنْتَ أَيُّهَا ٱلْمَلِكُ مَلِكُ مُلُوكٍ، لِأَنَّ إِلَهَ ٱلسَّمَاوَاتِ أَعْطَاكَ مَمْلَكَةً وَٱقْتِدَارًا وَسُلْطَانًا وَفَخْرًا.” (اﻵﻳﺎت ٣٥-٣٧).ﻻ ﺣﺎﺟﺔ ﻟﻠﺘﻜﻬﻨﺎت. ﻳُﻘﺎل إن رأس اﻟﺬﻫﺐ ﻫﻮ ﻧﺒﻮﺧﺬﻧﺼﺮ، ﺣﺎﻛﻢ ﺑﺎﺑﻞ. وﻗﺪ ﻗﻴﻞ ﻟﻨﺎ إن ﷲ ﻣﻨﺤﻪ ﺳﻠﻄﺘﻪ وﻗﻮﺗﻪ.
“وَحَيْثُمَا يَسْكُنُ بَنُو ٱلْبَشَرِ وَوُحُوشُ ٱلْبَرِّ وَطُيُورُ ٱلسَّمَاءِ دَفَعَهَا لِيَدِكَ وَسَلَّطَكَ عَلَيْهَا جَمِيعِهَا. فَأَنْتَ هَذَا ٱلرَّأْسُ مِنْ ذَهَبٍ.” (اﻵﻳﺔ ٣٨).ﻫﺬه اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ﻣﻌﺘﺮف ﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﷲ ﻛﻘﻮة ﻏﻴﺮ ﻳﻬﻮدﻳﺔ ﺗﺤﻜﻢ اﻷرض.
“وَبَعْدَكَ تَقُومُ مَمْلَكَةٌ أُخْرَى أَصْغَرُ مِنْكَ وَمَمْلَكَةٌ ثَالِثَةٌ أُخْرَى مِنْ نُحَاسٍ فَتَتَسَلَّطُ عَلَى كُلِّ ٱلْأَرْضِ.” (اﻵﻳﺔ ٣٩). وﻋﺪ ﷲ اﻟﻘﻮى اﻟﻼﺣﻘﺔ ﺑﺄن ﻳﻜﻮن ﻟﻬﺎ ﺳﻠﻄﺎن ﻛﻤﺎ ﻋﺮﻓﻪ ﻧﺒﻮﺧﺬﻧﺼﺮ، ﻟﻜﻦ ﻣﻤﺎﻟﻜﻬﺎ ﺳﺘﻜﻮن أدﻧﻰ ﻣﻦ ﺳﻠﻄﺎﻧﻪ. ﺛﻤﺔ ﺟﺪل واﺳﻊ ﺣﻮل أي ﻣﻦ اﻟﻘﻮى ﻏﻴﺮ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ ﺣﻘﻘﺖ ﻫﺬه اﻟﻨﺒﻮءة، ﻟﻜﻦ ﺣﻞ ﻫﺬا اﻟﻠﻐﺰ ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻪ ﺑﺎﻟﻤﻮﺿﻮع اﻟﻤﻄﺮوح.
“وَتَكُونُ مَمْلَكَةٌ رَابِعَةٌ صَلْبَةٌ كَٱلْحَدِيدِ، لِأَنَّ ٱلْحَدِيدَ يَدُقُّ وَيَسْحَقُ كُلَّ شَيْءٍ. وَكَالْحَدِيدِ ٱلَّذِي يُكَسِّرُ تَسْحَقُ وَتُكَسِّرُ كُلَّ هَؤُلَاءِ.” (اﻵﻳﺔ ٤٠).اﻟﻤﻘﺼﻮد ﻫﻮ أن إﻣﺒﺮاﻃﻮرﻳﺔ راﺑﻌﺔ ﺳﺘﺴﻴﻄﺮ ﻋﲆ ﺷﻌﻮب اﻷرض. وﻳُﻔﻬﻢ ﺿﻤﻨﺎً أن ﻫﺬه اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﻳﺔ ﺗﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺳﺎﺑﻘﺎﺗﻬﺎ ﻓﻲ أن رﻋﺎﻳﺎﻫﺎ ﻟﻴﺴﻮا راﻏﺒﻴﻦ، ﺑﻞ ﻳﺠﺐ إﺧﻀﺎﻋﻬﻢ ﺑﺎﺳﺘﻤﺮار ﺑﺎﻟﻘﻮة.
ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻘﺪم ﻣﻌﻈﻢ اﻟﻜﺘﺎب ﺣﺠﺠًﺎ ﻗﻮﻳﺔ ﻟﺼﺎﻟﺢ اﻹﻣﺒﺮاﻃﻮرﻳﺔ اﻟﺮوﻣﺎﻧﻴﺔ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎرﻫﺎ اﻟﻘﻮة اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ اﻟﺮاﺑﻌﺔ، وﻳﺘﺨﺬون ﻣﻨﺎﻫﺞ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺸﺄن ﻋﻨﺪ ﻣﻨﺎﻗﺸﺔ ﺧﻠﻴﻂ اﻟﺤﺪﻳﺪ واﻟﻄﻴﻦ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎره اﺳﺘﻤﺮارًا أو إﺣﻴﺎءً ﻟﻠﺮاﺑﻊ، ﻣﻦ اﻷﻓﻀﻞ ﻟﻨﺎ أن ﻧﻠﺘﺰم ﺑﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﺆﻛﺪ ﻓﻲ اﻟﻨﺺ.
“وَبِمَا رَأَيْتَ ٱلْقَدَمَيْنِ وَٱلْأَصَابِعَ بَعْضُهَا مِنْ خَزَفٍ وَٱلْبَعْضُ مِنْ حَدِيدٍ، فَٱلْمَمْلَكَةُ تَكُونُ مُنْقَسِمَةً، وَيَكُونُ فِيهَا قُوَّةُ ٱلْحَدِيدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّكَ رَأَيْتَ ٱلْحَدِيدَ مُخْتَلِطًا بِخَزَفِ ٱلطِّينِ.” (اﻵﻳﺔ ٤١).ﻫﺬا ﻣﺎ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﻗﻮﻟﻪ دون أدﻧﻰ ﺷﻚ: اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻷﺧﻴﺮة ﺳﺘﺠﻤﻊ ﻋﻨﺎﺻﺮ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻤﻤﺎﻟﻚ اﻟﺴﺎﺑﻘﺔ، وﻟﻜﻨﻬﺎ ﺳﺘﻔﺘﻘﺮ إﱃ ﻗﻮﺗﻬﺎ وﻗﻴﻤﺘﻬﺎ.
ﻳﺴﺘﻔﻴﺪ ﻋﺎﻟﻤﻨﺎ اﻟﻴﻮم ﻣﻦ اﻟﻤﻌﺎرف واﻟﺘﻘﻨﻴﺎت واﻟﻤﻬﺎرات اﻟﺘﻲ ورﺛﻨﺎﻫﺎ ﻋﻦ اﻟﻌﺼﻮر اﻟﺴﺎﺑﻘﺔ، واﻟﺘﻲ ﺻُﻘﻠﺖ وﺣُﺴّﻨﺖ ﺣﺘﻰ ﺑﺎﺗﺖ ﺣﻴﺎﺗﻨﺎ اﻟﻤﺎدﻳﺔ ﺗﻔﻮق ﻛﻞ ﻣﺎ ﻛﺎن ﻳﺘﺨﻴﻠﻪ أﺳﻼﻓﻨﺎ. وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻓﻘﺪ ورﺛﺖ اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ اﻟﺒﺸﺮﻳﺔ اﻟﺴﺎﻗﻄﺔ ﻋﺒﺮ اﻟﻌﺼﻮر ﻃﻴﻔًﺎ واﺳﻌًﺎ ﻣﻦ اﻟﺨﻄﺎﻳﺎ واﻟﻤﻤﺎرﺳﺎت اﻟﺪﻧﻴﺌﺔ واﻟﺤﻴﻞ اﻟﺨﺒﻴﺜﺔ. إن اﻧﺤﻄﺎط ﻋﺎﻟﻤﻨﺎ ﻻ ﻳﻘﻞ ﻏﺮاﺑﺔ ﻋﻦ إﻧﺠﺎزاﺗﻨﺎ. ﻣﺎدﻳًﺎ، ﺑﻠﻐﻨﺎ أﻋﲆ اﻟﻤﺮاﺗﺐ، وروﺣﻴًﺎ، اﻧﺤﺪرﻧﺎ إﱃ اﻟﺤﻀﻴﺾ.
ﻧﻘﺮأ ﻋﻦ اﻟﺤﺪﻳﺪ، اﻟﺬي ﻳﺮﻣﺰ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ أﻧﺤﺎء ﻛﻠﻤﺔ ﷲ إﱃ اﻟﻈﻠﻢ، وﻫﻮ ﻣﺨﺘﻠﻂ ﺑﺎﻟﻄﻴﻦ، اﻟﺬي ﻳﺮﻣﺰ ﻣﻨﺬ آدم ﻓﺼﺎﻋﺪًا إﱃ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﻤﺎدي. ﻟﻜﻨﻪ أﺳﻮأ ﻣﻦ اﻟﻄﻴﻦ؛ إﻧﻪ ﻃﻴﻦ ﻟﺰج -ﻣﺠﺮد ﻃﻴﻦ ﻟﻴﻦ وﺛﻘﻴﻞ.
“وَأَصَابِعُ ٱلْقَدَمَيْنِ بَعْضُهَا مِنْ حَدِيدٍ وَٱلْبَعْضُ مِنْ خَزَفٍ، فَبَعْضُ ٱلْمَمْلَكَةِ يَكُونُ قَوِيًّا وَٱلْبَعْضُ قَصِمًا. وَبِمَا رَأَيْتَ ٱلْحَدِيدَ مُخْتَلِطًا بِخَزَفِ ٱلطِّينِ، فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِطُونَ بِنَسْلِ ٱلنَّاسِ، وَلَكِنْ لَا يَتَلَاصَقُ هَذَا بِذَاكَ، كَمَا أَنَّ ٱلْحَدِيدَ لَا يَخْتَلِطُ بِٱلْخَزَفِ.” (اﻵﻳﺎت ٤٢-٤٣).ﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺎ ﻳﻜﻮن ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻟﻪ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﺑﺪﻗﺔ أﻣﺮًا ﻣﺜﻴﺮًا ﻟﻠﺠﺪل. ﻳُﺨﺒﺮﻧﺎ اﻟﻜﺘﺎب أن اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ ﻓﻲ اﻷﻳﺎم اﻷﺧﻴﺮة ﻟﻺﻣﺒﺮاﻃﻮرﻳﺔ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ اﻷﺧﻴﺮة ﻟﻦ ﺗﻜﻮن ﻣﻦ ﻧﺴﻞ اﻟﺒﺸﺮ، ﺑﻞ ﺳﺘﻜﻮن ﻣﻦ ﻗِﺒَﻞ ﻛﻴﺎن آﺧﺮ، ﻳﺨﺘﻠﻂ ﺑﻨﺴﻞ آدم. ﺣﺪث ﻫﺬا ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻓﻲ أﻳﺎم ﻧﻮح (ﺳﻔﺮ اﻟﺘﻜﻮﻳﻦ ٦)وﺳﻴﺤﺪث ﻣﺮة أﺧﺮى ﻓﻲ آﺧﺮ اﻟﺰﻣﺎن، ﺑﺤﺴﺐ ﻳﺴﻮع (ﻣﺘﻰ ٢٤).
ﻳﺨﺘﺘﻢ ﺳﻔﺮ داﻧﻴﺎل (٢: ٤٤-٤٥) “وَفِي أَيَّامِ هَؤُلَاءِ ٱلْمُلُوكِ… ﻋﺸﺮة أﺻﺎﺑﻊ ﺗﺮﻣﺰ إﱃ ﻋﺸﺮة ﻣﻠﻮك، ﻛﻤﺎ ﻧﺠﺪ ﻋﺸﺮة ﻣﻠﻮك ﻳﺤﻜﻤﻮن ﻓﻲ آﺧﺮ اﻟﺰﻣﺎن ﻓﻲ ﺳﻔﺮ اﻟﺮؤﻳﺎ… يُقِيمُ إِلَهُ ٱلسَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لَا يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هَذِهِ ٱلْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى ٱلْأَبَدِ. لِأَنَّكَ رَأَيْتَ أَنَّهُ قَدْ قُطِعَ حَجَرٌ مِنْ جَبَلٍ لَا بِيَدَيْنِ، فَسَحَقَ ٱلْحَدِيدَ وَٱلنُّحَاسَ وَٱلْخَزَفَ وَٱلْفِضَّةَ وَٱلذَّهَبَ. ٱللهُ ٱلْعَظِيمُ قَدْ عَرَّفَ ٱلْمَلِكَ مَا سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا. اَلْحُلْمُ حَقٌّ وَتَعْبِيرُهُ يَقِينٌ».”
ﻫﺬا ﻫﻮ اﻷﻣﺮ. ﻫﺬا ﻫﻮ ﻣﺴﺎر ﻣﻠﻮك اﻷﻣﻢ ﻣﻦ زﻣﻦ داﻧﻴﺎل إﱃ اﻟﻤﺠﻲء اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻟﻠﻤﺴﻴﺢ. ﻛﺎﻧﺖ ﻫﻨﺎك أرﺑﻊ ﻣﻤﺎﻟﻚ ﻋﺎﻟﻤﻴﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ اﻧﺪﻣﺠﺖ ﻓﻲ ﻣﻤﻠﻜﺔ واﺣﺪة ﺗﻀﻢ اﻟﺨﻴﺮ واﻟﺸﺮ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﺳﺎﺑﻘﺔ ﺗﻮارﺛﺘﻬﺎ اﻷﺟﻴﺎل. ﺗُﻌﺮف ﻫﺬه اﻟﺤﻘﺐ ﺑﺄزﻣﻨﺔ اﻷﻣﻢ (ﻟﻮﻗﺎ ٢١: ٢٤).

ﻧﻨﺘﻘﻞ اﻵن إﱃ داﻧﻴﺎل (٩) ﺣﻴﺚ ﻳﺼﻠﻲ اﻟﻨﺒﻲ اﻟﻤﻨﻔﻲ إﱃ ﷲ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﺨﻼص بالنيابة ﻋﻦ ﺷﻌﺒﻪ اﻟﻤﺤﺘﺠﺰﻳﻦ ﻓﻲ ﺑﺎﺑﻞ.
“يَا سَيِّدُ ٱسْمَعْ. يَا سَيِّدُ ٱغْفِرْ. يَا سَيِّدُ أَصْغِ وَٱصْنَعْ. لَا تُؤَخِّرْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِكَ يَا إِلَهِي، لِأَنَّ ٱسْمَكَ دُعِيَ عَلَى مَدِينَتِكَ وَعَلَى شَعْبِكَ». وَبَيْنَمَا أَنَا أَتَكَلَّمُ وَأُصَلِّي وَأَعْتَرِفُ بِخَطِيَّتِي وَخَطِيَّةِ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ، وَأَطْرَحُ تَضَرُّعِي أَمَامَ ٱلرَّبِّ إِلَهِي عَنْ جَبَلِ قُدْسِ إِلَهِي، وَأَنَا مُتَكَلِّمٌ بَعْدُ بِٱلصَّلَاةِ، إِذَا بِٱلرَّجُلِ جِبْرَائِيلَ ٱلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي ٱلرُّؤْيَا فِي ٱلِٱبْتِدَاءِ مُطَارًا وَاغِفًا لَمَسَنِي عِنْدَ وَقْتِ تَقْدِمَةِ ٱلْمَسَاءِ.” (١٩ -٢١).ﻓﻲ اﻟﺴﺎﻋﺔ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﺑﻌﺪ اﻟﻈﻬﺮ (ﺳﻔﺮ اﻟﻌﺪد ٣٨) زار ﺟﺒﺮﻳﻞ داﻧﻴﺎل ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﻳﺼﻠﻲ ﻣﻦ أﺟﻞ ﺑﻨﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ.
وَفَهَّمَنِي وَتَكَلَّمَ مَعِي وَقَالَ: «يَا دَانِيآلُ، إِنِّي خَرَجْتُ ٱلْآنَ لِأُعَلِّمَكَ ٱلْفَهْمَ. فِي ٱبْتِدَاءِ تَضَرُّعَاتِكَ خَرَجَ ٱلْأَمْرُ، وَأَنَا جِئْتُ لِأُخْبِرَكَ لِأَنَّكَ أَنْتَ مَحْبُوبٌ. فَتَأَمَّلِ ٱلْكَلَامَ وَٱفْهَمِ ٱلرُّؤْيَا. سَبْعُونَ أُسْبُوعًا قُضِيَتْ عَلَى شَعْبِكَ… إﺳﺮاﺋﻴﻞ، ﻻ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ… وَعَلَى مَدِينَتِكَ ٱلْمُقَدَّسَةِ… أورﺷﻠﻴﻢ، ﻻ واﺷﻨﻄﻦ اﻟﻌﺎﺻﻤﺔ أو روﻣﺎ.” (اﻵﻳﺎت ٢٢-٢٤أ).
ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻠﻲ اﻷﻫﺪاف اﻟﺴﺘﺔ ﻟﻸﺳﺎﺑﻴﻊ اﻟﺴﺒﻌﻴﻦ اﻟﺘﻲ ﺣﺪدﻫﺎ ﷲ ﻷﻣﺔ إﺳﺮاﺋﻴﻞ وﻣﺪﻳﻨﺔ المقدسة. ﻫﺬه ﻫﻲ أﻫﺪاف ﷲ ﺗﺠﺎه ﺷﻌﺒﻪ اﻟﻤﺨﺘﺎر ﻓﻲ زﻣﻦ اﻷﻣﻢ. وﺳﻴﺘﻀﺢ ﻷي دارس ﺻﺎدق ﻧﺎل اﻟﺨﻼص ﺑﻔﻀﻞ ﻋﻤﻞ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ اﻟﻜﺎﻣﻞ أن ﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻬﺬه اﻷﺳﺎﺑﻴﻊ اﻟﺴﺒﻌﻴﻦ ﺑﻜﻨﻴﺴﺔ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ.
اﻷﻫﺪاف اﻟﻤﺬﻛﻮرة ﻟﻸﺳﺒﻮع اﻷﺧﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﺴﻨﻮات ﻓﻲ ﻧﺒﻮءة داﻧﻴﺎل (٩) ﻫﻲ:
١. لِتَكْمِيلِ ٱلْمَعْصِيَةِ: ﻣﻦ أﺟﻞ ﻣﻌﺎﺻﻲ، بخصوص الكنيسة ﻗﺪم ﻳﺴﻮع اﻟﻜﻔﺎرة اﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻋﲆ اﻟﺼﻠﻴﺐ وﺻﺎح ﻗﺎﺋﻼً: قَدْ أُكْمِلَ (ﻳﻮﺣﻨﺎ ١٩: ٣٠).
٢. وَتَتْمِيمِ ٱلْخَطَايَا. بخصوص الكنيسة لقد طهرت خطاياهم بدم المسيح.
٣. وَلِكَفَّارَةِ ٱلْإِثْمِ. بخصوص الكنيسة لقد تصالحنا مع الأب من خلال المسيح.
٤. وَلِيُؤْتَى بِٱلْبِرِّ ٱلْأَبَدِيِّ.ﻟﻘﺪ ﻣُﻨﺤﺖ الكنيسة ﺑﺮ الرب ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻛﻤﻠﻜﻴﺔ أﺑﺪﻳﺔ.
٥. وَلِخَتْمِ ٱلرُّؤْيَا وَٱلنُّبُوَّةِ. وﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺴﻴﺎق، ﻳﻌﻴﺪﻧﺎ ﻫﺬا إﱃ داﻧﻴﺎل ٢.
٦. وَلِمَسْحِ قُدُّوسِ ٱلْقُدُّوسِينَ.ﻫﺬا ﻫﻮ ﺻﻌﻮد اﻟﻤﻠﻚ ﻳﺴﻮع إﱃ اﻟﻌﺮش اﻷرﺿﻲ ﻓﻲ اﻟﻘﺪس.
ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ﻫﺬا ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺻﻤﻴﻢ ﺗﻌﺎﻟﻴﻢ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ. وﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أﻳﻀﺎً أن اﺿﻄﻬﺎد اﻷﻣﻢ وﺳﻴﻄﺮﺗﻬﺎ ﻟﻦ ﻳﻤﻨﻊ ﷲ ﻣﻦ إﺗﻤﺎم ﺟﻤﻴﻊ وﻋﻮده اﻟﺘﻲ ﻗﻄﻌﻬﺎ ﻹﺑﺮاﻫﻴﻢ وذرﻳﺘﻪ.
“فَٱعْلَمْ وَٱفْهَمْ أَنَّهُ مِنْ خُرُوجِ ٱلْأَمْرِ لِتَجْدِيدِ أُورُشَلِيمَ وَبِنَائِهَا إِلَى ٱلْمَسِيحِ ٱلرَّئِيسِ سَبْعَةُ أَسَابِيعَ وَٱثْنَانِ وَسِتُّونَ أُسْبُوعًا، يَعُودُ وَيُبْنَى سُوقٌ وَخَلِيجٌ فِي ضِيقِ ٱلْأَزْمِنَةِ.” (اﻵﻳﺔ ٢٥).ﻫﺬا ﻫﻮ اﻟﺘﺎرﻳﺦ اﻟﻤﺴﺠﻞ ﻓﻲ ﺳﻔﺮ ﻋﺰرا وﻧﺤﻤﻴﺎ، وﻋﲆ ﻟﺴﺎن أﻧﺒﻴﺎء ﻣﺎ ﺑﻌﺪ اﻟﺴﺒﻲ.
“وَبَعْدَ ٱثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ ٱلْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ.” (اﻵﻳﺔ ٢٦أ) ﻫﺬا ﻫﻮ ﺻﻠﺐ اﻟﻤﺴﻴﺢ.
” وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخْرِبُ ٱلْمَدِينَةَ وَٱلْقُدْسَ، وَٱنْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى ٱلنِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا.” (اﻵﻳﺔ ٢٦).وﻫﺬا ﻳُﻄﺎﺑﻖ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻣﺎ ﺟﺎء ﻓﻲ داﻧﻴﺎل ٢. ﻣﺎ ﺣﺪث ﻓﻲ ﻋﻬﺪ اﻟﺮوﻣﺎن ﻋﺎم ٧٠ ﻣﻴﻼدﻳًﺎ ﺳﻴﺴﺘﻤﺮ ﺣﺘﻰ اﻟﻤﺠﻲء اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻟﻠﻤﺴﻴﺢ. ﺳﺘﺒﻘﻰ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ واﻟﻤﻘﺪس أﻃﻼﻻً ﻃﻮال ﻣﺎ ﻳﻌﺘﺒﺮه ﷲ ﺣﺮﺑًﺎ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﻣُﻄﻮّﻟﺔ. وﻟﻦ ﻳُﻌﺎد ﺑﻨﺎء اﻟﻬﻴﻜﻞ ﺣﺘﻰ ﻋﻮدة اﻟﺮب (أﻋﻤﺎل اﻟﺮﺳﻞ ١٥: ١٦).
“وَيُثَبِّتُ عَهْدًا مَعَ كَثِيرِينَ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ، وَفِي وَسَطِ ٱلْأُسْبُوعِ يُبَطِّلُ ٱلذَّبِيحَةَ وَٱلتَّقْدِمَةَ، وَعَلَى جَنَاحِ ٱلْأَرْجَاسِ مُخَرَّبٌ حَتَّى يَتِمَّ وَيُصَبَّ ٱلْمَقْضِيُّ عَلَى ٱلْمُخَرِّبِ».” (اﻵﻳﺔ ٢٧).ﻫﺬا ﻫﻮ ﻋﻤﻞ اﻟﻘﻮى اﻟﻤُﺨﺘﻠﻄﺔ وآﺧﺮ ﻗﻮة ﻣﻦ اﻷﻣﻢ ﻗﺒﻞ أن ﻳﺠﻠﺲ الرب ﻳﺴﻮع ﻋﲆ ﻋﺮش داود.
ﷲ ﻫﻮ ﻣﻠﻚ ﺷﻌﺐ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻣﻦ إﺑﺮاﻫﻴﻢ إﱃ ﺷﺎول. ﺑﺪءًا ﻣﻦ ﺷﺎول، ﺣﻜﻢ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻣﻠﻮكٌ ﻣﻦ اﻟﺒﺸﺮ. اﻧﻘﺴﻤﺖ ﺗﻠﻚ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ. ﻓﺴﺪت اﻟﻘﺒﺎﺋﻞ اﻟﺸﻤﺎﻟﻴﺔ واﻧﺘﻬﻰ ﺑﻬﺎ اﻟﻤﻄﺎف إﱃ اﻻرﺗﺪاد، ﺛﻢ إﱃ اﻟﻌﺒﻮدﻳﺔ للأشورويين. أﻣﺎ اﻟﻘﺒﺎﺋﻞ اﻟﺠﻨﻮﺑﻴﺔ، ﻓﻘﺪ ﺣﺎﻓﻈﺖ ﻋﲆ وﻻﺋﻬﺎ ﻟﻠﻪ اﺳﻤﻴًﺎ ﻟﻔﺘﺮة ﻣﻦ اﻟﺰﻣﻦ، ﺑﻔﻀﻞ ﻗﻠﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﻠﻮك اﻟﺼﺎﻟﺤﻴﻦ، وﻟﻜﻦ ﺳﺮﻋﺎن ﻣﺎ ﺑﻠﻎ ارﺗﺪادﻫﻢ ﺣﺪًا ﺟﻌﻞ ﷲ ﻳﺒﺘﻌﺪ ﻋﻨﻬﻢ (ﺣﺰﻗﻴﺎل ٩-١١) ﻓﺴﻘﻂ ﺗﺎﺟﻬﻢ، وﺳُﺒﻴﺖ ﻳﻬﻮذا ﻓﻲ ﺑﺎﺑﻞ ﺳﺒﻌﻴﻦ ﻋﺎﻣًﺎ. ﺧﻼل ذﻟﻚ اﻟﺴﺒﻲ، ﻛﺸﻒ ﷲ ﻟﻨﺒﻮﺧﺬﻧﺼﺮ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ داﻧﻴﺎل ﻣﺴﺘﻘﺒﻞ ﻗﻮة اﻷﻣﻢ.
ﻓﻲ داﻧﻴﺎل ٩ ﻛﺸﻒ ﷲ ﻟﺪاﻧﻴﺎل ﻣﻔﺘﺎح ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻮﻋﻮد اﻟﻼﺣﻘﺔ اﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺈﺳﺮاﺋﻴﻞ. وﻓﻲ داﻧﻴﺎل ٢ ﻛﺸﻒ ﻧﺒﻮءة ﺗﺨﺺ اﻷﻣﻢ.
ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﻤﺮﺣﻠﺔ اﻷوﱃ ﻣﻦ اﻟﻨﺒﻮءة (٤٨٣ ﺳﻨﺔ) ﻗُﻄِﻊَ اﻟﻤﺴﻴﺢ. أُﻋﻠﻦ ﻋﻦ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ﻋﲆ ﻟﺴﺎن ﻳﻮﺣﻨﺎ: “قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّماوَاتِ” (ﻣﺘﻰ ٣: ٢) ﺛﻢ ﻋﲆ ﻟﺴﺎن ﻳﺴﻮع: “قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ” (ﻣﺘﻰ ٤: ١٧) ﺛﻢ ﺑﻮاﺳﻄﺔ اﻻﺛﻨﻲ ﻋﺸﺮ رﺳﻮﻻً واﻟﺴﺒﻌﻴﻦ ﺗﻠﻤﻴﺬاً (ﻣﺘﻰ ١٠: ٧).
ﻗﺎل ﻳﺴﻮع ﺑﺨﺼﻮص ﻫﺬه اﻟﺮﺳﺎﻟﺔ: “بَلِ ٱذْهَبُوا بِٱلْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ ٱلضَّالَّةِ.” (ﻣﺘﻰ ١٠: ٥-٦). ﻻ ﺗﺬﻫﺒﻮا إﱃ اﻷﻣﻢ. اذﻫﺒﻮا إﱃ إﺳﺮاﺋﻴﻞ وأﺧﺒﺮوﻫﻢ أن اﻟﻤﻠﻜﻮت ﻗﺪ اﻗﺘﺮب.
رُﻓﺾ اﻟﻤﻠﻚ وﺻُﻠﺐ. ﺣﺪث ﻫﺬا ﺑﻌﺪ ﺗﺴﻌﺔ وﺳﺘﻴﻦ أﺳﺒﻮﻋًﺎ ﻣﻦ ﺻﺪور اﻟﻤﺮﺳﻮم اﻟﺬي أﺻﺪره اﻟﻤﻠﻚ ﻛﻮرش ﻣﻌﻠﻨًﺎ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﺴﺒﻲ اﻟﺒﺎﺑﻠﻲ. ﻳﻘﻮل داﻧﻴﺎل (٩) “وَبَعْدَ ٱثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ ٱلْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ” (اﻵﻳﺔ ٢٦).وﺑﻌﺪ ﻗﺮون، أﻋﻠﻦ ﻣﺒﺸﺮ اﻹﻧﺠﻴﻞ أﻧﻪ ﻧُﺠّﻲ ﺑﺘﺪﺑﻴﺮ ﷲ اﻟﻤُﺴﺒﻖ وﻋﻠﻤﻪ اﻟﻤُﺴﺒﻖ (أﻋﻤﺎل اﻟﺮﺳﻞ ٢: ٢٣).
ﻫﺬا ﻳﻌﻨﻲ أن أﺳﺒﻮﻋًﺎ واﺣﺪًا ﻣﻦ اﻟﻨﺒﻮءة اﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺈﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻳﻨﺘﻈﺮ اﻟﺘﺤﻘﻖ. ﺗُﻈﻬﺮ دراﺳﺔ ﻣُﻔﺼّﻠﺔ ﻟﻸﺣﺪاث اﻟﻤﺆرﺧﺔ واﻟﺘﺴﻠﺴﻞ اﻟﺰﻣﻨﻲ اﻟﻮارد ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ أن ﷲ ﻻ يحسب اﻟﻮﻗﺖ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻻ ﺗُﺴﻴﻄﺮ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻋﲆ أوروشليم. ﻓﺎﻟﻮﻗﺖ ﻻ ﻳﻤﻀﻲ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻧﻨﺘﻈﺮ ﺗﺤﻘﻖ اﻷﺳﺒﻮع اﻟﺴﺒﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﻧﺒﻮءة داﻧﻴﺎل. (ﻟﻬﺬا اﻟﺴﺒﺐ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ أﺣﺪ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﻣﻮﻋﺪٍ ﻟﻼﺧﺘﻄﺎف أو اﻟﻤﺠﻲء اﻟﺜﺎﻧﻲ. ﻓﺎﻟﺴﺎﻋﺔ ﻻ ﺗﻌﻤﻞ. ﻻ أﻳﺎم، وﻻ أﺳﺎﺑﻴﻊ، وﻻ ﺷﻬﻮر، وﻻ ﺳﻨﻮات. ﷲ وﺣﺪه ﻳﺤﺴﺐ اﻟﻮﻗﺖ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﻴﻬﻮد. ﻓﻠﻤﺎذا ﻳﺤﺴﺒﻪ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﻜﻨﻴﺴﺔ؟ ﻟﻨﺎ ﺣﻴﺎة أﺑﺪﻳﺔ، ﺑﻼ ﺑﺪاﻳﺔ وﻻ ﻧﻬﺎﻳﺔ.) ﻓﻲ ﻫﺬه اﻷﺛﻨﺎء، ﺗُﺤﻜﻢ ﻣﻤﺎﻟﻚ ﻫﺬا اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻤﺰﻳﺞ ﻣﻦ اﻟﻘﻮى اﻷﻣﻤﻴﺔ واﻟﺮﺋﺎﺳﺎت. اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ﻓﻲ ﺻﻮرة ﻏﺎﻣﻀﺔ. ﺧﻼل ﻫﺬا اﻟﻌﺼﺮ، اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﻫﻲ اﻟﻠﺆﻟﺆة اﻟﺜﻤﻴﻨﺔ، وإﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻫﻲ اﻟﻜﻨﺰ اﻟﻤﺨﻔﻲ ﻓﻲ اﻟﺤﻘﻞ (ﻣﺘﻰ ١٣اﻧﻈﺮ أدﻧﺎه.)
ﺑﻤﺠﺮد أن ﻳﺴﺘﻌﻴﺪ اﻟﻴﻬﻮد ﺳﻴﻄﺮﺗﻬﻢ اﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻋﲆ أوروشليم، ﺳﺘﺒﺪأ اﻟﻌﺪ اﻟﺘﻨﺎزﻟﻲ ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ. ﺳﺘﺒﺪأ اﻟﺴﻨﻮات اﻟﺴﺒﻊ اﻟﻤﺘﺒﻘﻴﺔ ﺑﺎﻟﺴﻼم واﻟﺮﺧﺎء، وﺳﻴﺼﻞ ضد المسيح إﱃ اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻣُﻀﻠﱢﻼً اﻟﻌﺎﻟﻢ وﻣﻮﻫﻤًﺎ إﻳﺎﻫﻢ ﺑﺄن ﻛﻞ ﺷﻲء ﻋﲆ ﻣﺎ ﻳﺮام. ﻓﻲ ﻣﻨﺘﺼﻒ اﻷﺳﺒﻮع، ﺳﻴُﻜﺸﻒ اﻟﻮﺣﺶ ﻋﲆ ﺣﻘﻴﻘﺘﻪ اﻟﺘﻲ ﻋﺮﻓﻬﺎ دارﺳﻮ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس، أﻻ وﻫﻲ رﺟﻞ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ. ﺳﻴﻜﻮن ﻫﺪﻓﻪ إﺑﺎدة ﻧﺴﻞ إﺑﺮاﻫﻴﻢ. ﻟﻦ ﻳﻨﺠﻮ إﻻ اﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻴﻮن اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺆﻣﻨﻮن ﺑﻜﻠﻤﺔ ﷲ وﻳﻬﺮﺑﻮن إﱃ اﻟﺠﺒﺎل. وﺳﺘﺒﻘﻰ ﻫﺬه اﻟﺒﻘﻴﺔ ﺣﺘﻰ ﻧﻬﺎﻳﺔ زﻣﻦ ﺿﻴﻖ ﻳﻌﻘﻮب. ﺧﻼل ﻫﺬه اﻟﺴﻨﻮات اﻟﺴﺒﻊ، ﺳﺘُﻤﻨﺢ ﻣﻤﺎﻟﻚ ﻫﺬا اﻟﻌﺎﻟﻢ لرب يسوع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻣﻦ ﻗِﺒَﻞ ﷲ اﻵب. وﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﺴﻨﻮات اﻟﺴﺒﻊ، ﺳﻴﻌﻮد اﻟﻤﻠﻚ، وﻳﺪﻣﺮ ﺟﻤﻴﻊ أﻋﺪاﺋﻪ، وﻳﻘﻴﻢ ﻣﻠﻜﻮﺗﻪ.

ﻟﻨﻘﺮأ ﻣﻦ ﺳﻔﺮ داﻧﻴﺎل (٧).
“كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ وُضِعَتْ عُرُوشٌ، وَجَلَسَ ٱلْقَدِيمُ ٱلْأَيَّامِ. لِبَاسُهُ أَبْيَضُ كَٱلثَّلْجِ، وَشَعْرُ رَأْسِهِ كَٱلصُّوفِ ٱلنَّقِيِّ، وَعَرْشُهُ لَهِيبُ نَارٍ، وَبَكَرَاتُهُ نَارٌ مُتَّقِدَةٌ.” (اﻵﻳﺔ ٩).ﻫﺬا ﻫﻮ ﷲ اﻵب ﺟﺎﻟﺴًﺎ ﻋﲆ اﻟﻌﺮش اﻟﻤﻮﺻﻮف ﻓﻲ ﺣﺰﻗﻴﺎل ١ و ١٠.
“نَهْرُ نَارٍ جَرَى وَخَرَجَ مِنْ قُدَّامِهِ. أُلُوفُ أُلُوفٍ تَخْدِمُهُ، وَرَبَوَاتُ رَبَوَاتٍ وُقُوفٌ قُدَّامَهُ. فَجَلَسَ ٱلدِّينُ، وَفُتِحَتِ ٱلْأَسْفَارُ. كُنْتُ أَنْظُرُ حِينَئِذٍ مِنْ أَجْلِ صَوْتِ ٱلْكَلِمَاتِ ٱلْعَظِيمَةِ ٱلَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا ٱلْقَرْنُ.” (اﻵﻳﺘﺎن ١٠-١١أ). وﻗﺪ رأﻳﻨﺎ ﺳﺎﺑﻘًﺎ ﻓﻲ داﻧﻴﺎل ٧ أن ﻫﺬا اﻟﻘﺮن ﻫﻮ اﻟﻮﺣﺶ.
“كُنْتُ أَرَى إِلَى أَنْ قُتِلَ ٱلْحَيَوَانُ وَهَلَكَ جِسْمُهُ وَدُفِعَ لِوَقِيدِ ٱلنَّارِ. أَمَّا بَاقِي ٱلْحَيَوَانَاتِ فَنُزِعَ عَنْهُمْ سُلْطَانُهُمْ، وَلَكِنْ أُعْطُوا طُولَ حَيَاةٍ إِلَى زَمَانٍ وَوَقْتٍ.” (اﻵﻳﺎت ١١ب -١٢).ﻫﺬا ﻫﻮ ﺣﻜﻢ اﻟﺮﺋﺎﺳﺎت واﻟﺴﻼﻃﻴﻦ (أﻓﺴﺲ ٦: ١٠-١٨) اﻟﺬﻳﻦ ﺣﻜﻤﻮا ﻣﻤﺎﻟﻚ اﻷرض (ﻟﻮﻗﺎ ٤)ﺗﺤﺖ ﻗﻴﺎدة إﻟﻪ ﻫﺬا اﻟﻌﺎﻟﻢ (٢ﻛﻮرﻧﺜﻮس ٤: ٤).
“«كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى ٱللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ ٱلسَّمَاءِ مِثْلُ ٱبْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى ٱلْقَدِيمِ ٱلْأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ.” (اﻵﻳﺔ ١٣). ﻳﻘﻒ ﷲ اﻻﺑﻦ أﻣﺎم ﷲ اﻵب.
“فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ ٱلشُّعُوبِ وَٱلْأُمَمِ وَٱلْأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ.” (اﻵﻳﺔ ١٤).ﻫﺬا ﻫﻮ اﻻﺑﻦ اﻟﺬي ﻳﻨﺎل ﺳﻠﻄﺎﻧﻪ ﻋﲆ ﻣﻤﺎﻟﻚ ﻫﺬه اﻷرض ﻓﻲ اﺣﺘﻔﺎل ﻳُﻘﺎم ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻗﺒﻞ ﻋﻮدة اﻟﺮب ﻟﻴﻄﺄ ﺟﺒﻞ اﻟﺰﻳﺘﻮن.
وﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻌﻄﻲ اﻵب اﻻﺑﻦ ﻣﻜﺎﻓﺄﺗﻪ، ﻫﻨﺎك إﻋﻼن: “ثُمَّ بَوَّقَ ٱلْمَلَاكُ ٱلسَّابِعُ، فَحَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي ٱلسَّمَاءِ قَائِلَةً: «قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ ٱلْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ».” (رؤﻳﺎ ١١: ١٥).
ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﺳﻨﻮات ضيقة ﻳﻌﻘﻮب اﻟﺴﺒﻊ (إرﻣﻴﺎ ٣٠: ٧) ﺳﻴﻌﻮد ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻟﻴﻨﺘﺼﺮ. ﺳﺘُﺴﺒّﺤﻪ اﻟﺠﻤﻮع اﻟﻤُﺘﻌﺒّﺪة ﻗﺎﺋﻠﺔً: “لِأَنَّكَ أَخَذْتَ قُدْرَتَكَ ٱلْعَظِيمَةَ وَمَلَكْتَ.” (رؤﻳﺎ ١١: ١٧). أتذكرون ﺣﻴﻦ ﻗﺎم ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻷﻣﻮات ﺣﻴﻦ ﻗﺎل: “فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: «دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي ٱلسَّمَاءِ وَعَلَى ٱلْأَرْضِ” (ﻣﺘﻰ ٢٨: ١٨). ﻛﺎن ﻟﻪ اﻟﺤﱡﻖ ﺣﻴﻦ ﻗﺎم ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻷﻣﻮات. وﺳﻴﻜﻮن ﻟﻪ اﻷﻣﺮ ﺣﻴﻦ ﻳُﻨﻬﻲ اﻵب ﺳﻠﻄﺎن اﻟﺸﺮﱢ اﻟﺮوﺣﻲ ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎوﻳﺎت (داﻧﻴﺎل ٧).وﺳﻴﻜﻮن ﻟﻪ اﻟﺤﱡﻖ ﺣﻴﻦ ﻳﻌﻮد (رؤﻳﺎ ١١).
أﻋﻄﻰ آدم اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻟﻠﺸﻴﻄﺎن، ﻓﺄﻋﻄﺎﻫﺎ اﻟﺸﻴﻄﺎن ﻷﺗﺒﺎﻋﻪ. ﺳﻴﺄﺗﻲ ﻳﻮمٌ ﻳﺴﻠﺒﻬﺎ ﻓﻴﻪ اﻵب ﻣﻦ اﻟﺸﻴﻄﺎن وﻳﻌﻄﻴﻬﺎ ﻻﺑﻨﻪ. المجد للرب!

ﻟﻨﻌﺪ اﻵن ﺑﺎﻟﺰﻣﻦ إﱃ اﻟﻮراء. “«أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي ٱلَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ ٱلْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ ٱلْأَزَلِ».” (ﻣﻴﺨﺎ ٥: ٢). ﻻﺣﻆ اﻷزﻣﻨﺔ اﻟﺜﻼﺛﺔ ﻓﻲ ﻫﺬه اﻵﻳﺔ. ﻓﻲ اﻟﺴﺎﻋﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺠﺴﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﷲ ﻓﻲ ﺑﻴﺖ ﻟﺤﻢ، ﻛﺎن ﻫﻨﺎك ﺗﻄﻠﻊ إﱃ اﻟﻴﻮم اﻟﺬي ﺳﻴﺤﻜﻢ ﻓﻴﻪ إﺳﺮاﺋﻴﻞ. اﻟﻤﻮﻟﻮد ﻓﻲ ﻣﺬود ﻫﻮ ﻣﻦ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ أن ﻳﻨﻈﺮ إﱃ اﻟﻮراء إﱃ وﺟﻮده اﻷزﻟﻲ.
ﻳُﻘﺪّم إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ رﺑﻨﺎ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻣﻠﻜًﺎ، آﺗﻴًﺎ ﻟﻴُﻘﺪّم ﻧﻔﺴﻪ ﻹﺳﺮاﺋﻴﻞ وﻓﻘًﺎ ﻟﻨﺒﻮءات أﺳﻔﺎر اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ. وﻷن ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﺳﻴﺤﻜﻤﻪ اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﻤﻄﺎف، وﻷن ﻋﺮﺷﻪ ﺳﻴﻜﻮن ﻓﻲ أورﺷﻠﻴﻢ، ﻓﻠﻴﺲ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺘﻐﺮب أن ﻧﺠﺪ ﻣﺼﻄﻠﺢ “ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات” ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ وﺣﺪه، دون ﻏﻴﺮه ﻣﻦ اﻷﻧﺎﺟﻴﻞ اﻷﺧﺮى. وﻫﺬا أﻣﺮٌ ذو دﻻﻟﺔ. ﻓﻘﺪ ﺣﺼﺮ اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس ﻫﺬا اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ، ﻷﻧﻪ اﻣﺘﺪادٌ ﻟﺴﻔﺮ ﻣﻼﺧﻲ. وﻣﻦ ﺣﻴﺚ اﻟﺰﻣﺎن واﻟﻌﻘﻴﺪة، ﻳُﻌﺪّ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ ﻓﻲ ﺟﻮﻫﺮه آﺧﺮ أﺳﻔﺎر اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ، إذ ﻳُﻜﻤﻞ ﺳﺮد اﻟﺘﺎرﻳﺦ ﺣﺘﻰ ﻟﺤﻈﺔ رﺣﻴﻞ اﻟﻤﺴﻴﺢ. وﻟﻢ ﻳُﺼﺮّح المسيح ﺑﻬﺬا اﻟﻤﺼﻄﻠﺢ إﻻ ﻓﻲ ﻣﺘﻰ ٢٦ ﺣﻴﺚ ﻗﺎل: “لِأَنَّ هَذَا هُوَ دَمِي ٱلَّذِي لِلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ ٱلَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ ٱلْخَطَايَا.” اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ (اﻵﻳﺔ ٢٨).ﻛﻞ ﻣﺎ ﺳﺒﻖ ﻫﺬه اﻟﻨﻘﻄﺔ ﻫﻮ ﺧﻼﺻﺔ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ.
ﻳﺒﺪأ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ ﺑﻨﺴﺐ اﻟﻤﺴﻴﺢ اﻟﻤﻠﻚ وﻣﻴﻼده. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺘﺘﺒﻊ ﻟﻮﻗﺎ اﻟﻨﺴﺐ إﱃ آدم، ﻳﺘﻨﺎول ﻣﺘﻰ اﻟﻌﺮش ﻣﻨﺬ اﻟﺒﺪاﻳﺔ، ﻣُﺘﺘﺒﻌًﺎ ﻧﺴﺐ اﻟﺮب إﱃ داود وإﺑﺮاﻫﻴﻢ. ﻳﻨﺘﻘﻞ ﻣﺘﻰ ﻣﺒﺎﺷﺮةً إﱃ إﻋﻼن اﻟﻤﻠﻜﻮت اﻟﻤﻌﺮوض ﻋﲆ إﺳﺮاﺋﻴﻞ وﺷﺮوط اﻟﺘﻮﺑﺔ اﻟﻀﺮورﻳﺔ اﻟﺘﻲ وﺿﻌﻬﺎ ﻳﻮﺣﻨﺎ اﻟﻤﻌﻤﺪان واﻟﺮب ﻧﻔﺴﻪ. ﻳﻠﻲ ذﻟﻚ ﺗﻮﺟﻴﻬﺎت ﻟﻤﻦ ﺳﻴﺨﻀﻌﻮن ﻟﻠﻤﻠﻚ (ﻣﺘﻰ ٥-٧).ﻳﻘﻮل ﻳﻮﺣﻨﺎ: “قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّماوَاتِ.” (ﻣﺘﻰ ٣: ٢). وﻳﻘﻮل ﻳﺴﻮع: “قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّماوَاتِ.” (ﻣﺘﻰ ٤: ١٧). ﺛﻢ ﻓﻲ اﻟﻤﻮﻋﻈﺔ ﻋﲆ اﻟﺠﺒﻞ، ﻳُﺒﻴﻦ اﻟﻤﻠﻚ ﻛﻴﻒ ﺳﻴُﺤﻜﻢ ﻣﻠﻜﻮﺗﻪ.
ﻟﻜﻦ اﻟﻤﻠﻚ رُﻓﺾ. وﺑﺸﻜﻞ ﻋﺎم، ﻳﺘﻨﺎول ﺑﺎﻗﻲ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻌﺼﺮ اﻟﺬي ﻧﻌﻴﺶ ﻓﻴﻪ واﻟﻴﻮم اﻵﺗﻲ اﻟﺬي ﺳﻴﺄﺗﻲ ﻓﻴﻪ اﻟﻤﺴﻴﺢ ﺑﻘﻮة وﻣﺠﺪ ﻋﻈﻴﻢ ﻟﻴﺤﻜﻢ. ﻟﻘﺪ ﺟﺎء أول ﻣﺮة ﻓﻲ أﻳﺎم اﻟﻮﺣﺶ اﻟﺮاﺑﻊ، ﺣﻴﻦ ﻛﺎﻧﺖ روﻣﺎ ﻓﻲ اﻟﺴﻠﻄﺔ. ﻓﻲ ﺳﻔﺮ داﻧﻴﺎل، رأﻳﻨﺎ أﻧﻪ ﻟﻦ ﻳﻜﻮن ﻫﻨﺎك ﺗﻐﻴﻴﺮ ﻓﻲ اﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ اﻟﺤﺎﻛﻤﺔ ﺑﻴﻦ اﻟﻤﺠﻲء اﻷول واﻟﻤﺠﻲء اﻟﺜﺎﻧﻲ. ﻫﺬا ﻣﻬﻢ، ﻷﻧﻪ ﻳُﻌﻠﻢ اﻟﻘﺎرئ أن اﻟﺼﻴﻨﻴﻴﻦ ﻟﻦ ﻳﻐﺰوا اﻟﺤﻀﺎرة اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ، وأن اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻟﻦ ﻳﺴﻴﻄﺮوا ﻋﲆ اﻟﻌﺎﻟﻢ. ﻗﺪ ﻻ ﻳُﺸﺠﻊ ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﺴﻴﺤﻴﻴﻦ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻔﻀﻠﻮن اﻟﺨﻮف واﻹﺛﺎرة ﻋﲆ اﻟﻌﻘﻴﺪة اﻟﺼﺤﻴﺤﺔ، ﻟﻜﻦ ﻛﻠﻤﺔ ﷲ واﺿﺤﺔ. اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻨﺪ اﻟﻤﺠﻲء اﻷول ﻫﻲ ﻧﻔﺴﻬﺎ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﺘﻲ ﺳﺘﻜﻮن ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻨﺪ اﻟﻤﺠﻲء اﻟﺜﺎﻧﻲ. ﻣﻌﺮﻓﺔ اﻟﻨﻬﺎﻳﺔ ﻣﻦ اﻟﺒﺪاﻳﺔ ﺗﻤﻨﺤﻚ ﺣﺮﻳﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ.
ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻗﺎل اﻟﻴﻬﻮد: “«لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلَّا قَيْصَرَ!».” (ﻳﻮﺣﻨﺎ ١٩: ١٥) رﻓﻀﻮا ﻣﻠﻚ اﻟﺴﻤﺎء ﻋﲆ اﻷرض. ورددوا ﻛﻠﻤﺎت أﺳﻼﻓﻬﻢ اﻟﺬﻳﻦ أرادوا ﻣﻠﻜًﺎ ﻟﻴﺼﺒﺤﻮا ﻣﺜﻞ اﻷﻣﻢ اﻷﺧﺮى. أرادوا ﻣﻠﻜًﺎ ﻓﺎﺳﺪًا، ﻷﻧﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮا ﻓﺎﺳﺪﻳﻦ. أرادوا ﻣﻠﻜًﺎ ﺿﻌﻴﻔًﺎ ﻓﺎﻧﻴًﺎ. وﺑﺦ ﺻﻤﻮﺋﻴﻞ اﻟﺸﻌﺐ ﻟﺮﻓﻀﻬﻢ ﺣﻜﻢ ﷲ. وﻓﻌﻞ ﻳﺴﻮع وﻳﻮﺣﻨﺎ واﻟﺮﺳﻞ اﻟﺸﻲء ﻧﻔﺴﻪ.
ﻟﻢ ﻳﺄتِ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻹﺻﻼح ﻣﻤﻠﻜﺔ اﻷﻣﻢ. وﻟﻢ ﻳﺄتِ ﻹﻋﺎدة اﻟﻤﻤﺎﻟﻚ اﻟﻔﺎﺳﺪة ﻓﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ وﻳﻬﻮذا. ﺑﻞ ﺟﺎء ﻟﻴﻘﻴﻢ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ اﻟﻘﺪﻳﺮ اﻟﺒﺎر، اﻟﻤﻘﺪس، اﻟﺬي ﻳﺴﺤﻖ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ، واﻟﻤﺤﺐ ﺣﻘًﺎ ﻋﲆ اﻷرض. ﺗﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﺑﺸﺎرة اﻟﻤﺒﺸﺮ. ﺻﺮخ ﻳﻮﺣﻨﺎ اﻟﻤﻌﻤﺪان: “«تُوبُوا، لِأَنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّماوَاتِ.” (ﻣﺘﻰ ٣: ٢) وﻓﻲ ﻣﺘﻰ (٤: ١٧) ﻳﻘﻮل ﻳﺴﻮع اﻟﺸﻲء ﻧﻔﺴﻪ. وﻣﻨﺬ ذﻟﻚ اﻟﺤﻴﻦ ﺑﺪأ ﻳﺴﻮع ﻳﺒﺸﺮ وﻳﻘﻮل: “«تُوبُوا، لِأَنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّماوَاتِ.”
وردت ﻋﺒﺎرة “ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات” اﺛﻨﺘﻴﻦ وﺛﻼﺛﻴﻦ ﻣﺮة ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ، وﻟﻢ ﺗﺮد ﻓﻲ أي ﻣﻮﺿﻊ آﺧﺮ ﻣﻦ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ. واﻟﺴﺒﺐ ﻓﻲ ذﻟﻚ ﻫﻮ أن اﻟﻤﻠﻜﻮت ﺳﻴﻜﻮن ﻟﻤﻠﻚ اﻟﻴﻬﻮد.
ﻓﻲ ﻣﺘﻰ (١٠: ١ \\ ٥-٧) ﻧﻘﺮأ: “ثُمَّ دَعَا تَلَامِيذَهُ ٱلِٱثْنَيْ عَشَرَ… هَؤُلَاءِ ٱلِٱثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلًا: «إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لَا تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لَا تَدْخُلُوا. بَلِ ٱذْهَبُوا بِٱلْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ ٱلضَّالَّةِ. وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ ٱكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ.”.
ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻟﻮﻗﺎ، أرﺳﻞ ﻳﺴﻮع ﻫﺆﻻء اﻟﻨﺎس دون ﻫﺬا اﻟﻘﻴﺪ. وﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ، أرﺳﻠﻬﻢ أﻳﻀًﺎ دون ﻫﺬا اﻟﻘﻴﺪ. ﻟﻢ ﻳﻜﻦ اﻟﻘﻴﺪ ﻳﻌﻨﻲ ﻣﻨﻊ اﻟﺘﺒﺸﻴﺮ إﻻ ﻟﻠﻴﻬﻮد، ﺑﻞ ﻛﺎن ﻳﻌﻨﻲ أن إﺳﺮاﺋﻴﻞ وﺣﺪﻫﺎ ﻫﻲ ﻣﻦ ﻳُﻌﺮض ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات. ﻟﻢ ﻳﻜﻦ اﻟﻘﻴﺪ: “ﻻ ﺗﺒﺸﺮوا أﺣﺪًا ﻏﻴﺮﻫﻢ”، ﺑﻞ ﻛﺎن: “ﻻ ﺗﻌﺮﺿﻮا ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻋﲆ أﺣﺪٍ ﻏﻴﺮﻫﻢ ﻷﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻟﻬﻢ.”
ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ، ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻟﻮﻗﺎ، ﻳُﻌﺮض ﻣﻠﻜﻮت ﷲ ﻋﲆ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻨﺎس (ﻟﻮﻗﺎ ٨: ١ \\ ٩: ٢) إن اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺘﺪﺑﻴﺮي اﻟﺨﺎﻃﺊ اﻟﺬي ﻳُﻌﻠّﻢ أن ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻋُﺮض ﻟﻔﺘﺮة زﻣﻨﻴﺔ ﻣﺤﺪدة، وﻋﻨﺪﻣﺎ ﻓﺸﻠﺖ ﺗﻠﻚ اﻟﺨﻄﺔ أو رُﻓﻀﺖ، ﻟﺠﺄ ﷲ إﱃ اﻟﺨﻄﺔ اﻟﺒﺪﻳﻠﺔ وﻋﺮض ﻣﻠﻜﻮت ﷲ. ﻛﺎن اﻟﺮب وأﺗﺒﺎﻋﻪ ﻳﺒﺸﺮون ﺑﻤﻠﻜﻮت ﷲ وﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻓﻲ آن واﺣﺪ، ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﺒﺸﺮوا ﺑﻤﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات إﻻ ﻟﻠﻴﻬﻮد ﻷن اﻵﺧﺮﻳﻦ ﻻ ﻳﺴﺘﺤﻘﻮﻧﻪ. ﻫﺬا ﻫﻮ اﻟﺘﻘﺴﻴﻢ اﻟﺼﺤﻴﺢ.
ﻛﺎن ﻋﲆ ﻳﻮﺣﻨﺎ أن ﻳﻤﻬﺪ اﻟﻄﺮﻳﻖ ﻟﻠﺮب وﻳﺠﻌﻞ اﻟﺴﺒﻞ ﻣﺴﺘﻘﻴﻤﺔ ﻟﻘﺪﻣﻴﻪ. ﻟﻘﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﺧﻄﻴﺌﺔ اﻟﺸﻌﺐ ﻫﻲ اﻟﺘﻲ أﻋﺎﻗﺖ ﻣﺴﻴﺮﺗﻬﻢ ﺑﻌﺪ اﺳﺘﻘﺒﺎل اﻟﻤﻠﻚ، دﻋﺎﻫﻢ ﻳﻮﺣﻨﺎ إﱃ اﻟﺘﻮﺑﺔ. وﺑﻴﻨﻤﺎ اﺳﺘﺠﺎب ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻟﻠﺮﺳﺎﻟﺔ وأﻇﻬﺮوا ﺗﻮﺑﺘﻬﻢ ﺑﺘﻮاﺿﻊ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﻤﻌﻤﻮدﻳﺔ، ﺣﻀﺮ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻘﺎدة ﻣﻨﺎﻓﻘﻴﻦ أو ﻛﻤﺘﻔﺮﺟﻴﻦ. ﻗﺎل ﻟﻬﻢ ﻳﻮﺣﻨﺎ أن ﻳﺜﻤﺮوا ﺛﻤﺎرًا ﺗﻠﻴﻖ ﺑﺎﻟﺘﻮﺑﺔ (ﻣﺘﻰ ٣: ٨). ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻛﺎﻓﻴًﺎ أن ﻳﻘﻮﻟﻮا إﻧﻬﻢ ﻳﺘﻮﺑﻮن، ﺑﻞ ﻛﺎن ﻋﻠﻴﻬﻢ أن ﻳﺜﺒﺘﻮا ذﻟﻚ.
ﻳﺼﻒ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ (٩-١١) ﺗﺰاﻳﺪ ﻛﺮاﻫﻴﺔ ﻗﺎدة إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻟﻠﻤﻠﻚ. وﻓﻲ ﻣﺘﻰ (١١: ٢٠ – ٢٤) ﻳﻨﺘﻘﺪ ﻳﺴﻮع ﺣﻤﺎﻗﺘﻬﻢ، وﻳﻮﺑﺨﻬﻢ ﻟﺮﻓﻀﻬﻢ ﺳﻴﺎدﺗﻪ. “حِينَئِذٍ ٱبْتَدَأَ يُوَبِّخُ ٱلْمُدُنَ ٱلَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا أَكْثَرُ قُوَّاتِهِ لِأَنَّهَا لَمْ تَتُبْ: «وَيْلٌ لَكِ يا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يا بَيْتَ صَيْدَا! لِأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ ٱلْقُوَّاتُ ٱلْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا، لَتَابَتَا قَدِيمًا فِي ٱلْمُسُوحِ وَٱلرَّمَادِ. وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ تَكُونُ لَهُمَا حَالَةٌ أَكْثَرُ ٱحْتِمَالًا يَوْمَ ٱلدِّينِ مِمَّا لَكُمَا. وَأَنْتِ يا كَفْرَنَاحُومَ ٱلْمُرْتَفِعَةَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى ٱلْهَاوِيَةِ. لِأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ ٱلْقُوَّاتُ ٱلْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى ٱلْيَوْمِ. وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ ٱحْتِمَالًا يَوْمَ ٱلدِّينِ مِمَّا لَكِ».”
إنّ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ ١٢ﻫﻮ ﻓﻲ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺧﺎﺗﻤﺔ ﻋﺮض اﻟﺮبّ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻋﲆ اﻷﻣﺔ. ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻔﺼﻞ، ﻳﺨﺒﺮﻫﻢ أﻧﻬﻢ ﻟﻦ ﻳﺮوا ﻋﻼﻣﺔ أﺧﺮى، وأن ﻋﻠﻴﻬﻢ أن ﻳﺘﻄﻠﻌﻮا إﱃ ﻣﻮت ﻳﻮﻧﺎن ودﻓﻨﻪ وﻗﻴﺎﻣﺘﻪ. وﻳﺨﺒﺮﻫﻢ أن ﻋﻠﻴﻬﻢ أن ﻳﻘﺘﺪوا ﺑﻤﻠﻜﺔ ﺳﺒﺄ، وﻫﻲ ﻣﻠﻜﺔ ﻣﻦ اﻷﻣﻢ، وأن ﻳﻄﻠﺒﻮا اﻟﺮبّ. وﻗﺪ وﺟﺪوا ﻫﺬا اﻟﻜﻼم ﻣﻬﻴﻨًﺎ ﻟﻠﻐﺎﻳﺔ. وﻳﺨﺒﺮﻫﻢ أن إﺻﻼﺣﻬﻢ اﻟﺬي ﺗﺤﻘﻖ ﻋﲆ ﻳﺪ ﻳﻮﺣﻨﺎ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺗﻮﺑﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ، وأن اﻟﺮوح اﻟﻨﺠﺲ ﺳﻴﻌﻮد، وﺳﻴﻜﻮن ﺣﺎﻟﻬﻢ أﺳﻮأ ﻣﻦ ذي ﻗﺒﻞ.
وﻳﺨﺘﻢ ﺣﺪﻳﺜﻪ ﺑﻐﻀﺐ: ﻟﺴﺘﻢ إﺧﻮﺗﻲ، ﻟﺴﺘﻢ ﺷﻌﺒﻲ. “وﺑﻴﻨﻤﺎ ﻫﻮ ﻳﻜﻠﻢ اﻟﻨﺎس، إذا ﺑﺄﻣﻪ وإﺧﻮﺗﻪ واﻗﻔﻴﻦ ﻓﻲ اﻟﺨﺎرج، ﻳﺮﻳﺪون اﻟﺘﺤﺪث إﻟﻴﻪ. ﻓﻘﺎل ﻟﻪ أﺣﺪﻫﻢ: ﻫﺎ ﻫﻲ أﻣﻚ وإﺧﻮﺗﻚ واﻗﻔﻮن ﻓﻲ اﻟﺨﺎرج، ﻳﺮﻳﺪون اﻟﺘﺤﺪث إﻟﻴﻚ. ﻓﺄﺟﺎب اﻟﺬي أﺧﺒﺮه: ﻣﻦ ﻫﻲ أﻣﻲ؟ وﻣﻦ ﻫﻢ إﺧﻮﺗﻲ؟ ﺛﻢ ﻣﺪ ﻳﺪه ﻧﺤﻮ ﺗﻼﻣﻴﺬه وﻗﺎل: ﻫﺎ ﻫﻲ أﻣﻲ وإﺧﻮﺗﻲ! ﻷن ﻛﻞ ﻣﻦ ﺳﺄﻓﻌﻞ إرادة أﺑﻲ اﻟﺬي ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء، وﻫﻮ أﺧﻲ وأﺧﺘﻲ وأﻣﻲ.” (ﻣﺘﻰ ١٢: ٤٦-٥٠).

وﻣﻦ ﻫﺬه اﻟﻨﻘﻄﺔ ﻧﻨﺘﻘﻞ ﻣﺒﺎﺷﺮة إﱃ أﻣﺜﺎل ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، ﺣﻴﺚ ﻳﻌﻠﻢ ﻳﺴﻮع أﻧﻪ ﻟﻦ ﻳُﻌﺮض ﻋﻼﻧﻴﺔ ﺑﻌﺪ اﻵن ﺑﻞ ﺳﻴُﺤﺎط ﺑﺎﻟﻐﻤﻮض.
ﻳُﻈﻬﺮ ﻫﺬا ﺧﻄﺄ اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﻨﻈﺮﻳﺎت اﻟﺘﺪﺑﻴﺮﻳﺔ، إذ ﻻ ﻳُﺸﻴﺮ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ ١٣ إﱃ أي أﻣﻞ ﻓﻲ أن ﻳُﺘﻮّج اﻟﻴﻬﻮد ﻣﺴﻴﺤﻬﻢ، أو أن ﻳُﻌﺮض ﻋﻠﻴﻬﻢ اﻟﻤﻠﻜﻮت ﻣﺮة أﺧﺮى ﺑﻌﺪ ﻗﻴﺎﻣﺘﻪ. ﺗُﻨﺒﺊ ﻫﺬه اﻷﻣﺜﺎل ﺑﻤﺎ ﺣﺪث ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ: ﻏﻴﺎب ﻃﻮﻳﻞ ﻟﻠﻤﻠﻚ، وﻓﺴﺎد اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ﻋﲆ ﻳﺪ ﻣﻐﺘﺼﺒﻴﻬﺎ ﻣﻦ اﻷﻣﻢ. وﺗُﻔﻨّﺪ أﻣﺜﺎل ﻣﺘﻰ ١٣ ﻓﻜﺮة أن اﻷﻣﺔ ﻛﺎن ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻬﺎ ﻓﻌﻞ ﺷﻲء ﺧﻼل اﻟﺴﻨﻮات اﻟﻤﺬﻛﻮرة ﻓﻲ ﺳﻔﺮ أﻋﻤﺎل اﻟﺮﺳﻞ ﻹﻗﺎﻣﺔ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻷرﺿﻴﺔ.
أﺣﺪ اﻟﻤﺠﺎﻻت اﻟﺘﻲ ﺗُﻌﺘﺒﺮ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻨﻈﺮﻳﺔ اﻹﻧﺠﻴﻠﻴﺔ اﻟﻤﺘﻮاﻓﻘﺔ (اﻟﺘﻲ ﺗﻔﺘﺮض أن ﻣﺘﻰ وﻣﺮﻗﺲ وﻟﻮﻗﺎ ﻳُﻌﻠّﻤﻮن اﻟﺸﻲء ﻧﻔﺴﻪ) ﻗﺎﺻﺮةً ﻫﻮ اﻟﺨﻼف ﺣﻮل رﺳﺎﻟﺔ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، اﻟﺬي ﻳﺒﺮز ﺑﻮﺿﻮح ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ وﻳﻐﻴﺐ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻠﻲ ﻣﺮﻗﺲ وﻟﻮﻗﺎ. ﻓﺎﻹﻧﺠﻴﻞ اﻷول ﻳﺘﻤﻴﺰ ﺑﺨﺼﺎﺋﺺ ﻓﺮﻳﺪة ﻛﺎﻹﻧﺠﻴﻞ اﻟﺮاﺑﻊ. ﻓﻤﻦ ﻣﺘﻰ ٣ إﱃ ﻣﺘﻰ ١٢ ﻳُﻘﺪّم اﻟﺮب ﻹﺳﺮاﺋﻴﻞ ﺑﺼﻔﺘﻪ ﻣﻠﻜﻬﻢ، اﻟﺬي أﺷﺎرت إﻟﻴﻪ ﻧﺒﻮءات اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ. ﻟﻜﻨﻪ رُﻓﺾ، وﻓﻲ أﻣﺜﺎل ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، ﻳﺘﻨﺒﺄ اﻟﺮب ﺑﻤﺴﺘﻘﺒﻞ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﺧﻼل ﻋﺼﺮ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ اﻟﻘﺎدم.
إن ﻣﺴﺘﻘﺒﻞ إﺳﺮاﺋﻴﻞ اﻟﻤُﺤﺪد ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ ﻫﻮ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﻋﲆ اﻷرض ﻳﺤﻜﻤﻬﺎ اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻣﻠﻜًﺎ. ﻫﺬا ﻛﻞ ﻣﺎ ﻛﺎن ﻳُﻨﻈﺮ إﻟﻴﻪ. ﻟﻢ ﻳُﺬﻛﺮ أﻣﺮ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﺑﻮﺿﻮح، وﻻ ﻧﺮى أي إﺷﺎرة إﻟﻴﻬﺎ إﻻ ﺑﺎﻟﻨﻈﺮ إﱃ اﻟﻤﺎﺿﻲ ﻓﻲ ﺿﻮء اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ. ﺣﺘﻰ ﺑﻌﺪ ﻗﻴﺎﻣﺔ المسيح ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻷﻣﻮات، ﺳﺄﻟﻪ ﺗﻼﻣﻴﺬه ﻣﺠﺪدًا اﻟﺴﺆال اﻟﺬي أﺟﺎب ﻋﻨﻪ ﻓﻲ ﻣﺘﻰ ٢٤. “أَمَّا هُمُ ٱلْمُجْتَمِعُونَ فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ: «يَا رَبُّ، هَلْ فِي هَذَا ٱلْوَقْتِ تَرُدُّ ٱلْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟».” (أﻋﻤﺎل اﻟﺮﺳﻞ ١: ٦). ﻟﻢ ﻳُﻜﺸﻒ ﻋﻦ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ، وﺣﺘﻰ ﺧﻼل ﺧﺪﻣﺔ اﻟﺮب ﻋﲆ اﻷرض، ﻟﻢ ﻳﻔﻬﻢ ﺗﻼﻣﻴﺬه ﻣﺎ ﻗﺎﻟﻪ ﻳﺴﻮع ﻋﻦ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ.
ﻻ ﻳﻌﻨﻲ ﻫﺬا ﺗﺄﻳﻴﺪ اﻟﻔﻜﺮة اﻟﺨﺎﻃﺌﺔ اﻟﻘﺎﺋﻠﺔ ﺑﺄن ﷲ ﻟﻢ ﻳﻀﻊ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﻓﻲ اﻋﺘﺒﺎره ﻗﻂ، أو اﻟﻔﻜﺮة اﻟﺨﺎﻃﺌﺔ اﻟﻤﻤﺎﺛﻠﺔ اﻟﻘﺎﺋﻠﺔ ﺑﺄﻧﻪ ﺑﻤﺎ أن ﷲ ﺗﻨﺒﺄ ﺑﺮﻓﺾ اﻟﻴﻬﻮد ﻟﻠﻤﻠﻜﻮت، ﻓﺈن ﻋﺮﺿﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺣﻘﻴﻘﺔً. ﻛﺎن ﷲ اﻵب ﻳﻌﻠﻢ أن ﻳﺴﻮع ﺳﻴﻤﻮت ﻋﲆ ﺟﺒﻞ اﻟﺠﻠﺠﻠﺔ. وﻛﺎن ﻳﻌﻠﻢ أن ﺑﻨﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﺳﻴﺮﻓﻀﻮﻧﻪ وﻳﺼﻠﺒﻮﻧﻪ. وﻫﻨﺎك اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﻨﺒﻮءات اﻟﺘﻲ ﺗﺘﺤﺪث ﻋﻦ ﻛﻼ اﻟﺤﺪﺛﻴﻦ. ﻳﻘﻮل ﺳﻔﺮ أﻋﻤﺎل اﻟﺮﺳﻞ (٢: ٢٣) “هَذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ ٱللهِ ٱلْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ ٱلسَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ.” ﻟﻜﻦ ﻫﺬا ﻻ ﻳُﻐﻴّﺮ ﺑﺄي ﺣﺎل ﻣﻦ اﻷﺣﻮال ﺣﻘﻴﻘﺔ أن اﻟﺮب ﻗﺪّم ﻧﻔﺴﻪ ﻣﻠﻜًﺎ وﻋﺮض اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ﻋﲆ ﺑﻨﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ. ﻻ ﻳﻮﺟﺪ أي ﺗﻨﺎﻗﺾ.
ﻧُﺒﺸّﺮ ﺑﺤﱟﻖ ﺑﺄنّ ﻣﻦ ﺷﺎء ﻓﻠﻪ اﻟﺨﻼص، ﻣﻊ ﻋﻠﻤﻨﺎ ﺑﺄنّ اﻟﺨﻼص ﻟﻴﺲ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ. ﻳُﺒﺸّﺮ ﺑﺎﻹﻧﺠﻴﻞ ﻟﺠﻤﻴﻊ اﻟﻨﺎس ﻋﲆ ﺣﺪّ ﺳﻮاء، ﻣﻊ ﻋﻠﻤﻨﺎ أنّ ﻛﺜﻴﺮﻳﻦ ﺳﻴﺮﻓﻀﻮن اﻟﻤﺴﻴﺢ. ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ اﻟﻌﺮض ﻣُﺘﺎﺣًﺎ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ، ﻟﻜﺎن ﺑﺈﻣﻜﺎن اﻟﻨﺎس اﺗﻬﺎم ﷲ ﺑﻌﺪم ﻣﻨﺤﻬﻢ ﻓﺮﺻﺔ اﻟﺨﻼص. اﻹﻧﺠﻴﻞ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ. إذا ﻣﺎت ﺷﺨﺺٌ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺿﻼل، ﻓﺬﻟﻚ ﻷﻧّﻪ رﻓﺾ اﻟﺤﻖّ. ﻫﻮ اﻟﻤُﺬﻧﺐ، ﻻ ﷲ. ﻣﻊ أنّ ﷲ ﻳﻌﻠﻢ أنّ ﺑﻌﺾ اﻟﻨﺎس ﻟﻦ ﻳﺨﻠﺼﻮا، إﻻ أنّ اﻟﻌﺮض ﻻ ﻳﺰال ﻣُﺘﺎﺣًﺎ ﻟﻬﻢ.
وﺑﺎﻟﻤﺜﻞ، ﻛﺎن ﷲ ﻳﻌﻠﻢ أن اﻟﻤﺴﻴﺢ ﺳﻴُﺴﺘﺄﺻﻞ. وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻋﺮض اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ﻋﲆ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻷﻧﻪ ﺑﺎر. وﻋﻨﺪﻣﺎ رُﻓﺾ ﻫﺬا اﻟﻌﺮض اﻟﻤﺸﺮوع، ﻛﺎﻧﺖ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻫﻲ اﻟﻤﺬﻧﺒﺔ، ﻻ ﷲ. ﻓﺎﻟﻌﺮض ﻳُﻠﻘﻲ ﺑﺎﻟﻤﺴﺆوﻟﻴﺔ ﻋﲆ اﻟﻴﻬﻮد. إن ﻋﻠﻢ ﷲ اﻟﻤﺴﺒﻖ ﻻ ﻳﻌﻨﻲ أن اﻟﻌﺮض ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺻﺤﻴﺤًﺎ.
ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ ١٣ﻧﺠﺪ ﺳﺒﻌﺔ أﻣﺜﺎل ﺗُﻌﻄﻴﻨﺎ ﻟﻤﺤﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﻋﻦ ﺣﺎل ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻓﻲ ﻋﺼﺮ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ. ﻳُﺸﻴﺮ إﻟﻴﻬﺎ اﻟﺮب ﺑﺎﻷﺳﺮار (اﻵﻳﺔ ١١)وﻫﻮ ﻣﺼﻄﻠﺢ ﻛﺘﺎﺑﻲ ﻳُﺸﻴﺮ إﱃ أﻣﺮٍ ﻣﻌﺮوف، وﻟﻜﻦ ﻣﺎ ﻛﺎن ﻟﻴُﻌﺮف ﻟﻮﻻ أن ﻛﺸﻔﻪ ﷲ. ﻓﺒﺪﻻً ﻣﻦ أن ﻳُﺨﺎﻃﺐ اﻟﻨﺎس ﺑﻮﺿﻮح ﻛﻤﺎ ﻛﺎن ﻳﻔﻌﻞ ﺳﺎﺑﻘﺎً، ﺑﺪأ اﻟﺮب ﻳُﺨﺎﻃﺒﻬﻢ ﺑﺎﻷﻣﺜﺎل ﻷن اﻟﻨﺎس ﻟﻢ ﻳﺮﻏﺒﻮا ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎع، ﺑﻞ ﺗﻌﻤّﺪوا ﻏﺾّ اﻟﻄﺮف ﻋﻦ رﺳﺎﻟﺘﻪ. وﻷن ﻣﻌﻈﻢ ﺳﺎﻣﻌﻴﻪ ﻟﻢ ﻳﺮﻏﺒﻮا ﻓﻲ اﻟﺤﻖ، اﺗﺨﺬ ﻳﺴﻮع ﻫﺬا اﻷﺳﻠﻮب ﻓﻲ اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﺣﺘﻰ ﻳﺄﺗﻲ إﻟﻴﻪ ﻣﻦ أراد اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻃﺎﻟﺒﺎً اﻟﺘﻔﺴﻴﺮ. وﻟﻤﺎ ﺳﺄﻟﻪ ﺗﻼﻣﻴﺬه، أﻋﻄﺎﻫﻢ ﺣﻞّ اﻷﺳﺮار. أﻣﺎ اﻟﺬﻳﻦ ﻟﻢ ﻳﺴﻌﻮا إﱃ اﻟﻨﻮر، ﻓﻘﺪ ﺗُﺮﻛﻮا ﻓﻲ اﻟﻈﻼم.
ﻗﺎرن اﻵﻳﺔ ٢ ﺑﺎﻵﻳﺘﻴﻦ ١٦و ١٧. “فَٱجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ… وَلَكِنْ طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لِأَنَّهَا تُبْصِرُ، وَلِآذَانِكُمْ لِأَنَّهَا تَسْمَعُ. فَإِنِّي ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ وَأَبْرَارًا كَثِيرِينَ ٱشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ وَلَمْ يَرَوْا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا.”
ﻳﻤﻜﻦ ﻷي ﺷﺨﺺ أن ﻳﺨﻠﺺ. رﺑﻤﺎ ﻛﺎن اﻟﻴﻬﻮد ﻋﲆ دراﻳﺔ ﺑﺤﻘﻴﻘﺔ ﻫﺬه اﻷﻣﺜﺎل. ﻓﻲ ﻛﻞ ﺣﺎﻟﺔ ﻧﺮى ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻣﺒﺪأ “اﻃﻠﺒﻮا ﺗﺠﺪوا” (ﻣﺘﻰ ٧:٧).
ﺗﻘﺪم ﻟﻨﺎ اﻷﻣﺜﺎل اﻟﺴﺒﻌﺔ ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ ١٣ ﻧﻈﺮة روﺣﻴﺔ ﺷﺎﻣﻠﺔ ﻟﻤﺎ ﺳﻴﺤﺪث ﻓﻲ اﻷﻳﺎم اﻟﻤﻤﺘﺪة ﻣﻦ ﻣﻮت اﻟﻤﺴﻴﺢ إﱃ ﻣﺠﻴﺌﻪ اﻟﺜﺎﻧﻲ، أو اﻟﻔﺘﺮة اﻟﻔﺎﺻﻠﺔ ﺑﻴﻦ اﻷﺳﺒﻮﻋﻴﻦ اﻟﺘﺎﺳﻊ واﻟﺴﺘﻴﻦ واﻟﺴﺒﻌﻴﻦ ﻣﻦ ﺳﻔﺮ داﻧﻴﺎل ٩. وﻫﻨﺎك ﻣﺠﻤﻮﻋﺘﺎن أﺧﺮﻳﺎن ﻣﻦ اﻟﺮﻗﻢ ﺳﺒﻌﺔ ﻓﻲ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﺗﻐﻄﻴﺎن اﻟﻔﺘﺮة اﻟﺰﻣﻨﻴﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ -اﻟﻤﻌﻨﻰ اﻟﻤﻌﺘﺎد ﻟﻸﻋﻴﺎد اﻟﺴﺒﻌﺔ (ﺳﻔﺮ اﻟﻼوﻳﻴﻦ ٢٣)واﻟﺮﺳﺎﺋﻞ اﻟﻤﻮﺟﻬﺔ إﱃ اﻟﻜﻨﺎﺋﺲ اﻟﺴﺒﻊ (ﺳﻔﺮ اﻟﺮؤﻳﺎ ٢-٣).
ﻟﻘﺪ ﺑﻴّﻨﺎ أن المسيح ﺣﻴﻦ ﻳﺘﺤﺪث ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ (ﻓﻘﻂ) ﻋﻦ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، إﻧﻤﺎ ﻳﻘﺼﺪ اﻟﻤﻠﻜﻮت اﻟﻤﺮﺋﻲ واﻟﺤﺮﻓﻲ اﻟﻤﻌﺮوض ﻋﲆ إﺳﺮاﺋﻴﻞ، واﻟﺬي سينالونه ﻋﻨﺪ ملك اﻟﻤﺴﻴﺢ. أﻣﺎ ﺣﻴﻦ ﻳﺘﺤﺪث ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻟﻮﻗﺎ وﻓﻲ ﻣﻮاﺿﻊ أﺧﺮى ﻋﻦ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻘﺼﺪ ﺣﻜﻢ ﷲ ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺮﺋﻲ ﻋﲆ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ. وﻷن ﻛﻼ اﻟﻤﻠﻜﻮﺗﻴﻦ ﻣﻮﺟﻮدان ﻓﻲ آن واﺣﺪ، ﻓﺈن اﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻤﺎ ﻳﻨﻄﺒﻖ ﻋﲆ أﺣﺪﻫﻤﺎ (ﻛﻤﺎ ورد ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ) ﻳﻨﻄﺒﻖ ﻋﲆ اﻵﺧﺮ (ﻛﻤﺎ ورد ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻠﻲ ﻣﺮﻗﺲ وﻟﻮﻗﺎ.) وﻫﺬا ﻻ ﻳﺠﻌﻠﻬﻤﺎ ﻣﺘﻄﺎﺑﻘﻴﻦ.
ﻓﻌﲆ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﻤﺜﺎل، ﻧﻘﺮأ ﻓﻲ ﻣﺘﻰ (١٩: ١٤) “أَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ: «دَعُوا ٱلْأَوْلَادَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلَا تَمْنَعُوهُمْ لِأَنَّ لِمِثْلِ هَؤُلَاءِ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ».” وﻓﻲ ﻟﻮﻗﺎ ( ١٨: ١٦) ﻧﺠﺪ “أَمَّا يَسُوعُ فَدَعَاهُمْ وَقَالَ: «دَعُوا ٱلْأَوْلَادَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلَا تَمْنَعُوهُمْ، لِأَنَّ لِمِثْلِ هَؤُلَاءِ مَلَكُوتَ ٱللهِ.” اﻹﻳﻤﺎن ﻛﺎﻷﻃﻔﺎل ﻣﻄﻠﻮب ﻟﺪﺧﻮل أﱟي ﻣﻦ اﻟﻤﻠﻜﻮﺗﻴﻦ واﻟﺘﻤﺘﻊ ﺑﻬﻤﺎ.
ﻣﺜﺎل آﺧﺮ ﻫﻮ ﻣﺘﻰ (١٩: ٢٣-٢٤) “فَقَالَ يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ: «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ! وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنَّ مُرُورَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ ٱللهِ!».” ﻗﺎرن ﻟﻮﻗﺎ (١٨: ٢٤-٢٥). “فَلَمَّا رَآهُ يَسُوعُ قَدْ حَزِنَ، قَالَ: «مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي ٱلْأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ ٱللهِ! لِأَنَّ دُخُولَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ ٱللهِ!».”
وﻷن ﻫﻨﺎك ﺣﻘﺎﺋﻖ واﺿﺤﺔ ﺗﻨﻄﺒﻖ ﻋﲆ ﻛﻠﺘﺎ اﻟﻤﻤﻠﻜﺘﻴﻦ، ﻓﺈن ﻣﻌﻈﻢ اﻟﻨﺎس ﻳﻌﺘﻘﺪون أﻧﻬﻤﺎ ﻣﻤﻠﻜﺔ واﺣﺪة. وﻫﺬا ﻏﻴﺮ ﺻﺤﻴﺢ. ﻟﻮ رﺳﻤﻨﺎ ﺛﻼث دواﺋﺮ، إﺣﺪاﻫﺎ داﺧﻞ اﻷﺧﺮى، ﻟﻜﺎﻧﺖ اﻟﺪاﺋﺮة اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ ﻫﻲ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ، اﻟﻤﺆﻟﻔﺔ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ اﻟﺤﻘﻴﻘﻴﻴﻦ، اﻟﺬﻳﻦ ﺗﻌﻤّﺪوا ﺑﺎﻟﺮوح اﻟﻘﺪس ﻓﻲ ﺟﺴﺪ واﺣﺪ. أﻣﺎ اﻟﺪاﺋﺮة اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻓﻜﺎﻧﺖ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ، اﻟﻤﺆﻟﻒ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ اﻟﺤﻘﻴﻘﻴﻴﻦ، ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺰﻣﺎن، ﺑﻞ ﻣﻨﺬ ﺑﺪء اﻟﺨﻠﻴﻘﺔ وإﱃ اﻷﺑﺪ. واﻟﺪاﺋﺮة اﻟﺨﺎرﺟﻴﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات. وﻫﻮ ﻻ ﻳﻀﻢ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ اﻟﺤﻘﻴﻘﻴﻴﻦ ﻓﺤﺴﺐ، ﺑﻞ ﻳﻀﻢ أﻳﻀًﺎ ﻣﻦ ﻳﺪّﻋﻮن اﻹﻳﻤﺎن واﻟﻤﺰﻳﻔﻴﻦ، ﻛﻤﺎ ورد ﻓﻲ ﻣﺜﻞ اﻟﻘﻤﺢ واﻟﺰوان وﻏﻴﺮه. ﻫﺆﻻء رﺑﻤﺎ ﻗﺎﻣﻮا ﺑﺄﻋﻤﺎل ﺻﺎﻟﺤﺔ ﻛﺎﻓﻴﺔ ﻟﻠﻤﺸﺎرﻛﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻠﻜﻮت اﻷرﺿﻲ، أو أﻓﻠﺘﻮا ﻣﻦ اﻟﻌﻘﺎب واﻟﻜﺸﻒ ﻟﻠﺒﻘﺎء ﻓﻴﻪ، ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻨﺎﻟﻮا اﻟﺨﻼص ﻗﻂ.
إنّ إﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺑﻘﺎء ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻟﻔﺘﺮة ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات واﺿﺤﺔ ﻣﻦ ﻧﺼﻮص ﻣﺜﻞ ﻣﺘﻰ (١٣: ٤١) “يُرْسِلُ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ مَلَائِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ ٱلْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي ٱلْإِثْمِ” ﻛﺎن ﻻ ﺑﺪّ ﻟﻬﺆﻻء أن ﻳﻜﻮﻧﻮا ﻓﻲ اﻟﻤﻠﻜﻮت ﻟﻴُﺠﻤﻌﻮا ﻣﻨﻪ. ﺗﺘﻀﻤﻦ أﻣﺜﺎل ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات اﻟﺰوان وﻣﺎ ﺷﺎﺑﻪ ذﻟﻚ، داﺧﻞ ﻫﺬا اﻟﻤﻠﻜﻮت. أﻣﺎ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ ﻓﻠﻴﺲ ﻛﺬﻟﻚ.
واﻵن دﻋﻮﻧﺎ ﻧﻠﻘﻲ ﻧﻈﺮة ﻓﺎﺣﺼﺔ ﻋﲆ أﻣﺜﺎل ﻣﺘﻰ ١٣. ﺗﻐﻄﻲ ﻫﺬه اﻷﻣﺜﺎل اﻟﺴﺒﻌﺔ ﻣﺎ ﻻ ﻳﻘﻞ ﻋﻦ ٢٠٠٠ ﻋﺎم ﻣﻦ اﻟﺘﺎرﻳﺦ. وﻫﻲ ﻣﻘﺴﻤﺔ إﱃ ﻣﺠﻤﻮﻋﺘﻴﻦ. ﻓﻲ اﻷﻣﺜﺎل اﻷرﺑﻌﺔ اﻷوﱃ، ﻳﻈﻬﺮ اﻟﺸﻴﻄﺎن ﻓﺎﻋﻼً. ﻓﻲ اﻟﻤﺜﻞ اﻷول، ﻳﺴﻠﺐ اﻟﺒﺬرة اﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ. وﻓﻲ اﻟﺜﺎﻧﻲ، ﻳﺰرع ﺑﺬرة زاﺋﻔﺔ ﻣﻦ ﻋﻨﺪه. وﻓﻲ اﻟﻤﺜﻞ اﻟﺜﺎﻟﺚ، ﻳُﺼﱠﻮر اﻟﺸﻴﻄﺎن ﺳﺎﻛﻨﺎً ﺑﻴﻦ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ. وﻓﻲ اﻟﺮاﺑﻊ، ﻳُﺼﱠﻮر ﻛﺨﻠﻴﻂ ﻣﻦ اﻟﺨﻤﻴﺮة. ﻓﻲ اﻟﻤﺜﻠﻴﻦ اﻷوﻟﻴﻦ ﻧﺮى اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ﻣﺆﻟﻔﺔ ﻣﻦ أﻓﺮاد. أﻣﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﺜﻠﻴﻦ اﻟﺘﺎﻟﻴﻴﻦ ﻓﻨﺮى ﻣﻨﻈﻮرًا ﺟﻤﺎﻋﻴًﺎ.
ﻫﺬه اﻷﻣﺜﺎل اﻷرﺑﻌﺔ أﻟﻘﺎﻫﺎ اﻟﺮب ﺟﻤﻴﻌﻬﺎ أﻣﺎم اﻟﺠﻤﻮع. وﻗﺪ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻮﺟﻬﺔ ﻟﻠﻌﺎﻣﺔ. ﻛﻞ اﻟﻨﺎس، ﺣﺘﻰ أوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﺆﻣﻨﻮن ﺑﻜﻠﻤﺔ ﷲ، ﻳﻤﻜﻨﻬﻢ أن ﻳﺮوا اﻟﺤﺎﻟﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ ﻟﻠﺤﻖ واﻟﺒﺎﻃﻞ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ.
أُﻟﻘﻴﺖ اﻷﻣﺜﺎل اﻟﺜﻼﺛﺔ اﻷﺧﻴﺮة ﻓﻲ ﺑﻴﺖ (اﻵﻳﺔ ٣٦) ﺑﻌﺪ أن ﺻﺮف ﻳﺴﻮع اﻟﺠﻤﻮع. وﻫﻲ ﺗُﻌﻄﻲ ﻧﻈﺮةً ﺑﺎﻃﻨﻴﺔً ﻟﻠﻤﻠﻜﻮت. ﻻ ﻳُﺬﻛﺮ اﻟﺸﻴﻄﺎن ﻓﻲ ﻫﺬه اﻷﻣﺜﺎل اﻟﺜﻼﺛﺔ، ﺑﻞ ﺗﺘﻨﺎول ﻋﻤﻞ اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس. ورﻏﻢ أن ﺟﻤﻴﻌﻬﺎ ﺗﺘﻨﺎول ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، إﻻ أن ﻟﻬﺎ ﺑﻌﺾ اﻟﺘﻄﺒﻴﻘﺎت ﻋﲆ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ أﻳﻀًﺎ.
اﻟﻤﺜﻞ اﻷول ﻫﻮ ﻣﺜﻞ اﻟﺰارع، وﻗﺪ ورد ﻓﻲ اﻵﻳﺎت ﻣﻦ ٣ إﱃ ٩ وﺷُﺮح ﻓﻲ اﻵﻳﺎت ﻣﻦ ١٨ إﱃ ٢٣. ﻳﻨﺘﺞ ﻋﻦ زرع اﻟﺒﺬرة أرﺑﻊ ﻧﺘﺎﺋﺞ، واﺣﺪة ﻣﻨﻬﺎ ﻓﻘﻂ ﺗﻨﺠﺢ. وﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﻫﺬه اﻟﺤﺎﻟﺔ، ﻧﺠﺪ درﺟﺎت ﻣﺘﻔﺎوﺗﺔ ﻣﻦ اﻹﺛﻤﺎر. واﻟﺪرس اﻟﻮاﺿﺢ ﻫﻮ أن اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻟﻦ ﻳﻬﺘﺪي ﺑﻤﺠﺮد اﻟﺘﺒﺸﻴﺮ ﺑﺎﻹﻧﺠﻴﻞ. ﻓﻔﻲ اﻟﻤﺤﺎوﻻت اﻟﺜﻼث اﻟﻔﺎﺷﻠﺔ ﻟﺰرع اﻟﻜﻠﻤﺔ، ﻧﺮى أن اﻷوﱃ أﻋﺎﻗﻬﺎ اﻟﺸﻴﻄﺎن، واﻟﺜﺎﻧﻴﺔ أﻋﺎﻗﺘﻬﺎ ﺷﻬﻮات اﻟﺠﺴﺪ، واﻟﺜﺎﻟﺜﺔ أﻋﺎﻗﺘﻬﺎ العالم.
ﻳُﻌﻠّﻢ اﻟﻤﺜﻞ اﻟﺜﺎﻧﻲ (اﻵﻳﺎت ٢٤-٣٠) (اﻵﻳﺎت ٣٧-٤٣)أﻧﻪ ﻋﲆ ﻣﺮّ اﻟﻌﺼﻮر اﻟﻜﻨﺴﻴﺔ، ﻟﻦ ﻳﻜﻮن ﺑﺎﻹﻣﻜﺎن اﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺑﻴﻦ اﻟﻤﺆﻣﻦ وﻏﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻦ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﻤﻈﻬﺮ اﻟﺨﺎرﺟﻲ. وﺳﻮاء أﻛﺎن اﻷﻣﺮ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺄﺷﺨﺎص ﺿﺎﻟﻴﻦ ﻳﻌﻴﺸﻮن ﺣﻴﺎةً أﺧﻼﻗﻴﺔً ﺳﻠﻴﻤﺔً أم ﺑﺄﺷﺨﺎص ﻣُﺨﻠﱠﺼﻴﻦ ﻳﻌﻴﺸﻮن ﺣﻴﺎةً ﻣﺘﻨﺎﻏﻤﺔً، ﻓﺈنّ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﻈﺎﻫﺮة ﺳﺘﻜﻮن ﻣﺰﻳﺠًﺎ ﻣﻦ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ وﻏﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ، وﷲ وﺣﺪه ﻫﻮ اﻟﻘﺎدر ﻋﲆ اﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ﺑﻴﻨﻬﻢ. ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ﻫﺬه ﻟﻴﺴﺖ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ. وﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أﻳﻀﺎً أن ﻫﺬه ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ. ﻓﻜﻼﻫﻤﺎ ﺧﺎلٍ ﻣﻦ اﻟﺰوان. ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻏﻴﺮ ﻣﺆﻣﻨﻴﻦ ﻓﻲ ﺟﺴﺪ اﻟﻤﺴﻴﺢ. وﻟﻦ ﻳُﻄﺮد أﺣﺪٌ ﻃُﱢﻬﺮ ﺑﺪم اﻟﻤﺴﻴﺢ وﻳُﺤﺮق. وﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﻜﻮن اﻟﻤﻘﺼﻮد ﻫﻨﺎ ﺗﺠﻤﻊ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ، ﻷن رﺳﺎﺋﻞ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ ﻻ ﺗُﻌﻠﱢﻤﻨﺎ اﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻣﻊ اﻟﺰوان، ﺑﻞ ﺗﺪﻋﻮ إﱃ ﻃﺮد ﻣﻦ ﻳُﺪﻧﱢﺴﻮن ﺷﻬﺎدة اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ. وﻻ ﻳﺠﻮز ﻟﻨﺎ ﺗﺮﻛﻬﻢ ﺣﺘﻰ ﻣﺠﻲء اﻟﺮب.
ﺗﺄﻣﻞ ﻓﻲ اﻟﻤﺜﻞ اﻟﻤﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﻜﻨﻴﺴﺔ اﻟﺒﺮوﺗﺴﺘﺎﻧﺘﻴﺔ، واﻟﻜﻨﻴﺴﺔ اﻟﻜﺎﺛﻮﻟﻴﻜﻴﺔ، واﻟﻜﻨﻴﺴﺔ اﻷرﺛﻮذﻛﺴﻴﺔ. ﺟﻤﻴﻌﻬﺎ ﺗﻘﻮل إن ﻳﺴﻮع ﻫﻮ اﻟﺮب، وأن ﻋﻠﻴﻨﺎ أن ﻧﺤﺐ ﻗﺮﻳﺒﻨﺎ، وأن اﻹﺟﻬﺎض ﺧﻄﺄ، وﻣﺎ إﱃ ذﻟﻚ. ﻫﺬه ﻣﺒﺎدئ ﻣﻠﻜﻮﺗﻴﺔ ﺗُﺪﱠرس ﻋﲆ اﻷرض. ﻛﻤﺎ أﻧﻬﺎ ﺟﻤﻴﻌًﺎ ﺗُﻌﻠﱢﻢ رﱠش اﻟﻤﺎء ﻋﲆ اﻷﻃﻔﺎل ﻟﻠﺨﻼص، وﺗﻨﻜﺮ ﺳﻠﻄﺔ ﻛﻠﻤﺔ ﷲ. ﻧُﻮﺻﻴﻨﺎ ﺑﺘﺮﻛﻬﺎ وﺷﺄﻧﻬﺎ. ﺳﻴﺤﺮﻗﻬﺎ ﷲ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﺰﻣﺎن. وﻧُﻮﺻﻴﻨﺎ ﺑﺎﻻﻧﺸﻐﺎل ﺑﺎﻟﺘﺒﺸﻴﺮ ﺑﺎﻹﻧﺠﻴﻞ ﺣﺘﻰ يخلص الرجال والنساء. ﺟﻤﻴﻊ اﻷدﻳﺎن اﻟﻜﺒﺮى، ﺑﺎﺳﺘﺜﻨﺎء اﻹﺳﻼم، ﺗُﻌﻠّﻢ ﻣﺒﺎدئ اﻟﻤﻠﻜﻮت. ﺟﻤﻴﻊ اﻷدﻳﺎن اﻟﻜﺒﺮى ﺗُﻨﻜﺮاﺑﻦ ﷲ. ﻣﺴﺆوﻟﻴﺘﻨﺎ ﺗﺠﺎه ﻫﺆﻻء اﻟﻨﺎس ﻫﻲ ﺗﺒﺸﻴﺮ ﻛﻞ ﻓﺮد ﻣﻨﻬﻢ ﺑﺎﻹﻧﺠﻴﻞ. ﻧﺤﻦ ﻻ ﻧﺸﻦّ اﻟﺤﺮوب، وﻻ ﻧﻘﺘﻞ، وﻻ ﻧﺤﺮق وﻻ ﻧﻌﺬب. اﻟﺮب ﺳﻴُﻄﻬّﺮ اﻷرض ﻣﻦ زؤاﻧﻬﺎ ﻋﻨﺪ ﻋﻮدﺗﻪ.
إذا ﺳﻌﻰ أي ﻣﻤﺜﻞ ﻟﻬﺬه اﻟﺠﻤﺎﻋﺎت إﱃ اﻻﻧﻀﻤﺎم إﱃ ﺗﺠﻤﻊ ﻟﻠﻤﺴﻴﺤﻴﻴﻦ، ﻓﻠﻦ ﻳُﺴﻤﺢ ﻟﻬﻢ ﺑﺬﻟﻚ إﻻ إذا ﺗﺨﻠﻮا ﻋﻦ دﻳﻨﻬﻢ اﻟﺒﺎﻃﻞ وﺧﻀﻌﻮا ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ اﻟﻜﺘﺎﺑﻴﺔ.
ﺣﻴﺜﻤﺎ ﻳﻜﻮن ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻇﺎﻫﺮاً، ﻳُﺴﻤﺢ ﻟﻬﻢ ﺑﺎﻟﺒﻘﺎء. أﻣﺎ ﺣﻴﺜﻤﺎ ﻳﻜﻮن ﻣﻠﻜﻮت ﷲ ﻇﺎﻫﺮاً، ﻓﻼ ﻳُﺴﻤﺢ ﻟﻬﻢ ﺑﺎﻟﺒﻘﺎء.
وﻛﻤﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﺜﻞ اﻷول، ﻳُﻈﻬﺮ ﻫﺬا اﻟﻤﺜﻞ ﺣﻤﺎﻗﺔ اﻻﻋﺘﻘﺎد ﺑﺄن اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ أو اﻟﺘﺒﺸﻴﺮ ﺑﺎﻹﻧﺠﻴﻞ ﺳﻴﺆدﻳﺎن إﱃ إﻗﺎﻣﺔ اﻟﻤﻠﻜﻮت. اﻟﻤﺜﻞ اﻟﺘﺎﻟﻲ ﻫﻮ ﻣﺜﻞ ﺣﺒﺔ اﻟﺨﺮدل اﻟﺘﻲ ﻧﻤﺖ ﻟﺘﺼﺒﺢ ﺷﺠﺮة ﻋﻈﻴﻤﺔ، ﻓﺄﺻﺒﺤﺖ ﻣﺄوى ﻟﻄﻴﻮر اﻟﺴﻤﺎء (اﻵﻳﺎت ٣١-٣٢). ﻫﺬه البذره اﻟﺼﻐﻴﺮة، اﻟﺘﻲ ﺧﺎﻟﻔﺖ ﻃﺒﻴﻌﺘﻬﺎ ﺑﻬﺬا اﻟﻨﻤﻮ اﻟﻤﺬﻫﻞ، ﻳﺮﻣﺰ ﻋﻨﺪ ﻛﺜﻴﺮﻳﻦ إﱃ اﻻﻧﺘﺸﺎر اﻟﺘﺪرﻳﺠﻲ ﻟﻺﻧﺠﻴﻞ ﺣﺘﻰ ﻳﺼﺒﺢ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ أﺟﻤﻊ ﻧﺼﻴﺐ ﻓﻴﻪ. ﻫﺬا اﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﻳﺘﻌﺎرض ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻣﻊ ﺗﻌﺎﻟﻴﻢ اﻟﻤﺜﻠﻴﻦ اﻷوﻟﻴﻦ.
ﺗُﻤﺜﻞ ﺣﺒﺔ اﻟﺨﺮدل اﻧﺘﺸﺎرًا ﻋﺎﻟﻤﻴًﺎ، وﻟﻜﻦ ﻟﻴﺲ اﻧﺘﺸﺎر اﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ. ﺗﺬﻛﺮ أن اﻟﻤﻘﺼﻮد ﻫﻨﺎ ﻫﻮ اﻟﻤﻠﻜﻮت، وﻟﻴﺲ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ. ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗُﺬﻛﺮ ﻃﻴﻮر اﻟﺴﻤﺎء ﻓﻲ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻋﺎدةً ﻣﺎ ﺗُﺸﻴﺮ إﱃ أﻋﻤﺎل اﻟﺸﺮ. وﻳﻤﻜﻦ اﻻﺳﺘﺸﻬﺎد ﺑﺎﻟﻤﺜﻞ اﻷول ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ ١٣ﻟﺪﻋﻢ ﻫﺬه اﻟﻔﻜﺮة.
ﻣﺎ ﻧﺮاه ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻤﺜﻞ ﻫﻮ اﻟﺘﺄﺛﻴﺮ اﻟﻤﺘﺰاﻳﺪ ﻟﺘﻌﺎﻟﻴﻢ اﻟﻤﻠﻚ ﻳﺴﻮع ﻋﲆ اﻟﺒﺸﺮﻳﺔ، وﻟﻜﻦ دون ﻗﺒﻮل اﻟﻤﻠﻚ ﻧﻔﺴﻪ. ﻟﻘﺪ اﺳﺘﻔﺎدت اﻟﺪول اﻷوروﺑﻴﺔ اﺳﺘﻔﺎدة ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻣﻦ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻣﺒﺎدئ اﻟﻤﻠﻜﻮت اﻟﺘﻲ ﺟﻠﺒﻬﺎ اﻟﻤﺒﺸﺮون، ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻣﺴﻴﺤﻴﻮن، وﺑﻌﻀﻬﻢ اﻵﺧﺮ ﻳﺤﻤﻞ اﻻﺳﻢ ﻓﻘﻂ. وﻳﻨﻄﺒﻖ اﻷﻣﺮ ﻧﻔﺴﻪ ﻋﲆ أﻓﺮﻳﻘﻴﺎ واﻷﻣﺮﻳﻜﺘﻴﻦ واﻟﺸﺮق اﻷﻗﺼﻰ. ﻓﻔﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎن ﺗُﻨﺸﺮ ﻓﻴﻪ ﺗﻌﺎﻟﻴﻢ ﻛﻠﻤﺔ ﷲ، ﺗﺮﺗﻘﻲ ﺣﻴﺎة اﻹﻧﺴﺎن. ﺗُﻘﺪم اﻹﻏﺎﺛﺔ اﻟﻐﺬاﺋﻴﺔ، وﻣﻼﺟﺊ اﻟﻤﺸﺮدﻳﻦ، واﻟﻤﺴﺘﺸﻔﻴﺎت، واﻟﺼﻠﻴﺐ اﻷﺣﻤﺮ، وﻣﺴﺎﻋﺪات اﻟﻜﻮارث، واﻟﺘﺪﺧﻞ اﻟﻌﺴﻜﺮي، وأﻟﻒ ﻋﻤﻞ ﺧﻴﺮي آﺧﺮ ﻣﻦ ﻗِﺒﻞ اﻟﺒﻌﺾ ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ. ﺗﻨﺒﻊ ﺟﻤﻴﻊ ﻫﺬه اﻷﻋﻤﺎل ﺗﻘﺮﻳﺒًﺎ ﻣﻦ ﺟﺬور ﻣﺴﻴﺤﻴﺔ، وﻟﻜﻦ ﻓﻲ ﻫﺬه اﻷﻋﻤﺎل اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ﻟﻢ ﻳُﺬﻛﺮ اﺳﻢ اﻟﻤﺴﻴﺢ اﻟﺤﻘﻴﻘﻲ.
ﻳﺴﻜﻦ ﻓﻲ ﻫﺬه اﻟﻔﺮوع اﻟﺒﺎﺑﻮﻳﻮن واﻟﻤﻮرﻣﻮن واﻟﻜﻔﺎرﻣﻦ ﺷﺘﻰ اﻟﻤﺸﺎرب. ﻳﺠﻮﺑﻮن اﻷرض ﻳﻔﻌﻠﻮن اﻟﺨﻴﺮ ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ، ﻟﻜﻦ دون ﻣﺤﺒﺔ أو ﻃﺎﻋﺔ للرب. إﻧﻬﺎ ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻹﻗﺎﻣﺔ ﻣﻠﻜﻮت ﻣﻊ رﻓﺾ ﻣﻠﻜﻪ. ﺳﺘﺘﻮج ﻫﺬه اﻷﻋﻤﺎل اﻟﻨﺒﻴﻠﺔ ﺑﺘﺘﻮﻳﺞ اﻟﻮﺣﺶ.
ﻓﻲ ﺷﺠﺮة ﺑﺬور اﻟﺨﺮدل ﻳﻮﺟﺪ أﻧﺎس ﻳﻌﺘﻘﺪون أﻧﻬﻢ ﻣﺴﻴﺤﻴﻮن ﻷﻧﻬﻢ ﻟﻴﺴﻮا ﻣﺴﻠﻤﻴﻦ أو ﺑﻮذﻳﻴﻦ وﻷﻧﻬﻢ ﻳﺘﺒﻨﻮن ﺑﻌﺾ ﺗﻌﺎﻟﻴﻢ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ. ﺛﻤﺔ أﻣﺮٌ ﻣﺜﻴﺮٌ ﻟﻼﻫﺘﻤﺎم ﺑﺸﺄن ﺣﺒﺔ اﻟﺨﺮدل ﻫﺬه. ﻳﻘﻮل ﻣﺘﻰ إﻧﻬﺎ زُرﻋﺖ ﻓﻲ حقل، وﻳﻘﻮل ﻣﺮﻗﺲ إﻧﻬﺎ زُرﻋﺖ ﻓﻲ اﻷرض، وﻳﻘﻮل ﻟﻮﻗﺎ إﻧﻬﺎ زُرﻋﺖ ﻓﻲ ﺑﺴﺘﺎن. اﻟﺤﻘﻞ ﻳﺮﻣﺰ إﱃ اﻟﻌﺎﻟﻢ (ﻣﺘﻰ ١٣: ٣٨) ﻟﺬا ﻳﻘﺪم ﻟﻨﺎ ﻣﺘﻰ أوﺳﻊ رؤﻳﺔ. ﻫﺬا ﻫﻮ اﻟﺘﺄﺛﻴﺮ اﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻣﺴﻴﺤﻴﺔ ﻧﻮﻋًﺎ ﻣﺎ، ﻟﻜﻨﻬﺎ ﻟﻴﺴﺖ اﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ. ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ، ﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﺎ ﺗُﺴﺘﺨﺪم اﻷرض ﻛﺮﻣﺰٍ ﻹﺳﺮاﺋﻴﻞ. أﻣﺎ ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻟﻮﻗﺎ ﻓﻘﺪ ﻳﺸﻴﺮ اﻟﺒﺴﺘﺎن إﱃ اﻟﻘﺪﻳﺴﻴﻦ، وﻫﻮ وﺣﻲٌ أﻗﻞّ أﻫﻤﻴﺔ.
ﺛﻢ ﻧﺄﺗﻲ إﱃ اﻟﺨﻤﻴﺮة. “قَالَ لَهُمْ مَثَلًا آخَرَ: «يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا ٱمْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلَاثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ حَتَّى ٱخْتَمَرَ ٱلْجَمِيعُ».” (اﻵﻳﺔ ٣٣).ﻳﻘﻮل ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﻔﺴﺮﻳﻦ إن ﻫﺬا ﻳﻤﺜﻞ اﻻﻧﺘﺸﺎر اﻟﺘﺪرﻳﺠﻲ ﻟﻠﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﺣﺘﻰ ﻳﺼﺒﺢ اﻟﺠﻤﻴﻊ ﻣﺆﻣﻨﻴﻦ. ﻟﻜﻦ ﻫﺬا ﻻ ﻳﺘﻮاﻓﻖ ﻣﻊ ﻣﺎ ورد ﻓﻲ اﻷﻣﺜﺎل اﻷﺧﺮى. ﻓﺎﻟﺸﺠﺮة ﺗﻌﻄﻴﻨﺎ ﺻﻮرة ﺧﺎرﺟﻴﺔ ﻟﻠﻤﻠﻜﻮت، ﺑﻴﻨﻤﺎ اﻟﺨﻤﻴﺮة ﺗﻌﻄﻴﻨﺎ ﺻﻮرة داﺧﻠﻴﺔ. ﻓﻲ اﻟﺸﺠﺮة ﻧﺮى اﻟﻜﻤﻴﺔ، وﻫﻨﺎ ﻧﺮى اﻟﺠﻮدة.
ﻣﻦ اﻟﻼﻓﺖ ﻟﻠﻨﻈﺮ أﻧﻨﺎ ﻧﺠﺪ ﻓﻲ ﻛﱟﻞ ﻣﻦ اﻟﻤﺜﻞ اﻟﺮاﺑﻊ (اﻟﺨﻤﻴﺮة) وﻓﻲ ﻛﻨﻴﺴﺔ ﺛﻴﺎﺗﻴﺮا اﻟﺮاﺑﻌﺔ ﻓﻲ ﺳﻔﺮ اﻟﺮؤﻳﺎ اﻣﺮأةً ﺗﻘﻮم ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ اﻟﻘﺬر. وﻻ ﺷﻚ أن ﻟﻬﻤﺎ اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻧﻔﺴﻪ. ﻓﻔﻲ ﺳﻔﺮ اﻟﺮؤﻳﺎ، ﺗُﻌﻠﱢﻢ اﻟﻤﺮأة وﺗُﻐﻮي، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻫﻨﺎ ﺗُﻀﻴﻒ اﻟﺨﻤﻴﺮة إﱃ اﻟﺪﻗﻴﻖ. وﻓﻲ ﻛﻠﺘﺎ اﻟﺤﺎﻟﺘﻴﻦ، ﺗﻜﻤﻦ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﻓﻲ ﺗﺤﺮﻳﻒ اﻟﻌﻘﻴﺪة. ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺨﻤﻴﺮة ﺗُﻌﺘﺒﺮ ﻋﺎﻣﻼً ﻣُﻔﺴﺪًا ﻳُﻀﺎف إﱃ اﻟﺪﻗﻴﻖ (ﺗﺬﻛﺮوا اﻟﺨﺒﺰ ﻏﻴﺮ اﻟﻤُﺨﱠﻤﺮ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻳُﻄﻠﺐ ﻓﻲ ﻋﻴﺪ اﻟﻔﺼﺢ.) ﻓﻲ ﻛﻼ ﻫﺬﻳﻦ اﻟﻤﻘﻄﻌﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ، ﻧﺠﺪ ﻋﻘﻴﺪةً زاﺋﻔﺔً ﺗُﺪﺧَﻞ إﱃ ﻋﻘﻴﺪةٍ ﺳﻠﻴﻤﺔ، ﻣﻤﺎ ﻳُﺆدي إﱃ ﺗﺤﺮﻳﻔﻬﺎ ﺑﺎﻟﻜﺎﻣﻞ.
ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻘﻮل اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﻤﻌﻠﻤﻴﻦ إن اﻟﻤﺮأة اﻟﻤﺬﻛﻮرة ﻓﻲ ﻣﺘﻰ ١٣ ﻫﻲ ﻋﺮوس اﻟﻤﺴﻴﺢ، ﻓﺈن اﻟﻤﻘﻄﻊ اﻟﻤﻘﺎﺑﻞ ﻓﻲ رؤﻳﺎ ٢ ﻳﻘﻮل ﻏﻴﺮ ذﻟﻚ.
ﻫﻲ إﻳﺰاﺑﻞ. ﻟﻘﺪ أدﺧﻠﺖ ﻋﺒﺎدة اﻟﺒﻌﻞ إﱃ إﺳﺮاﺋﻴﻞ. ﻛﺎﻧﺖ اﻣﺮأةً أﺗﺖ ﻣﻦ ﺛﻘﺎﻓﺔ وﺛﻨﻴﺔ، وﺟﻠﺒﺖ ﺿﻼﻟﻬﺎ إﱃ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﺷﻌﺐ ﷲ. ﻟﻢ ﺗﻨﻜﺮ إﻟﻬﻬﻢ وﻟﻢ ﺗﻬﺪم ﻫﻴﻜﻠﻬﻢ، وﻟﻜﻦ ﺳﺮﻋﺎن ﻣﺎ ﺑﺪأوا ﻳﻌﺒﺪون أﺻﻨﺎﻣﻬﺎ وإﻟﻬﻬﺎ اﻟﺰاﺋﻒ. وﺑﺎﻟﻤﺜﻞ، ﻓﺈن اﻟﻤﺮأة اﻟﺘﻲ ﺣﺬر ﻣﻨﻬﺎ ﻳﺴﻮع ﻟﻢ ﺗﻨﻜﺮ وﺟﻮد اﻟﻤﺴﻴﺢ وﻟﻢ ﺗﺸﻦ ﺣﺮﺑًﺎ ﻋﲆ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ، ﺑﻞ أدﺧﻠﺖ إﻟﻴﻬﺎ ﻋﻘﺎﺋﺪ ﺗﺨﺎﻟﻒ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس. وﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﻤﻄﺎف، اﻧﺘﺸﺮت ﻫﺬه اﻟﻌﻘﺎﺋﺪ ﺣﺘﻰ أﺻﺒﺤﺖ ﻃﺎﺋﻔﺔ أو ﺣﺮﻛﺔ ﺑﺄﻛﻤﻠﻬﺎ ﺑﺎﻃﻠﺔ وﻓﺎﺳﺪة. وﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﺬﻟﻚ، اﺿﻄﺮت ﺣﻔﻨﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ اﻟﺤﻘﻴﻘﻴﻴﻦ إﱃ اﻻﻧﻔﺼﺎل واﻟﺒﺪء ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ. ﺻﻤﺪوا ﻟﻔﺘﺮة، ﺛﻢ ﺗﻜﺮرت اﻟﻌﻤﻠﻴﺔ. وﻫﺬا ﻣﺎ ﻳﺤﺪث ﻣﻨﺬ أﻟﻔﻲ ﻋﺎم.
ﺗﻜﺎد ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻜﻨﺎﺋﺲ ﺗﺘﺒﻨﻰ ﻣﺒﺎدئ اﻟﻤﻠﻜﻮت اﻟﺘﻲ ﻋﻠﻤﻬﺎ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ. وﺗﻨﻜﺮ معظم ﺗﻌﺎﻟﻴﻢ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ. ﻧﺠﺪ ﻳﺴﻮع اﻟﻄﻔﻞ، ﻟﻜﻨﻨﺎ ﻻ ﻧﺠﺪ وﻻدﺗﻪ ﻣﻦ ﻋﺬراء. ﻧﺠﺪ اﻟﺼﻠﺐ واﻟﻘﺪاس. ﻧﺠﺪ اﻟﻘﺒﺮ اﻟﻔﺎرغ واﻟﺨﻼص ﺑﺎﻷﻋﻤﺎل. ﻧﺠﺪ اﻟﻮﻻدة اﻟﺠﺪﻳﺪة وﻣﻌﻤﻮدﻳﺔ اﻷﻃﻔﺎل. ﻧﺠﺪ وﻋﺪ اﻟﻤﻠﻜﻮت وﺣﺮﻛﺔ ﺑﻴﺌﻴﺔ. ﻧﺠﺪ أدﺑﻴﺎت ﻣﻨﺎﻫﻀﺔ ﻟﻺﺟﻬﺎض، وﻻ ﻧﺠﺪ إداﻧﺔ ﻟﻠﺴﻠﻮك اﻟﺠﻨﺴﻲ ﻏﻴﺮ اﻟﻼﺋﻖ. ﻧﺠﺪ ﻗﺮاءة اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس، وﻟﻜﻦ ﻣﻦ ﺗﺮﺟﻤﺔ غير ترجمات الملك جيمس.ﻳﺒﻘﻰ اﻟﻄﻌﺎم، ﻟﻜﻨﻪ ﻣﻠﻲء ﺑﺎﻟﺨﻤﻴﺮة.
ﺑﻌﺪ اﻟﺠﻠﺠﺜﺔ، اﺧﺘﻔﻰ اﻟﺸﻴﻄﺎن ﻋﻦ اﻷﻧﻈﺎر. ﻻ ﺗﺬﻛﺮ اﻟﺮﺳﺎﺋﻞ ﺷﻴﺌًﺎ ﻋﻦ ﻣﺲ اﻟﺸﻴﻄﺎن أو ﻛﻴﻔﻴﺔ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻌﻪ. أﺳﻠﻮﺑﻪ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻌﺼﺮ ﻫﻮ اﻟﺴﻌﻲ ﻟﺤﻤﻞ اﻟﻨﺎس واﻟﻜﻨﺎﺋﺲ ﻋﲆ ﺗﺒﻨﻲ ﻣﺒﺎدئ اﻟﻤﻠﻜﻮت دون ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ. وﻗﺪ ﻧﺠﺢ ﻓﻲ ذﻟﻚ ﻧﺠﺎﺣًﺎ ﺑﺎﻫﺮًا. “ٱلَّذِينَ فِيهِمْ إِلَهُ هَذَا ٱلدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ” (ﻛﻮرﻧﺜﻮس اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ٤:٤).أي ﺳﺒﻴﻞٍ أﻋﻈﻢ ﻹﻋﻤﺎﺋﻬﻢ ﻣﻦ ﺟﻌﻠﻬﻢ ﻳُﺴﻤّﻮن أﻧﻔﺴﻬﻢ ﻣﺴﻴﺤﻴﻴﻦ دون اﺷﺘﺮاط اﻹﻳﻤﺎن ﺑﺎﻟﻤﺴﻴﺢ (ﻣﺎذا ﻛﺎن ﺳﻴﻔﻌﻞ ﻳﺴﻮع؟، اﻟﻮﻓﺎء ﺑﺎﻟﻮﻋﻮد، اﻟﻌﻤﻞ اﻟﻬﺎدف، ﻻ ﻳُﺜﻨﻲ اﻟﻮﻋﺎظ ﻋﻦ اﻹﻳﻤﺎن.) ﻫﻨﺎك ﻣﻈﻬﺮٌ ﻟﻠﺘﻘﻮى، وﻟﻜﻦ إﻧﻜﺎر ﻗﻮﺗﻬﺎ ﻳﻜﻤﻦ ﻓﻲ إﻧﻜﺎرﻫﺎ (ﺗﻴﻤﻮﺛﺎوس اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ٣: ٥).
اﻟﻤﺜﻞ اﻟﺘﺎﻟﻲ ﻣﻮﺟﻮد ﻓﻲ اﻵﻳﺔ ٤٤.ﻣﺮة أﺧﺮى “«أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ كَنْزًا مُخْفًى فِي حَقْلٍ، وَجَدَهُ إِنْسَانٌ فَأَخْفَاهُ. وَمِنْ فَرَحِهِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَٱشْتَرَى ذَلِكَ ٱلْحَقْلَ.” ﺑﻴﻦ اﻷﺳﺒﻮﻋﻴﻦ اﻷﺧﻴﺮﻳﻦ ﻣﻦ ﻧﺒﻮءة داﻧﻴﺎل، ﺗﺸﺘﺖ ﺑﻨﻮ إﺳﺮاﺋﻴﻞ. بذل المسيح حياته اﻟﺜﻤﻴﻨﺔ، اﺷﺘﺮى اﻟﺮب اﻟﻌﺎﻟﻢ. اﻟﺸﻴﻄﺎن عرض ﻋﲆ رﺑﻨﺎ ﻣﻤﺎﻟﻚ ﻫﺬا اﻟﻌﺎﻟﻢ إن ﺳﺠﺪ ﻟﻪ وﻋﺒﺪه، ﻓﺎﺧﺘﺎر ﻳﺴﻮع أن ﻳﺸﺘﺮﻳﻬﺎ ﺑﺒﺬل ﺣﻴﺎﺗﻪ. ووﻓﻘًﺎ ﻟﻬﺬا اﻟﻤﺜﻞ، ﻟﻢ ﻳﻤﺖ ﻳﺴﻮع ﻟﻴﺨﻠﺺ اﻟﺨﻄﺎة ﻓﺤﺴﺐ، ﺑﻞ ﻣﺎت ﻟﻴﺸﺘﺮي اﻷرض ﻟﻴﺘﻤﻜﻦ ﻳﻮﻣًﺎ ﻣﺎ ﻣﻦ ﻓﺪاء إﺳﺮاﺋﻴﻞ وﺟﻤﻌﻬﻢ ﻣﻦ اﻟﺸﺘﺎت وإﻗﺎﻣﺔ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﺘﻲ وﻋﺪ ﺑﻬﺎ آﺑﺎؤﻫﻢ.
ﻳﻘﻮل اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻓﻲ ﻋﺒﺮاﻧﻴﻴﻦ (١٢: ٢) “نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ ٱلْإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، ٱلَّذِي مِنْ أَجْلِ ٱلسُّرُورِ ٱلْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، ٱحْتَمَلَ ٱلصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِٱلْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ ٱللهِ.” وﻛﺎن ﺟﺰء ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻔﺮح ﻫﻮ ﻓﺪاء اﻟﻜﻨﺰ (إﺳﺮاﺋﻴﻞ) اﻟﺬي ﻛﺎن ﻣﺨﺒﺄً ﻓﻲ اﻟﺤﻘﻞ (اﻟﻌﺎﻟﻢ) وإﻗﺎﻣﺔ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﻤﻮﻋﻮدة.
ﻳﺸﺒﻪ ذﻟﻚ ﻣﺜﻞ اﻟﻠﺆﻟﺆة اﻟﻮارد ﻓﻲ اﻵﻳﺘﻴﻦ ٤٥-٤٦.”أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لَآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ ٱلثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَٱشْتَرَاهَا.”
ﺗﺘﻜﻮن اﻟﻠﺆﻟﺆة ﻓﻲ اﻟﺒﺤﺮ وﺗُﺴﺘﺨﺮج ﻣﻨﻪ ﻟﻴﻀﻌﻬﺎ ﺻﺎﺣﺒﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻧﺔ ﻣﺮﻣﻮﻗﺔ. وﺑﺤﺴﺐ ﺳﻔﺮ اﻟﺮؤﻳﺎ ١٧ﻳﺮﻣﺰ اﻟﺒﺤﺮ إﱃ اﻟﺸﻌﻮب واﻷﻣﻢ واﻟﻘﺒﺎﺋﻞ. وﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﻫﻲ اﻟﻤﻘﺼﻮدة. ﻫﺬه اﻟﻠﺆﻟﺆة اﻟﻮاﺣﺪة (وﺣﺪة ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻘﺪﻳﺴﻴﻦ ١ﻛﻮرﻧﺜﻮس ١٢ \\ أﻓﺴﺲ ٤) اﻟﺘﻲ أُﺧﺬت ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻷﻣﻢ (أﻋﻤﺎل اﻟﺮﺳﻞ ١٥) ﻟﻴﻀﻌﻬﺎ ﺻﺎﺣﺒﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻧﺔ ﻣﺮﻣﻮﻗﺔ (أﻓﺴﺲ ١)اﺷﺘﺮاﻫﺎ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع ﺑﺪﻣﻪ اﻟﺜﻤﻴﻦ (١ﺑﻄﺮس ١: ١٨-١٩).
ﻳﻘﻮل آﺧﺮ اﻷﻣﺜﺎل: “أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ شَبَكَةً مَطْرُوحَةً فِي ٱلْبَحْرِ، وَجَامِعَةً مِنْ كُلِّ نَوْعٍ. فَلَمَّا ٱمْتَلَأَتْ أَصْعَدُوهَا عَلَى ٱلشَّاطِئِ، وَجَلَسُوا وَجَمَعُوا ٱلْجِيَادَ إِلَى أَوْعِيَةٍ، وَأَمَّا ٱلْأَرْدِيَاءُ فَطَرَحُوهَا خَارِجًا. هَكَذَا يَكُونُ فِي ٱنْقِضَاءِ ٱلْعَالَمِ: يَخْرُجُ ٱلْمَلَائِكَةُ وَيُفْرِزُونَ ٱلْأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ ٱلْأَبْرَارِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ ٱلنَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلْأَسْنَانِ».” (اﻵﻳﺎت ٤٧-٥٠).
ﻟﻘﺪ رأﻳﻨﺎ أن اﻟﺒﺤﺮ ﻳﺮﻣﺰ إﱃ اﻷﻣﻢ ﻏﻴﺮ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ. واﻟﺸﺒﻜﺔ اﻟﺘﻲ ﺗُﻠﻘﻰ ﻓﻲ اﻟﺒﺤﺮ إﺷﺎرة واﺿﺤﺔ إﱃ اﻟﻤﺤﺎوﻻت اﻟﻤﺒﺬوﻟﺔ ﻟﺴﺤﺐ اﻷﻓﺮاد ﻣﻦ اﻷﻣﻢ وﺟﻤﻌﻬﻢ. وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻓﺈن ﻫﺬا اﻟﻤﺜﻞ اﻷﺧﻴﺮ ﻗﺪ ﻧﻘﻠﻨﺎ إﱃ ﻣﺎ وراء ﻋﺼﺮ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ وإﱃ اﻷﺳﺒﻮع اﻷﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﻧﺒﻮءة داﻧﻴﺎل. وﻫﺬا ﻣﺎ ﻧﺮاه، ﻣﻦ أﺟﻞ:
١.إن اﻟﺘﺠﻤﻊ ﻟﻴﺲ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﻴﺢ ﺑﻞ ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات.
٢.ﻻ ﻳﺘﻢ ﻫﺬا اﻟﺘﺠﻤﻊ ﺑﻮاﺳﻄﺔ اﻟﺒﺸﺮ ﺑﻞ ﺑﻮاﺳﻄﺔ اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ.
٣.ﻻ ﻳﺘﻢ ﺗﻤﺪﻳﺪ اﻟﺤﺪث، ﺑﻞ ﻳﻘﺘﺼﺮ ﻋﲆ ﻧﻬﺎﻳﺔ.
٤.ﺑﻌﺾ اﻟﺬﻳﻦ ﺗﻢ ﺟﻤﻌﻬﻢ ﻳﻨﺠﻮن، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﻬﻠﻚ اﻟﺒﻌﺾ اﻵﺧﺮ.
ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ﻫﺬا اﻟﻌﻤﻞ ﻳﺘﻢ ﻟﺘﺨﻠﻴﺺ اﻷرض ﻣﻦ أوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﻧﺠﻮا ﻣﻦ الضيقه اﻟﻌﻈﻴﻤﺔ وﻟﻜﻨﻬﻢ ﻏﻴﺮ ﻣﺆﻫﻠﻴﻦ ﻟﻤﻜﺎن ﻓﻲ ﻣﻤﻠﻜﺔ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ اﻷرﺿﻴﺔ.
ﻳﺘﻢ ﺗﻌﻠﻴﻢ ﻫﺬه اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﺜﻞ اﻟﺮﺟﻞ اﻟﺬي دﺧﻞ اﻟﻌﺮس وﻟﻜﻨﻪ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﺮﺗﺪي ﻣﻼﺑﺲ ﻣﻨﺎﺳﺒﺔ (ﻣﺘﻰ ٢٢: ١١) وﺗﻢ ﻃﺮده ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﺬﻟﻚ.
ﻫﺬا اﻟﻤﻘﻄﻊ ﻳُﻮازﻳﻪ ﻣﺎ ﺟﺎء ﻓﻲ إﺷﻌﻴﺎء (٦٦: ١٩-٢٠). “وَأَجْعَلُ فِيهِمْ آيَةً، وَأُرْسِلُ مِنْهُمْ نَاجِينَ إِلَى ٱلْأُمَمِ، إِلَى تَرْشِيشَ وَفُولَ وَلُودَ ٱلنَّازِعِينَ فِي ٱلْقَوْسِ، إِلَى تُوبَالَ وَيَاوَانَ، إِلَى ٱلْجَزَائِرِ ٱلْبَعِيدَةِ ٱلَّتِي لَمْ تَسْمَعْ خَبَرِي وَلَا رَأَتْ مَجْدِي، فَيُخْبِرُونَ بِمَجْدِي بَيْنَ ٱلْأُمَمِ. وَيُحْضِرُونَ كُلَّ إِخْوَتِكُمْ مِنْ كُلِّ ٱلْأُمَمِ، تَقْدِمَةً لِلرَّبِّ، عَلَى خَيْلٍ وَبِمَرْكَبَاتٍ وَبِهَوَادِجَ وَبِغَالٍ وَهُجُنٍ إِلَى جَبَلِ قُدْسِي أُورُشَلِيمَ، قَالَ ٱلرَّبُّ، كَمَا يُحْضِرُ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَقْدِمَةً فِي إِنَاءٍ طَاهِرٍ إِلَى بَيْتِ ٱلرَّبِّ.”
ﻣﺮة أﺧﺮى ﻧﺮى أﻧﻪ ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ أن ﻳﻜﻮن اﻟﻤﺮء ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات دون أن ﻳﻮﻟﺪ ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ. إن ﻋﺒﺎرة “ﻣﻦ ﻳﺼﺒﺮ إﱃ اﻟﻤﻨﺘﻬﻰ ﻓﺬاك ﻳﺨﻠﺺ” (ﻣﺘﻰ ١٠: ٢٢ \\ ٢٤: ١٣) ﻻ ﺗﺸﻴﺮ إﱃ ﺧﻼص اﻟﻨﻔﺲ أﺛﻨﺎء الضيقة، ﻛﻤﺎ زﻋﻢ اﻟﺒﻌﺾ المخطئين، ﺑﻞ إﱃ ﺧﻼص اﻟﺠﺴﺪ (ﻣﺘﻰ ٢٤: ٢٢) ﻣﻦ اﻟﻤﻮت. ﻗﺪ ﻳﺪﺧﻞ ﻫﺆﻻء اﻟﻨﺎﺟﻮن اﻟﻤﻠﻜﻮت، وﻟﻜﻦ ﻫﻞ ﺳﻴُﺴﻤﺢ ﻟﻬﻢ ﺑﺎﻟﺒﻘﺎء واﻟﺘﻤﺘﻊ ﺑﻪ؟ ﺑﻌﺾ اﻷﺳﻤﺎك ﺗُﺼﻄﺎد ﻣﻦ اﻟﺸﺒﺎك وﺗُﺤﺘﻔﻆ ﺑﻬﺎ ﻷﻧﻬﺎ ﻋﺎﺷﺖ وﻓﻘًﺎ ﻟﻤﺒﺎدئ اﻟﻤﻠﻜﻮت. ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺗُﺼﻄﺎد أﺳﻤﺎك أﺧﺮى ﻣﻦ اﻟﺸﺒﺎك وﺗُﻠﻘﻰ ﻓﻲ اﻟﻨﺎر ﻷن أﻋﻤﺎﻟﻬﺎ ﺗﺠﻌﻠﻬﺎ ﻏﻴﺮ ﻻﺋﻘﺔ ﺑﺎﻟﻤﻠﻜﻮت.
وﻫﻨﺎ ﻳﻘﻊ دارس اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس اﻟﻤﻬﻤﻞ ﻓﻲ ﻣﺄزق ﺣﻘﻴﻘﻲ.
١. ﻗﺪ ﻳﻨﺎل اﻟﻨﺎس اﻟﺨﻼص اﻟﺮوﺣﻲ ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن ﺑﻴﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ، ﻣﻤﺎ ﻳﺠﻌﻠﻬﻢ ﺟﺰءًا ﻣﻦ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ. وﺳﻴُﻜﺸﻒ أﻣﺮﻫﻢ ﻗﺒﻞ ﺣﻠﻮل ﻏﻀﺐ ﷲ. ﺳﻴﻌﻮدون ﻟﻴﻤﻠﻜﻮا ﻣﻌﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺤﻜﻢ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات.
٢. ﻗﺪ ﻳﻨﺠﻮ اﻟﻨﺎس ﻣﻦ اﻟﻤﻮت اﻟﺠﺴﺪي ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﻤﻜﺮ أو ﻓﺮﺻﺔٌ ﺳﺎﻧﺤﺔٌ ﻟﺪﺧﻮل ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﺗﺤﺖ ﺣﻜﻢ اﻟﻤﻠﻚ ﻳﺴﻮع. أﻣﺎ ﻣﻦ ﻣﺎﺗﻮا دون إﻳﻤﺎن ﺑﻴﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ، ﻓﺴﻴُﻠﻘﻮن ﻓﻲ ﺟﻬﻨﻢ، ﻷﻧﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮا ﻗﻂ ﺟﺰءًا ﻣﻦ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ.

اﻟﻌﻨﺼﺮ اﻷﺳﺎﺳﻲ اﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﻲ دراﺳﺔ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻫﻮ اﻟﻤﻘﻄﻊ اﻟﺬي أﺛﺎر ﺣﻴﺮة اﻟﺒﺎﺑﻮﻳﻴﻦ واﻟﺒﺮوﺗﺴﺘﺎﻧﺖ. ﻳﻘﻮل ﻣﺘﻰ (١٦: ١٨-١٩) “وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هَذِهِ ٱلصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ ٱلْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى ٱلْأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى ٱلْأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».”
ﺑﻤﺎ أن ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻫﻮ ﻣﻠﻜﻮت اﻷرض اﻟﻤﺎدي، ﻓﻼ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻬﺬه اﻵﻳﺔ ﺑﺎﻟﻮﻻدة اﻟﺠﺪﻳﺪة أو ﻧﻴﻞ اﻟﺤﻴﺎة اﻷﺑﺪﻳﺔ. ﻓﻲ اﻟﺒﺪاﻳﺔ، ﺗﺨﲆ ﺑﻄﺮس ﻋﻦ ﻛﻞ ﺷﻲء ﻟﻴﺘﺒﻊ ﻳﺴﻮع. ﻟﻜﻨﻪ ﻻﺣﻘًﺎ ﻏﻀﺐ ﻣﻦ اﻟﺮب، وﺗﺨﲆ ﻋﻨﻪ، وأﻧﻜﺮه. ﺛﻢ ﺗﺎب، وآﻣﻦ ﺑﺎﻟﻤﺴﻴﺢ اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻷﻣﻮات، وأﺻﺒﺢ ﻣﻦ أﺗﺒﺎﻋﻪ. ﻫﺬه ﻫﻲ ﻣﻔﺎﺗﻴﺢ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات.
ﻓﻲ اﻟﺒﺪاﻳﺔ، ﺗﺨﲆ اﻟﻴﻬﻮد ﻋﻦ ﻛﻞ ﺷﻲء ﻟﻴﺘﺒﻌﻮا ﻳﺴﻮع اﺳﺘﺠﺎﺑﺔً ﻟﺘﺒﺸﻴﺮ ﻳﻮﺣﻨﺎ، وﺗﻮاﻓﺪوا ﻋﲆ ﺻﺎﻧﻊ اﻟﻤﻌﺠﺰات. ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻻﺣﻘًﺎ ﻏﻀﺒﻮا ﻣﻦ اﻟﺮب، وﺗﺮﻛﻮه، وأﻧﻜﺮوه. ﺑﻜﻠﻤﺎت ﻣﺜﻞ: “«ٱصْلِبْهُ! ٱصْلِبْهُ!».” (ﻟﻮﻗﺎ ٢٣: ٢١) “«لَيْسَ هَذَا بَلْ بَارَابَاسَ!».” (ﻳﻮﺣﻨﺎ ١٨: ٤٠) “«دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلَادِنَا».” (ﻣﺘﻰ ٢٧: ٢٥) اﻧﺼﺮﻓﻮا ﻋﻦ ﻣﺴﻴﺤﻬﻢ. ﻣﻊ ذﻟﻚ، إن ﺗﺎﺑﻮا ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ، وآﻣﻨﻮا ﺑﺎﻟﻤﺴﻴﺢ اﻟﻘﺎﺋﻢ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻷﻣﻮات، وأﺻﺒﺤﻮا ﻣﻦ أﺗﺒﺎﻋﻪ، ﻓﺴﻴﺪﺧﻠﻮن ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات. وﻫﺬا ﻣﺎ ﺳﻴﺤﺪث ﻟﺒﻘﻴﺔ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﺰﻣﺎن.
ﻻ ﻳﻔﺘﺢ ﺑﻄﺮس ﺑﺎﺑًﺎ وﻳﺴﻤﺢ ﻟﻠﻨﺎس ﺑﺎﻟﺪﺧﻮل إﱃ اﻟﺴﻤﺎء، ﺑﻞ ﻳﺤﻤﻞ ﻓﻲ ﻳﺪه اﻟﻤﻔﺘﺎح اﻟﺬي ﺳﻴﺴﻤﺢ ﻟﻠﻴﻬﻮد اﻟﺘﺎﺋﺒﻴﻦ ﺑﺪﺧﻮل اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻷرﺿﻴﺔ.
وﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻳﺄﺧﺬﻧﺎ ﻣﺘﻰ إﱃ اﻟﻤﻘﺎﻃﻊ اﻟﻤﻌﺮوﻓﺔ ﻋﻦ اﻟﻌﻼﻣﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﺴﺒﻖ ﺗﻮﻟﻲ اﻟﺮب اﻟﻤﻠﻜﻮت (٢٤)و ﺣﻜﻢ اﻷﻣﻢ ﻓﻲ ﺑﺪاﻳﺔ اﻟﻤﻠﻜﻮت ،(٢٥)وﻫﻲ أﻣﻮر ﻣﻔﺼﻠﺔ ﻓﻲ ﻋﻤﻠﻨﺎ ﻋﲆ ﺳﻔﺮ اﻟﺮؤﻳﺎ واﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ اﻟﺨﻮض ﻓﻴﻬﺎ ﻫﻨﺎ.
ﻟﻨﻘﺎرن اﻵن ﺑﻴﻦ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ وإﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ. ﻳﺴﺠﻞ ﻛﻼ اﻹﻧﺠﻴﻠﻴﻦ اﻧﺘﻘﺎل ﷲ ﻣﻦ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ إﱃ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ. ﻳﺸﻬﺪ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ ﺗﺤﻮﻻً واﺿﺤًﺎ ﻓﻲ اﻹﺻﺤﺎح اﻟﺮاﺑﻊ وآﺧﺮ ﻓﻲ اﻹﺻﺤﺎح اﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮ، وﻫﻤﺎ ﻣﺸﺎﺑﻬﺎن ﻟﻠﺘﺤﻮل اﻟﺬي ﻧﺮاه ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ اﻹﺻﺤﺎح اﻟﺜﺎﻟﺚ ﻋﺸﺮ.
ﻳﺴﺠﻞ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ ٣ ﺗﻌﺎﻣﻞ اﻟﺮب ﻣﻊ اﻟﺮﺟﻞ ذي اﻟﻴﺪ اﻟﻴﺎﺑﺴﺔ. ﻋﲆ ﺣﺪ ﻋﻠﻤﻨﺎ، ﻛﺎن ﺑﺎﻗﻲ ﺟﺴﺪه ﺳﻠﻴﻤًﺎ، ﻟﻜﻦ ﻳﺪه اﻟﻴﺎﺑﺴﺔ ﺟﻌﻠﺘﻪ ﻣُﻘﻌﺪًا. ﻳُﻤﺜﻞ ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ اﻟﻔﺮﻳﺴﻴﻴﻦ. ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻲ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻋﻴﺐ، وﻻ ﻓﻲ اﻟﻬﻴﻜﻞ ﻋﻴﺐ، وﻻ ﻓﻲ اﻟﺬﺑﺎﺋﺢ ﻋﻴﺐ. ﻟﻜﻦ أوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻤﻔﺘﺮض أن ﻳﻜﻮﻧﻮا ﻋﻮﻧًﺎ ﻟﻠﻪ ﻓﻘﺪوا ﻣﺤﺒﺘﻪ وﺣﻮّﻟﻮا ﻋﺒﺎدة ﷲ إﱃ دﻳﻦٍ ﻳُﻘﺼﻴﻪ.
ﻳﺼﻄﺪم ﻳﺴﻮع ﺑﺎﻟﻔﺮﻳﺴﻴﻴﻦ ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ ٣. ﺷُﻔﻲ اﻟﺮﺟﻞ اﻟﻤﺬﻛﻮر آﻧﻔًﺎ، ﺛﻢ دﺧﻠﺖ ﻋﺎﺋﻠﺔ ﻳﺴﻮع ﻓﻲ اﻟﻤﺸﻬﺪ. ﻳﺴﺠﻞ ﻣﺮﻗﺲ (٣: ٣١) “فَجَاءَتْ حِينَئِذٍ إِخْوَتُهُ وَأُمُّهُ وَوَقَفُوا خَارِجًا وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَدْعُونَهُ” ﺗﺄﻣﻠﻮا ﻫﺬا اﻟﻤﺸﻬﺪ ﺟﻴﺪًا. ﻛﺎن ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ، ﻣﻠﻚ اﻟﻴﻬﻮد، ﻳُﺒﺸّﺮ. وﻛﺎن أﻗﺎرﺑﻪ، وﻫﻢ ﻳﻠﻤﺴﻮن ﺟﺴﺪه، واﻗﻔﻴﻦ ﻓﻲ اﻟﺨﺎرج، ﻗﺎﺋﻠﻴﻦ: “تعال إﱃ ﻫﻨﺎ ﺣﻴﺚ ﻧﺤﻦ.” وﻛﺎن ﻳﺴﻮع ﺟﺎﻟﺴًﺎ ﻓﻲ اﻟﺪاﺧﻞ، ﻗﺎﺋﻼً: “ﻻ، ﺑﻞ ﻋﻠﻴﻜﻢ أﻧﺘﻢ أن ﺗﺪﺧﻠﻮا إﱃ ﻫﻨﺎ ﺣﻴﺚ أﻧﺎ.” ﻓﻘﺎل: “ﻟﻦ أﺑﺮح ﻣﻜﺎﻧﻲ”، ﻓﻘﺎﻟﻮا: “ﻟﻦ ﻧﺒﺮح ﻣﻜﺎﻧﻨﺎ.” وﻫﻜﺬا ﻛﺎن اﻻﻓﺘﺮاق ﻓﻲ ﺑﺪاﻳﺔ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ ٤.اﺗﺨﺬ ﻳﺴﻮع ﻗﺮارًا ﺣﺎﺳﻤًﺎ ﺑﺎﻻﺑﺘﻌﺎد ﻋﻦ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات وأﻣﺔ إﺳﺮاﺋﻴﻞ، وﺑﺪأ ﻳﺄﺧﺬ اﻟﺤﻘﺎﺋﻖ اﻟﺮوﺣﻴﺔ إﱃ ﻋﻮاﻟﻢ ﺧﺎﺻﺔ ﻣﻊ ﺗﻼﻣﻴﺬه.
اﻧﺘﺒﻪ ﺟﻴﺪًا. ﻳﻘﻮل إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ (٣: ٣٢-٣٥) “وَكَانَ ٱلْجَمْعُ جَالِسًا حَوْلَهُ، فَقَالُوا لَهُ: «هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ خَارِجًا يَطْلُبُونَكَ»..”… إن رواﺑﻂ ﻳﺴﻮع اﻟﺠﺴﺪﻳﺔ واﻷرﺿﻴﺔ ﺗﻨﺎدي… “فَأَجَابَهُمْ قَائِلًا: «مَنْ أُمِّي وَإِخْوَتِي؟». ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى ٱلْجَالِسِينَ وَقَالَ: «هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي، لِأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ ٱللهِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي».” إﻧﻪ ﻳﻘﻄﻊ اﻟﺮواﺑﻂ اﻟﻤﺎدﻳﺔ ﻟﺼﺎﻟﺢ اﻟﺮواﺑﻂ اﻟﺮوﺣﻴﺔ.
ﺛﻢ ﻳﺒﺪأ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ ٤ ﺑﺎﻵﻳﺔ: “وَٱبْتَدَأَ أَيْضًا يُعَلِّمُ عِنْدَ ٱلْبَحْرِ، فَٱجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ ٱلسَّفِينَةَ وَجَلَسَ عَلَى ٱلْبَحْرِ، وَٱلْجَمْعُ كُلُّهُ كَانَ عِنْدَ ٱلْبَحْرِ عَلَى ٱلْأَرْضِ.” (اﻵﻳﺔ ١).ﻻﺣﻆ ﻣﺮة أﺧﺮى ﻛﻴﻒ أﻧﻪ ﻳﻨﻔﺼﻞ ﻋﻦ ﺟﻤﻮع اﻟﻴﻬﻮد اﻟﻮاﻗﻔﻴﻦ ﻋﲆ اﻟﺒﺮ، وﻫﻮ اﻵن ﺟﺎﻟﺲ ﻋﲆ اﻟﺒﺤﺮ. وﻫﺬا ﻳُﻌﻴﺪﻧﺎ إﱃ رؤﻳﺎ (١٧: ١ \\ ١٥) “ثُمَّ جَاءَ وَاحِدٌ مِنَ ٱلسَّبْعَةِ ٱلْمَلَائِكَةِ ٱلَّذِينَ مَعَهُمُ ٱلسَّبْعَةُ ٱلْجَامَاتُ، وَتَكَلَّمَ مَعِي قَائِلًا لِي: «هَلُمَّ فَأُرِيَكَ دَيْنُونَةَ ٱلزَّانِيَةِ ٱلْعَظِيمَةِ ٱلْجَالِسَةِ عَلَى ٱلْمِيَاهِ ٱلْكَثِيرَةِ”…”ثُمَّ قَالَ لِيَ: «ٱلْمِيَاهُ ٱلَّتِي رَأَيْتَ حَيْثُ ٱلزَّانِيَةُ جَالِسَةٌ، هِيَ شُعُوبٌ وَجُمُوعٌ وَأُمَمٌ وَأَلْسِنَةٌ.”
ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ ٣ وﺑﺪاﻳﺔ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ ٤ ﻧﺮى ﻳﺴﻮع ﻳﻨﻔﺼﻞ ﻋﻦ رواﺑﻄﻪ اﻟﻮﻃﻨﻴﺔ.
ﻓﻲ اﻵﻳﺔ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، ﻧﺘﺎﺑﻊ ﺑﺎﻟﻘﻮل: “فَكَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَثِيرًا بِأَمْثَالٍ.” ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻫﻨﺎك أﻣﺜﺎل ﺣﺘﻰ ذﻟﻚ اﻟﺤﻴﻦ. ﻣﺎ ﻛﺎن ﻋﻼﻧﻴًﺎ أﺻﺒﺢ اﻵن ﺧﺎﺻًﺎ.
“وَلَمَّا كَانَ وَحْدَهُ سَأَلَهُ ٱلَّذِينَ حَوْلَهُ مَعَ ٱلِٱثْنَيْ عَشَرَ عَنِ ٱلْمَثَلِ، فَقَالَ لَهُمْ: (ﻻ ﻟﻌﺎﺋﻠﺘﻪ، وﻻ ﻟﻸﻣﺔ، ﺑﻞ ﻟﻠﺘﻼﻣﻴﺬ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ) «قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا سِرَّ مَلَكُوتِ ٱللهِ. وَأَمَّا ٱلَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ (ﻋﺎﺋﻠﺘﻪ اﻷرﺿﻴﺔ، أﻣﺘﻪ اﻷرﺿﻴﺔ)، فَبِٱلْأَمْثَالِ يَكُونُ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ، لِكَيْ يُبْصِرُوا مُبْصِرِينَ (ﺑﻤﻌﻨﻰ ﻣﺎدي) وَلَا يَنْظُرُوا (ﺑﻤﻌﻨﻰ روﺣﻲ)، وَيَسْمَعُوا سَامِعِينَ (ﺑﻤﻌﻨﻰ ﻣﺎدي) وَلَا يَفْهَمُوا (ﺑﻤﻌﻨﻰ روﺣﻲ)، لِئَلَّا يَرْجِعُوا فَتُغْفَرَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ».” (اﻵﻳﺎت ١٠-١٢). وﻫﻜﺬا ﻧﺮى ﻓﻲ ﺑﺪاﻳﺔ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ أن ﻳﺴﻮع وﺿﻊ ﺣﺪًا ﻷوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ رﻓﻀﻮا ﻣﻦ داﺧﻞ اﻷﻣﺔ إﻋﻼﻧﻪ ﻣﺴﻴﺤًﺎ ﻟﻬﻢ.
ﻟﻮ ﻛﺎن ﺑﻨﻮ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻣﺨﻠﺼﻴﻦ ﻟﻴﻬﻮه، ﻟﻤﺎ ﻛﺎن ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻣﺮض. ﻟﻘﺪ ﺷﻔﻰ ﻳﺴﻮع ﻣﺮﺿﺎﻫﻢ. وﻟﻮ ﻛﺎﻧﻮا ﻣﻠﺘﺰﻣﻴﻦ ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ اﻟﻤﻘﺪﺳﺔ، ﻟﻤﺎ ﻛﺎن ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻣﺲّ ﺷﻴﻄﺎن. ﻟﻘﺪ أﺧﺮج ﻳﺴﻮع ﺷﻴﺎﻃﻴﻨﻬﻢ. أﻇﻬﺮ ﻧﻔﺴﻪ إﻟﻬًﺎ ﻗﺪﻳﺮًا ﻣﺘﺠﺴﺪًا، ﻟﻴﻄﻬﺮﻫﻢ ﺑﺮﺣﻤﺘﻪ. ﻟﻜﻨﻬﻢ رﻓﻀﻮه. وﻧﺘﻴﺠﺔ ﻟﺬﻟﻚ، ﺣُﺮﻣﻮا ﻣﻦ اﻟﺤﻖ اﻟﺬي أُﻋﻠﻦ ﻟﻬﻢ ﺳﺎﺑﻘًﺎ. ﻟﻴﺲ اﻷﻣﺮ ﻣﺮﺳﻮﻣﺎً ﻛﺎﻟﻔﻴﻨﻴﺎً ﺑﺎﻟﻠﻌﻨﺔ، ﺑﻞ ﻫﻮ اﻟﻈﻼم اﻟﺬي ﻳﻨﺸﺄ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳُﺤﺘﻘﺮ اﻟﻨﻮر.
ﻻﺣﻆ اﻻﻧﺘﻘﺎل اﻟﻤﻤﺎﺛﻞ ﻓﻲ ﻣﺘﻰ (١٢: ٤٦-٥٠). ” وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُ ٱلْجُمُوعَ إِذَا أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ قَدْ وَقَفُوا خَارِجًا طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوهُ. فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ: «هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجًا طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ». فَأَجَابَ وَقَالَ لِلْقَائِلِ لَهُ: «مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتي؟». ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ تَلَامِيذِهِ وَقَالَ: «هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي. لِأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي».”
ﻫﺬه اﻟﻤﻘﺎﻃﻊ اﻟﺘﻲ ﺗﺒﺪو ﻣﺘﻄﺎﺑﻘﺔ ﺗﺤﻤﻞ ﺑﻌﺾ اﻻﺧﺘﻼﻓﺎت اﻟﻤﻬﻤﺔ. ﻳﻘﻮل ﻣﺮﻗﺲ (٣: ٣٥) “لِأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ ٱللهِ” وﻳﻘﻮل ﻣﺘﻰ (١٢: ٥٠) “يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ” إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ ﻫﻮ ﻛﺘﺎب ﻳﻬﻮدي ﻳﺘﻨﺎول ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، وﻟﺬا ﻧﺠﺪ ﻓﻴﻪ إﺷﺎرة إﱃ اﻵب وﻋﻼﻗﺘﻪ ﺑﺎﻷﻣﺔ. أﻣﺎ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ ﻓﻬﻮ ﻛﺘﺎب ﻏﻴﺮ ﻳﻬﻮدي ﻳﺘﻨﺎول ﻣﻠﻜﻮت ﷲ. ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﺪى ﻏﻴﺮ اﻟﻴﻬﻮد أب ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء، ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻟﻄﺎﻟﻤﺎ آﻣﻨﻮا ﺑﺈﻟﻪ.
ﻳﻘﻮل ﻳﻮﺣﻨﺎ (٣: ١-٥) “كَانَ إِنْسَانٌ مِنَ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ ٱسْمُهُ نِيقُودِيمُوسُ، رَئِيسٌ لِلْيَهُودِ. هَذَا جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلًا وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ ٱللهِ مُعَلِّمًا، لِأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هَذِهِ ٱلْآيَاتِ ٱلَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ ٱللهُ مَعَهُ»…. أﻗﻨﻌﺖ اﻟﻤﻌﺠﺰات اﻟﻴﻬﻮد، ﻟﻜﻨﻬﻢ رﻓﻀﻮا ﻣﺎ أراﻫﻢ ﷲ إﻳﺎه. ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺪﻳﻬﻢ اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ وﻟﻜﻦ ﻟﻴﺲ ﻟﺪﻳﻬﻢ اﻹﻳﻤﺎن… أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ ٱللهِ». (روﺣﻲ) قَالَ لَهُ نِيقُودِيمُوسُ: «كَيْفَ يُمْكِنُ ٱلْإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟ أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟». (ﺟﺴﺪي) أَجَابَ يَسُوعُ: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنَ ٱلْمَاءِ وَٱلرُّوحِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ ٱللهِ. (روﺣﻲ)” إذا أردت دﺧﻮل ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، ﻓﻌﻠﻴﻚ أن ﺗﺒﻘﻰ ﻋﲆ ﻗﻴﺪ اﻟﺤﻴﺎة ﺣﺘﻰ ﻳﺠﻠﺲ اﻟﻤﻠﻚ ﻋﲆ اﻟﻌﺮش. إذا أردتَ دﺧﻮل ﻣﻠﻜﻮت ﷲ، ﻓﻼ ﺑﺪّ ﻟﻚ ﻣﻦ وﻻدة ﺛﺎﻧﻴﺔ -وﻻدة روﺣﻴﺔ. ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻷي وﻻدة ﺟﺴﺪﻳﺔ أن ﺗُﺪﺧﻠﻚ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ.

اﻧﻈﺮ إﱃ ﻟﻮﻗﺎ (١٧: ٢٠-٢١). “وَلَمَّا سَأَلَهُ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ: «مَتَى يَأْتِي مَلَكُوتُ ٱللهِ؟». أَجَابَهُمْ وَقَالَ: «لَا يَأْتِي مَلَكُوتُ ٱللهِ بِمُرَاقَبَةٍ، وَلَا يَقُولُونَ: هُوَذَا هَهُنَا، أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! لِأَنْ هَا مَلَكُوتُ ٱللهِ دَاخِلَكُمْ».” ﻫﻨﺎك ﻣﺌﺎت اﻷﻣﻮر اﻟﺘﻲ ﻳﺬﻛﺮﻫﺎ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ واﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻠﻤﺮء ﻣﻼﺣﻈﺘﻬﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات. ﻟﻴﺲ ﻫﻨﺎك ﺷﻲء ﻣﺮﺋﻲ ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ. ﻳﻮﻟﺪ اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻴﻪ روﺣﻴﺎً، وﻫﻮ ﻳﺴﻜﻦ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ اﻟﻤﺆﻣﻦ.
ﻗﺎرن ﻣﺮة أﺧﺮى ﺑﻴﻦ ﻣﺮﻗﺲ (٤: ١١) وﻣﺘﻰ (١٣: ١١). “فَقَالَ لَهُمْ: «قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا سِرَّ مَلَكُوتِ ٱللهِ…” ﻣﺮﻗﺲ (٤: ١١). “فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «لِأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا لِأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ.” ﻣﺘﻰ (١٣: ١١).
ﻫﻞ ﻻﺣﻈﺖَ أن أﺣﺪﻫﻤﺎ ﻟﻐﺰٌ واﺣﺪ، ﺑﻴﻨﻤﺎ اﻵﺧﺮ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔٌ ﻣﻦ اﻷﻟﻐﺎز؟ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻟﻴﺲ ﻟﻐﺰًا، ﻓﻜﻞ ﻛﺘﺎبٍ ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ ﻣﻠﻲءٌ ﺑﺎﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎت ﻋﻨﻪ. ﻣﺎ ﺗﻜﺸﻔﻪ اﻷﻣﺜﺎل ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ “١٣” ﻫﻮ ﺑﻌﺾ اﻷﻣﻮر اﻟﻐﺮﻳﺒﺔ وﻏﻴﺮ اﻟﻤﺘﻮﻗﻌﺔ ﻋﻦ ذﻟﻚ اﻟﻤﻠﻜﻮت، ﻷﻧﻪ ﻟﻢ ﻳُﻬﻴﺌﻬﻢ ﺷﻲءٌ ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ ﻟﻔﺘﺮة ﻋﺼﺮ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﺑﻴﻦ اﻷﺳﺒﻮﻋﻴﻦ اﻷﺧﻴﺮﻳﻦ ﻣﻦ ﺳﻔﺮ داﻧﻴﺎل “٩”.ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻟﻴﺲ ﻟﻐﺰًا، ﻟﻜﻦ ﺑﻌﺾ اﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ اﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﻪ ﺗﺒﻘﻰ ﻏﺎﻣﻀﺔ.
أﻣﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﻠﻜﻮت ﷲ، ﻓﺈن اﻷﻣﺮ ﺑﺮﻣﺘﻪ ﻟﻐﺰ، ﻷﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺘﻢ اﻟﻜﺸﻒ ﻋﻦ أي ﺷﻲء ﻣﻨﻪ ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ. إن إﻧﺠﻴﻠﻲ ﻣﺘﻰ وﻣﺮﻗﺲ ﻟﻴﺴﺎ إﻧﺠﻴﻠﻴﻦ ﻣﺘﻄﺎﺑﻘﻴﻦ. ﻓﻬﻤﺎ ﺑﺎﻟﺘﺄﻛﻴﺪ ﻻ ﻳﻘﺪﻣﺎن ﻧﻔﺲ اﻟﺮؤﻳﺔ ﻷي ﺷﻲء. ﺑﻞ ﻳﻌﻠﻤﺎن ﺣﻘﺎﺋﻖ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﺗﻤﺎﻣﺎً.
ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ (٤: ١٤-٢٠) ﻧﻘﺮأ ﻣﺜﻞ اﻟﺰارع وﻋﻼﻗﺘﻪ ﺑﺎﻟﻤﻠﻜﻮت اﻟﺮوﺣﻲ. “اَلزَّارِعُ يَزْرَعُ ٱلْكَلِمَةَ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ ٱلَّذِينَ عَلَى ٱلطَّرِيقِ: حَيْثُ تُزْرَعُ ٱلْكَلِمَةُ، وَحِينَمَا يَسْمَعُونَ يَأْتِي ٱلشَّيْطَانُ لِلْوَقْتِ وَيَنْزِعُ ٱلْكَلِمَةَ ٱلْمَزْرُوعَةَ فِي قُلُوبِهِمْ. وَهَؤُلَاءِ كَذَلِكَ هُمُ ٱلَّذِينَ زُرِعُوا عَلَى ٱلْأَمَاكِنِ ٱلْمُحْجِرَةِ: ٱلَّذِينَ حِينَمَا يَسْمَعُونَ ٱلْكَلِمَةَ يَقْبَلُونَهَا لِلْوَقْتِ بِفَرَحٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ فِي ذَوَاتِهِمْ، بَلْ هُمْ إِلَى حِينٍ. فَبَعْدَ ذَلِكَ إِذَا حَدَثَ ضِيقٌ أَوِ ٱضْطِهَادٌ مِنْ أَجْلِ ٱلْكَلِمَةِ، فَلِلْوَقْتِ يَعْثُرُونَ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ ٱلَّذِينَ زُرِعُوا بَيْنَ ٱلشَّوْكِ: هَؤُلَاءِ هُمُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ٱلْكَلِمَةَ، وَهُمُومُ هَذَا ٱلْعَالَمِ وَغُرُورُ ٱلْغِنَى وَشَهَوَاتُ سَائِرِ ٱلْأَشْيَاءِ تَدْخُلُ وَتَخْنُقُ ٱلْكَلِمَةَ فَتَصِيرُ بِلَا ثَمَرٍ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ ٱلَّذِينَ زُرِعُوا عَلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجَيِّدَةِ: ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ٱلْكَلِمَةَ وَيَقْبَلُونَهَا، وَيُثْمِرُونَ: وَاحِدٌ ثَلَاثِينَ وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ مِئَةً».”
أول ﻣﺎ ﻧﺘﻌﻠﻤﻪ ﻋﻦ ﻫﺬه اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ أﻧﻬﺎ ﻻ ﺳﻴﻮف ﻓﻴﻬﺎ، وﻻ ﺑﻨﺎدق، وﻻ أﺳﻠﺤﺔ، وﻻ ﺣﺪود، وﻻ ﻋﺎﺻﻤﺔ، وﻻ ﻣﻠﻚ ﺑﺸﺮي، وﻻ ﻗﺎﺋﺪ ﻋﺴﻜﺮي، وﻻ ﻣﺎل، وﻻ ﺛﺮوات، وﻻ ﺗﻨﻈﻴﻢ -إﻧﻤﺎ رﺟﺎل ﻳﻨﻄﻠﻘﻮن وﻳﺒﺸﺮون ﺑﺎﻟﻜﻠﻤﺔ. ﻫﺬا ﻛﻞ ﻣﺎ ﻓﻲ اﻷﻣﺮ. ﻟﻴﺲ ﻟﻬﺎ ﻣﻘﺮ رﺋﻴﺴﻲ، وﻻ ﺗﺴﻠﺴﻞ ﻫﺮﻣﻲ، و ﺑﺮﻧﺎﻣﺞ، وﻻ دﻋﻢ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ أو أﺧﺮى. ﻟﻴﺴﺖ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ، وﻻ اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، وﻻ ﻋﺴﻜﺮﻳﺔ. إﻧﻬﺎ ﻣﺠﺮد أﻧﺎس ﻳﺨﺮﺟﻮن وﻳﺨﺒﺮون اﻵﺧﺮﻳﻦ ﻋﻦ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ. ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻳﺆﻣﻦ، وﺑﻌﻀﻬﻢ ﻻ، وﻛﻞ ﻣﻦ ﻳﺆﻣﻦ ﻳﺜﻤﺮ. ﺗﻠﻚ ﻫﻲ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﷲ.
إذا ﻛﻨﺖ ﻻ ﺗﻌﺘﻘﺪ أن ﻫﺬا ﻟﻐﺰ، ﻓﺎرﺟﻊ واﻗﺮأ ﻋﻦ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ أﻧﺤﺎء اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ. إﻧﻪ ﻳﺘﺤﺪث ﻋﻦ اﻟﺤﺪود، واﻷرض، واﻟﻘﻮاﻧﻴﻦ، واﻟﻤﻠﻮك، واﻟﻮﺻﺎﻳﺎ، واﻷﻋﻴﺎد، واﻟﻘﺮاﺑﻴﻦ. ﻛﻞ ﺷﻲء ﻣﺎدي وﻣﻠﻤﻮس. اﻗﺮأ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ وﺳﺘﺮى أن ﻛﻞ ﻳﻮم ﻣﺘﺸﺎﺑﻪ. ﻟﺪﻳﻨﺎ ﻋﻴﺪ واﺣﺪ، وﻫﻮ مائدة الرب. ﻻ ﺗﻮﺟﺪ أﻋﻴﺎد. ﻛﻞ ﻳﻮم ﻳﻮم ﻣﻘﺪس. ﻻ ﻣﻠﻮك، وﻻ أﻣﺮاء، وﻻ ﺣﻜﺎم، وﻻ ﻗﺎﺋﺪ أﻋﲆ. ﻛﻠﻨﺎ إﺧﻮة ﻓﻲ اﻟﺮب. إﻧﻪ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻋﻦ أي ﺷﻲء ﺣﺪث ﻣﻦ ﻗﺒﻞ. اﻷﻣﺮ ﺑﺮﻣﺘﻪ ﺳﺮﱞ.
“ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «هَلْ يُؤْتَى بِسِرَاجٍ لِيُوضَعَ تَحْتَ ٱلْمِكْيَالِ (ﻟﻠﺘﺠﺎرة) أَوْ تَحْتَ ٱلسَّرِيرِ؟ (ﻟﻠﻤﻨﺰل) أَلَيْسَ لِيُوضَعَ عَلَى ٱلْمَنَارَةِ؟” (اﻵﻳﺔ ٢١).اﻟﻤﻨﺎرة، ﺑﺤﺴﺐ ﺳﻔﺮ اﻟﺮؤﻳﺎ “١” ﻫﻲ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ. اﻟﺮب ﻻ ﻳُﺮﺳﻞ ﺷﻌﺒﻪ ﻟﻴﻌﻴﺸﻮا وﻳﺨﺪﻣﻮا ﻓﻲ ﻋﺰﻟﺔ، ﺑﻞ ﻳُﺮﻳﺪﻫﻢ أن ﻳﻌﻴﺸﻮا وﻳﺨﺪﻣﻮا ﻓﻲ ﺷﺮﻛﺔٍ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻬﻢ.
“لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ خَفِيٌّ لَا يُظْهَرُ، وَلَا صَارَ مَكْتُومًا إِلَّا لِيُعْلَنَ.” (اﻵﻳﺔ ٢٢).وﻛﻤﺎ ﺧﺮج اﻟﺰارع ﻟﻴﺰرع ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ، ﻛﺬﻟﻚ ﻫﻨﺎ ﻻ ﻳُﺤﺠﺐ ﻧﻮر اﻟﺸﻤﻌﺪان ﺑﻞ ﻳُﻀﻲء ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ. وﻓﻲ ﻛﻠﺘﺎ اﻟﺤﺎﻟﺘﻴﻦ، اﻟﻔﻜﺮة ﻫﻲ أن ﻋﲆ ﻣﻮاﻃﻨﻲ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ﻧﺸﺮ رﺳﺎﻟﺘﻬﺎ.
“إِنْ كَانَ لِأَحَدٍ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ».وَقَالَ لَهُمُ: «ٱنْظُرُوا مَا تَسْمَعُونَ! بِٱلْكَيْلِ ٱلَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ وَيُزَادُ لَكُمْ أَيُّهَا ٱلسَّامِعُونَ.” (اﻵﻳﺎت ٢٣-٢٤). ﻫﺬا وﻋﺪٌ ﻋﻈﻴﻢ. ﻛﻠﻤﺎ ازددﻧﺎ ﻓﻬﻤًﺎ ﻟﻜﻠﻤﺔ ﷲ وﺗﻄﺒﻴﻘًﺎ ﻟﻬﺎ، ﻛﻠﻤﺎ أﻇﻬﺮ ﻟﻨﺎ اﻟﻤﺰﻳﺪ. ﺑﻌﺾ اﻟﻨﺎس ﻳﺘﻌﻠﻤﻮن ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻏﻴﺮﻫﻢ ﻷﻧﻬﻢ ﻳﻘﺒﻠﻮن ﺣﻘﺎﺋﻘﻪ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻏﻴﺮﻫﻢ.
أﻋﻄﻰ ﷲ ﺑﻨﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ ﺗﺴﻌﺔ وﺛﻼﺛﻴﻦ ﻛﺘﺎﺑًﺎ، ﻓﺮﻓﻀﻮا ﻧﻮرﻫﺎ. وﻳﺨﺒﺮﻧﺎ روﻣﻴﺔ “١١” أن اﻟﺮب ﻗﺮر أﻧﻪ إذا ﻟﻢ ﺗﺮﻏﺐ اﻷﻏﺼﺎن اﻷﺻﻠﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﺤﻖ، ﻓﺈﻧﻪ ﺳﻴﻘﺪم اﻟﻐﺬاء ﻷﻏﺼﺎن ﺟﺪﻳﺪة. ﻓﺎﻟﺤﻖ ﻣﺘﺎح ﻟﻤﻦ ﻳﺮﻏﺐ ﻓﻴﻪ.
“وَقَالَ: «هَكَذَا مَلَكُوتُ ٱللهِ: كَأَنَّ إِنْسَانًا يُلْقِي ٱلْبِذَارَ عَلَى ٱلْأَرْضِ، وَيَنَامُ وَيَقُومُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَٱلْبِذَارُ يَطْلُعُ وَيَنْمُو، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ، لِأَنَّ ٱلْأَرْضَ مِنْ ذَاتِهَا تَأْتِي بِثَمَرٍ. أَوَّلًا نَبَاتًا، ثُمَّ سُنْبُلًا، ثُمَّ قَمْحًا مَلْآنَ فِي ٱلسُّنْبُلِ. وَأَمَّا مَتَى أَدْرَكَ ٱلثَّمَرُ، فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُ ٱلْمِنْجَلَ لِأَنَّ ٱلْحَصَادَ قَدْ حَضَرَ».”(اﻵﻳﺎت ٢٦-٢٩).ﻫﻨﺎ ﻧﺮى أن ﻛﻞ اﻟﺴﻬﺮ واﻟﻘﻠﻖ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻻ ﻳُﻀﻴﻒ ﺷﻴﺌﺎً إﱃ ﻗﻮة اﻟﺒﺬرة أو ﻃﺒﻴﻌﺘﻬﺎ. ﻓﺈن وﺟﺪت أرﺿﺎً ﺧﺼﺒﺔ، ﻧﻤﺖ. وإن ﻟﻢ ﺗﺠﺪ، ذﺑﻠﺖ. ﻫﻜﺬا ﻫﻮ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ. ﻻ ﺗﺴﺘﻄﻴﻌﻮن أن ﺗُﺨﻠﺼﻮا اﻟﻨﻔﻮس. ﻻ ﺗﺴﺘﻄﻴﻌﻮن أن ﺗﺠﻌﻠﻮا إﻧﺴﺎﻧﺎً ﻳﺆﻣﻦ. ﻻ ﺗﺴﺘﻄﻴﻌﻮن أن ﺗﺠﻌﻠﻮا ﻃﻔﻼً ﻓﻲ اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻳﻨﻤﻮ ﻓﻲ اﻟﺮب. ﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﺴﺘﻄﻴﻌﻮن ﻓﻌﻠﻪ ﻫﻮ ﻧﺸﺮ اﻟﻜﻠﻤﺔ. وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﺰرع اﻟﺒﺬرة، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗُﺆدي ﻋﻤﻠﻬﺎ اﻟﻌﺠﻴﺐ وﺗُﺜﻤﺮ. ﻧﺤﻦ ﻧﻌﻤﻞ ﻟﻠﺮب، وﻟﻜﻦ اﻟﺮب ﻫﻮ اﻟﺬي ﻳﻘﻮم ﺑﺎﻟﻌﻤﻞ. ﻗﺪ ﻳﺒﺘﻜﺮ اﻹﻧﺴﺎن ﺑﺮاﻣﺞ ﻟﻠﺘﻼﻋﺐ ﺑﺎﻟﻨﺘﺎﺋﺞ اﻟﺰاﺋﻔﺔ، ﻟﻜﻦ اﻹﻧﺠﺎزات اﻟﺪاﺋﻤﺔ واﻻﻫﺘﺪاءات اﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ ﺳﺘﻜﻮن ﺑﻔﻀﻞ ﻗﻮة اﻟﻜﻠﻤﺔ ﻻ ﺑﻔﻀﻞ اﻟﻌﺎﻣﻞ. ﻗﺪ ﻳﺰرع اﻟﻤﺮء وﻳﺴﻘﻲ، ﻟﻜﻦ ﷲ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻳُﻨﺒﺖ (ﻛﻮرﻧﺜﻮس اﻷوﱃ ٣: ٦-٧).
“وَقَالَ: «بِمَاذَا نُشَبِّهُ مَلَكُوتَ ٱللهِ؟ أَوْ بِأَيِّ مَثَلٍ نُمَثِّلُهُ؟ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، مَتَى زُرِعَتْ فِي ٱلْأَرْضِ فَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ ٱلْبُزُورِ ٱلَّتِي عَلَى ٱلْأَرْضِ. وَلَكِنْ مَتَى زُرِعَتْ تَطْلُعُ وَتَصِيرُ أَكْبَرَ جَمِيعِ ٱلْبُقُولِ، وَتَصْنَعُ أَغْصَانًا كَبِيرَةً، حَتَّى تَسْتَطِيعَ طُيُورُ ٱلسَّمَاءِ أَنْ تَتَآوَى تَحْتَ ظِلِّهَا».” (اﻵﻳﺎت ٣٠-٣٢).ﻫﺬا ﻣﺜﻴﺮ ﻟﻼﻫﺘﻤﺎم ﺣﻘًﺎ. إن اﻻﺧﺘﻼف ﺑﻴﻦ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ وإﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ ﻻﻓﺖٌ وﻣﺠﻴﺪ. ﻫﻨﺎ ﻳﻨﺘﺸﺮ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ اﻟﺸﺠﺮة ﺑﻞ ﻣﻦ اﻷﻏﺼﺎن. ﻻ ﻳﺘﺤﻮل ﻧﺒﺎت اﻟﺨﺮدل إﱃ ﺷﺠﺮة ﻛﻤﺎ ﻓﻲ ﻣﺘﻰ (١٣: ٣٢). ﺑﻞ ﻳﺒﻘﻰ ﻋﲆ ﻃﺒﻴﻌﺘﻪ، وﻟﻜﻨﻪ ﻳﻨﺘﺸﺮ ﻓﻲ ﻛﻞ اﻷرض. ﺗﻤﺘﺪ ﻫﺬه اﻷﻏﺼﺎن ﻣﻦ ﻋﻠﻴﺔ ﻓﻲ أورﺷﻠﻴﻢ إﱃ آﺳﻴﺎ وأﻓﺮﻳﻘﻴﺎ وأﻣﺮﻳﻜﺎ اﻟﺸﻤﺎﻟﻴﺔ وأﻣﺮﻳﻜﺎ اﻟﺠﻨﻮﺑﻴﺔ وﻏﺮﻳﻨﻼﻧﺪ وأﺳﺘﺮاﻟﻴﺎ، ﻟﻜﻨﻬﺎ ﺗﺒﻘﻰ ﻋﲆ ﺣﺎﻟﻬﺎ ﻣﻨﺬ اﻟﺒﺪاﻳﺔ. ﻻ ﻳﺘﺤﻮل ﻣﻠﻜﻮت ﷲ ﻣﻦ ﻛﻨﻴﺴﺔ إﱃ ﺣﺮﻛﺔ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ، وﻻ ﻣﻦ اﻟﺘﺒﺸﻴﺮ إﱃ ﺟﻴﻮش، وﻻ ﻣﻦ اﻟﻌﻄﺎء واﻷﺧﺬ إﱃ ﺗﻜﺪﻳﺲ اﻟﺜﺮوات. ﺑﻞ ﻳﺒﻘﻰ ﻛﻤﺎ ﺑﺪأ.
ﻳﻜﻤﻦ اﻟﻠﻐﺰ ﻓﻲ أﻧﻪ ﻗﺒﻞ أﻟﻔﻲ ﻋﺎم، ﻓﻲ ﺷﻮارع ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺻﻐﻴﺮة، روى اﻟﺼﻴﺎدون وﺟﺒﺎة اﻟﻀﺮاﺋﺐ واﻟﺮﺟﺎل ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺘﻌﻠﻤﻴﻦ واﻷﻣﻬﺎت واﻟﻨﺠﺎرون ﻗﺼﺔ ﻣُﺨﻠﺺ ﻣﺎت وﻗﺎم ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻷﻣﻮات. آﻣﻦ ﺑﻌﻀﻬﻢ وﻧﺸﺮوا ﻫﺬه اﻟﻜﻠﻤﺔ. اﻧﺘﻘﻠﺖ ﻣﻦ ﺑﻠﺪة إﱃ أﺧﺮى، وﻣﻦ اﻟﺒﺮ اﻟﺮﺋﻴﺴﻲ إﱃ اﻟﺠﺰﻳﺮة، وﻣﻦ ﻗﺎرة إﱃ أﺧﺮى. ﻣﻦ ﺷﻤﺎل اﻟﺪاﺋﺮة اﻟﻘﻄﺒﻴﺔ اﻟﺸﻤﺎﻟﻴﺔ إﱃ أﻗﺼﻰ ﺟﻨﻮب اﻷرﺟﻨﺘﻴﻦ، وﻣﻦ ﻗﻠﺐ ﻏﺎﺑﺎت أﻓﺮﻳﻘﻴﺎ إﱃ أﻋﻤﺎق ﻟﻨﺪن، وﻣﻦ ﻗﻤﻢ ﻣﻨﻐﻮﻟﻴﺎ إﱃ ﺻﺤﺎري اﻟﺠﺰﻳﺮة اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﻻ ﻳﻔﻌﻞ اﻟﺮﺟﺎل واﻟﻨﺴﺎء اﻟﺒﺴﻄﺎء أﻛﺜﺮ وﻻ أﻗﻞ ﻣﻤﺎ ﻓﻌﻠﻮه ﻓﻲ اﻟﻴﻮم اﻷول اﻟﺬي ﻧﺒﺘﺖ ﻓﻴﻪ ﺣﺒﺔ اﻟﺨﺮدل ﻣﻦ أرض ﻃﻴﺒﺔ.
ﻋﲆ اﻟﻄﺎﻟﺐ أن ﻳﺘﺄﻣﻞ أﻳﻀًﺎ ﻓﺮﻗًﺎ ﺑﺪﻳﻌًﺎ آﺧﺮ ﺑﻴﻦ ﻣَﺜَﻞ ﻣﺘﻰ “حَتَّى إِنَّ طُيُورَ ٱلسَّمَاءِ تَأْتِي وَتَتَآوَى فِي أَغْصَانِهَا».” (١٣: ٣٢)وﻣَﺜَﻞ ﻣﺮﻗﺲ “حَتَّى تَسْتَطِيعَ طُيُورُ ٱلسَّمَاءِ أَنْ تَتَآوَى تَحْتَ ظِلِّهَا».” (٤: ٣٢). ﻳﺎ ﻟﻪ ﻣﻦ ﻛﺘﺎب! ﻫﻨﺎك ﻃﻴﻮر ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، وﻻ وﺟﻮد ﻟﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ. ﻗﺪ ﺗﻘﻊ ﺗﺤﺖ ﺗﺄﺛﻴﺮه، ﻟﻜﻨﻬﺎ ﻟﻦ ﺗﺪﺧﻠﻪ أﺑﺪًا.
“وَأَمَّا مَتَى أَدْرَكَ ٱلثَّمَرُ، فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُ ٱلْمِنْجَلَ لِأَنَّ ٱلْحَصَادَ قَدْ حَضَرَ».” (اﻵﻳﺔ ٢٩). ﺳﺒﺐ ﻓﺮﺣﻨﺎ اﻟﺘﺎﻟﻲ ﻫﻮ أن ﺳﺮًا ﻣﻦ أﺳﺮار ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻏﺎﺋﺐٌ ﻋﻦ ﺳﺮ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ. ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻣﺜﻞ اﻟﺰوان. ﻓﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻟﺰﻣﺎن، ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺳﻮى ﺣﺼﺎد ﻟﻤﻠﻜﻮت ﷲ. ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺟﻤﻊ وﺣﺮق. ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻣﺎ ﻳُﻌﺜﺮ ﻋﻠﻴﻪ. ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻣﺎ ﻳُﻄﺮد. ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺷﻲء ﻣُﺰﻳّﻒ. ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ادﻋﺎء ﻛﺎذب ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ. ﻳﻮﺟﺪ ادﻋﺎء ﻛﺎذب ﻓﻲ اﻟﻤﻠﻜﻮت اﻟﻤﺎدي، ﻟﻜﻦ ﻟﻴﺲ ﻓﻲ اﻟﻤﻠﻜﻮت اﻟﺮوﺣﻲ. ﻛﻞ ﻣﻦ ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻤﻠﻜﻮت ﻗﺪ وُﻟِﺪ ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ، ﻟﺬﻟﻚ ﻻ ﻳُﺆﺧﺬ ﺷﻲء إﱃ اﻟﻨﺎر.
اﻧﻈﺮ إﱃ ﺷﻲء آﺧﺮ ﻓﻲ ﻣﺘﻰ (١٣: ٢٤-٢٥). “قَدَّمَ لَهُمْ مَثَلًا آخَرَ قَائِلًا: «يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا زَرَعَ زَرْعًا جَيِّدًا فِي حَقْلِهِ. وَفِيمَا ٱلنَّاسُ نِيَامٌ جَاءَ عَدُوُّهُ وَزَرَعَ زَوَانًا فِي وَسْطِ ٱلْحِنْطَةِ وَمَضَى.” وﻳﻘﻮل ﻣﺮﻗﺲ (٤: ٢٦) “وَقَالَ: «هَكَذَا مَلَكُوتُ ٱللهِ: كَأَنَّ إِنْسَانًا يُلْقِي ٱلْبِذَارَ عَلَى ٱلْأَرْضِ وَيَنَامُ وَيَقُومُ لَيْلًا وَنَهَارًا” ﻓﻲ ﻣﺜﻞ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، ﻛﺎن ﻋﲆ اﻟﺮﺟﺎل (ﺑﺼﻴﻐﺔ اﻟﺠﻤﻊ) ﺣﺮاﺳﺔ اﻟﺤﻘﻞ. وﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أﻧﻬﻢ ﻗﺼّﺮوا ﻓﻲ واﺟﺒﻬﻢ. أﻣﺎ ﻓﻲ ﻣﺜﻞ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ، ﻓﺎﻟﺮﺟﻞ (اﻟﺮب ﻳﺴﻮع) ﻫﻮ ﻣﻦ ﻳﺤﺮس اﻟﺤﻘﻞ، ﻓﻴﺒﻘﻰ ﻧﻘﻴﺎً.
ﺛﻤﺔ ﻓﺮق آﺧﺮ ﻳﺪﻋﻢ ﻫﺬا اﻟﻤﻮﺿﻮع، وﻫﻮ اﻟﻤﺼﺎﻋﺐ اﻟﺘﻲ واﺟﻬﻬﺎ ﺳﺎﻣﻌﻮ اﻷرض اﻟﺤﺠﺮﻳﺔ. ﻓﻔﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ، واﺟﻬﻮا ضِيقٌ أَوِ ٱضْطِهَادٌ (٤: ١٧) ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ (١٣: ٢١) واﺟﻬﻮا اﻟﺸﺪاﺋﺪ (مترجمة من لغه الأنجليزية من الكتاب المقدس النسخة الموحاه من الرب الملك جيمس) أو اﻻﺿﻄﻬﺎد.
ﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ أن ﺗُﺜﻴﺮ أيﱞ ﻣﻦ ﻫﺬه اﻻﺧﺘﻼﻓﺎت اﻟﺪﻫﺸﺔ. ﻓﻤﻊ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﻳﺴﻮع ﻟﻠﻤﺜﻞ اﻷول ﻓﻲ ﻛﻞ ﺳﻔﺮ، ﻳُﻘﱠﺪم ﻟﻨﺎ دﻟﻴﻞ. ﻓﻔﻲ ﻣﺘﻰ (١٣: ١٩) كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةَ ٱلْمَلَكُوتِ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻓﻲ ﻣﺮﻗﺲ (٤: ١٤) اَلزَّارِعُ يَزْرَعُ ٱلْكَلِمَةَ. ﻻﺣﻆ أن اﻟﻤﻮﺿﻮع اﻟﺮﺋﻴﺴﻲ ﻷﻣﺜﺎل ﻣﺘﻰ ﻛﺎن اﻟﻔﺸﻞ. ﻟﻜﻦ ﻛﻞ ﻣﺜﻞ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺴﺮ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ ﻳﻌﺪ ﺑﺎﻟﻨﺠﺎح ﻣﻦ اﻟﺒﺬرة. ﻟﻢ ﻳﻠﻤﺢ أي ﻣﻦ ﺗﻠﻚ اﻷﻣﺜﺎل إﱃ ﻋﺪم وﺟﻮد ﻧﺘﻴﺠﺔ. ﺑﻞ ﺿﻤﻦ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻧﻤﻮ ﺷﻲء أﻋﻈﻢ ﻣﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﺘﻮﻗﻊ.
ﻛﺨﻼﺻﺔ ﻟﻬﺬه اﻷﻣﺜﺎل، ﺗﺄﻣﻠﻮا ﻣﺎ ﻳُﻔﻘﺪ ﻟﻤﻦ ﻻ ﻳﻘﺒﻞ ﻛﻠﻤﺔ ﷲ. ﻓﻲ ﻧﺺ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، ﻧﻘﺮأ ﻓﻲ ﻣﺘﻰ (١٣: ١٥) أن ﺟﻬﻞ اﻟﻨﺎس ﺣﺮﻣﻬﻢ ﻣﻦ ﻫﺬه اﻟﺒﺮﻛﺔ، وأﻧﻪ ﺳﻴﺸﻔﻴﻬﻢ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻓﻲ ﻣﺮﻗﺲ (٤: ١٢) ﻛﺎﻧﺖ رﻏﺒﺔ اﻟﺮب أن ﺗُﻐﻔﺮ ﺧﻄﺎﻳﺎﻫﻢ. ﻫﺬان اﻟﻔﻜﺮان اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺎن ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻳﺘﻮاﻓﻘﺎن ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻣﻊ ﻣﺎ ﻧﻌﺮﻓﻪ ﻋﻦ ﻛﻞ ﻣﻠﻜﻮت.
ﻳﻜﻔﻴﻨﺎ ﻣﺜﺎﻻن آﺧﺮان. ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ (١١: ١٧) ﻳﻘﺘﺒﺲ المسيح ﻣﻦ إﺷﻌﻴﺎء (٥٦: ٧) “قَائِلًا لَهُمْ: «أَلَيْسَ مَكْتُوبًا: بَيْتِي بَيْتَ صَلَاةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ ٱلْأُمَمِ؟ وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ».” وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺴﺘﺨﺪم ﻫﺬه اﻵﻳﺔ ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ (٢١: ١٣) “وَقَالَ لَهُمْ: «مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ ٱلصَّلَاةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!».” ﻫﻨﺎ، اﻷﻣﻢ ﻣﺴﺘﺜﻨﺎة. ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ﻣﺘﻰ ﻛﺎن ﻣﻬﺘﻤﺎً ﺑﺸﻜﻞ ﺧﺎص ﺑﻤﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات اﻟﻴﻬﻮدي.
ﺗﺄﻣﻠﻮا ﻓﻲ اﻟﻤﻘﺪﻣﺔ اﻟﺘﻲ ﺗُﻤﻬّﺪ ﻟﻈﻬﻮر ﻳﺴﻮع ﻓﻲ ﻣﺠﺪه ﻋﲆ ﺟﺒﻞ اﻟﺘﺠﻠﻲ. ﻳﻘﻮل ﻣﺘﻰ (١٦: ٢٧-٢٨) “فَإِنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلَائِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ ٱلْقِيَامِ هَهُنَا قَوْمًا لَا يَذُوقُونَ ٱلْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ».” وﻫﻜﺬا ﻧﺮى ﻣﺠﺪ اﻵب ﻣُﺘﺠﺴﺪًا ﻓﻲ اﻻﺑﻦ. إﻧﻪ ﻣﻠﻜﻮت اﻻﺑﻦ، وﺑﻌﺪ ﻋﻮدﺗﻪ ﻳُﺤﺎﺳﺐ اﻟﻨﺎس ﻋﲆ أﻋﻤﺎﻟﻬﻢ.
ﻳﻘﻮل إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ (٨: ٣٨) “لِأَنَّ مَنِ ٱسْتَحَى بِي وَبِكَلَامِي فِي هَذَا ٱلْجِيلِ ٱلْفَاسِقِ ٱلْخَاطِئِ، فَإِنَّ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ يَسْتَحِي بِهِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِ أَبِيهِ مَعَ ٱلْمَلَائِكَةِ ٱلْقِدِّيسِينَ».” ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ، ﻳُﺨْﺘَﺰَى اﻟﺮب ﻣﻦ ﺑﻌﺾ اﻟﻨﺎس، وﻟﻜﻦ ﻻ ﻳﻮﺟﺪ أي دﻳﻨﻮﻧﺔ. ﻟﺪﻳﻨﺎ إﺷﺎرة إﱃ ﻣﺮاﻓﻘﺔ ﻣﻼﺋﻜﻴﺔ، وﻟﻜﻦ ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ذﻛﺮ ﻟﻠﻤﻠﻜﻮت.
ﻳﻘﻮل ﻟﻮﻗﺎ (٩: ٢٦-٢٧) “لِأَنَّ مَنِ ٱسْتَحَى بِي وَبِكَلَامِي، فَبِهَذَا يَسْتَحِي ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِهِ وَمَجْدِ ٱلْآبِ وَٱلْمَلَائِكَةِ ٱلْقِدِّيسِينَ. حَقًّا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ ٱلْقِيَامِ هَهُنَا قَوْمًا لَا يَذُوقُونَ ٱلْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ ٱللهِ».” ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻤﻘﻄﻊ، اﻟﻤﺠﺪ ﻫﻮ ﻣﺠﺪ اﻻﺑﻦ، إﺿﺎﻓﺔً إﱃ ﻣﺠﺪ اﻵب واﻟﻤﻼﺋﻜﺔ. ﻧﺮى أﻧﻪ ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ، ﻳﺘﻤﺠﺪ اﻻﺑﻦ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، ﻳﺘﺠﲆ ﻣﺠﺪ اﻵب ﻓﻲ ﺣﻜﻢ اﻻﺑﻦ. وﻣﻦ اﻟﺠﺪﻳﺮ ﺑﺎﻟﺬﻛﺮ أﻳﻀًﺎ أﻧﻪ ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺘﻰ، ﻳُﺬﻛﺮ أن اﻟﻮﺣﻲ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، وﻟﺬا ﻳﺘﺒﻊ رواﻳﺔ اﻟﺘﺠﻠﻲ ﺳﺆالٌ ﻋﻦ ﻣﺠﻲء إﻳﻠﻴﺎ، ﻣﻤﺎ ﻳﺮﺑﻄﻨﺎ ﺑﺎﻟﻮﻋﺪ اﻷﺧﻴﺮ ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ (ﻣﻼﺧﻲ ٤: ٥-٦). أﻣﺎ ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻟﻮﻗﺎ، ﻓﻴُﺬﻛﺮ أن اﻟﻮﺣﻲ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﻠﻜﻮت ﷲ، ﻟﺬا ﻻ ﻳﺘﺒﻊ ذﻟﻚ أي ﻧﻘﺎش ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻘﺒﻴﻞ.
ﻟﻨﻌﺪ إﱃ ﻣﺮﻗﺲ (٤: ١). “وَٱبْتَدَأَ أَيْضًا يُعَلِّمُ عِنْدَ ٱلْبَحْرِ، فَٱجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ ٱلسَّفِينَةَ وَجَلَسَ عَلَى ٱلْبَحْرِ، وَٱلْجَمْعُ كُلُّهُ كَانَ عِنْدَ ٱلْبَحْرِ عَلَى ٱلْأَرْضِ.”… ﻫﻨﺎ ﻧﺸﻬﺪ ﺗﺤﻮﻻً، إذ ﻳﺒﺘﻌﺪ اﻟﺮب ﻋﻦ ﻋﺎﺋﻠﺘﻪ وﻋﻦ اﻟﻴﻬﻮد (ﺗﺬﻛﺮوا ﻧﻬﺎﻳﺔ اﻹﺻﺤﺎح ٣).إﻧﻬﻢ ﻳﻨﻄﻠﻘﻮن ﺣﺎﻣﻠﻴﻦ رﺳﺎﻟﺔ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ إﱃ ﻣﻤﺎﻟﻚ وأﻣﻢ وﻗﺒﺎﺋﻞ وأﻟﺴﻨﺔ.
ﻳﺨﺘﺘﻢ اﻟﻔﺼﻞ ﺑﺼﻮرة ﻟﻠﻜﻨﻴﺴﺔ ﺑﻴﻦ اﻷﻣﻢ ﻓﻲ ﻋﺼﺮ اﻟﻨﻌﻤﺔ ﻫﺬا. “وَقَالَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ لَمَّا كَانَ ٱلْمَسَاءُ: «لِنَجْتَزْ إِلَى ٱلْعَبْرِ». فَصَرَفُوا ٱلْجَمْعَ وَأَخَذُوهُ كَمَا كَانَ فِي ٱلسَّفِينَةِ. وَكَانَتْ مَعَهُ أَيْضًا سُفُنٌ أُخْرَى صَغِيرَةٌ. فَحَدَثَ نَوْءُ رِيحٍ عَظِيمٌ، فَكَانَتِ ٱلْأَمْوَاجُ تَضْرِبُ إِلَى ٱلسَّفِينَةِ حَتَّى صَارَتْ تَمْتَلِئُ.” (ﻣﺮﻗﺲ ٤: ٣٥-٣٧).
ﻣﺎ ﻛﺎدوا ﻳﺒﺤﺮون ﻣﻊ ﻳﺴﻮع إﱃ اﻟﻀﻔﺔ اﻷﺧﺮى ﺣﺘﻰ ﻫﺒﺖ ﻋﺎﺻﻔﺔ. أوﺣﻰ اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس إﱃ ﻣﺮﻗﺲ أن ﻳﺴﺠﻞ ﻫﺬه اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻟﻨﻌﻠﻢ أن اﻷﻣﻮر ﻟﻦ ﺗﺴﻴﺮ ﻋﲆ ﻣﺎ ﻳﺮام، وأن ﻫﻨﺎك ﻣﺘﺎﻋﺐ وﻣﺨﺎﻃﺮ وﺧﻮﻓًﺎ. ﺻﻤﺪت اﻟﺴﻔﻴﻨﺔ اﻟﺼﻐﻴﺮة أﻣﺎم اﻟﻌﺎﺻﻔﺔ، ﻟﻜﻨﻬﺎ ﻟﻢ ﺗﻨﺞُ ﻣﻦ اﻟﺮﻳﺎح اﻟﻌﺎﺗﻴﺔ واﻷﻣﻮاج اﻟﻬﺎﺋﺠﺔ.
“وَكَانَ هُوَ فِي ٱلْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا. فَأَيْقَظُوهُ وَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟». فَقَامَ وَٱنْتَهَرَ ٱلرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: «ٱسْكُتْ! اِبْكَمْ!». فَسَكَنَتِ ٱلرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ: «مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ هَكَذَا؟ كَيْفَ لَا إِيمَانَ لَكُمْ؟». فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَنْ هُوَ هَذَا؟ فَإِنَّ ٱلرِّيحَ أَيْضًا وَٱلْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!».” (اﻵﻳﺎت ٣٨-٤١).
ﻛﺎﻧﻮا ﺧﺎﺋﻔﻴﻦ. ﺷﻜّﻮا ﻓﻲ ﻋﻨﺎﻳﺔ اﻟﺮب ﺑﻬﻢ. ﻛﺎﻧﻮا ﻳﺸﻜّﻮن ﻓﻲ ﻧﺠﺎﺗﻬﻢ. ﻟﻘﺪ ﻋﺮﻓﺖ ﻛﻨﻴﺴﺔ ﷲ اﻟﺤﻲّ ﻋﻮاﺻﻒ ﻛﺜﻴﺮة ﻛﻬﺬه، وواﺟﻪ أﻋﻀﺎؤﻫﺎ ﻣﺼﺎﻋﺐ ﻣﻤﺎﺛﻠﺔ ﻣﻦ اﻟﺪاﺧﻞ واﻟﺨﺎرج ﻣﻨﺬ أن أﺑﺤﺮوا ﻣﻊ ﻳﺴﻮع إﱃ اﻟﻀﻔﺔ اﻷﺧﺮى. ﻟﻜﻦ ﻟﻢ ﻳﻬﻠﻚ أﺣﺪ. ﻟﻢ ﻳﺴﻘﻂ أﺣﺪ ﻓﻲ اﻟﺒﺤﺮ. أﺑﺤﺮت اﻟﺴﻔﻴﻨﺔ. ﻓﻲ زﻣﻨﻪ، ﺟﻠﺐ ﻳﺴﻮع اﻟﻄﻤﺄﻧﻴﻨﺔ ﻟﻠﺒﺤﺮ واﻟﺒﺤﺎرة. ﻋﻨﺪ اﻟﻀﺮورة، وﺑﺦ ﻣﻦ راﻓﻘﻮه. ﻓﻘﺪوا إﻳﻤﺎﻧﻬﻢ، ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻔﻘﺪوا ﻣﻜﺎﻧﺘﻬﻢ. راودﺗﻬﻢ اﻟﺸﻜﻮك، ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻇﻠﻮا ﻣﻊ رﺑﻬﻢ. ﺗﺴﺎءﻟﻮا ﻋﻦ ﻣﺤﺒﺘﻪ، ﻓﺄﺣﺒﻬﻢ. ﻛﻞ ﻣﻦ ﻏﺎﻣﺮ ﺑﺎﻟﺨﺮوج وﺻﻞ ﺳﺎﻟﻤًﺎ إﱃ اﻟﻀﻔﺔ اﻷﺧﺮى.
ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻣﺮﻗﺲ “٥” ﻟﺪﻳﻨﺎ ﺻﻮرة راﺋﻌﺔ أﺧﺮى ﻟﺘﻌﺎﻣﻞ اﻟﺮب ﻣﻊ إﺳﺮاﺋﻴﻞ واﻟﻜﻨﻴﺴﺔ. ﻓﻲ اﻵﻳﺔ “٢٢” ﺳﻘﻂ رﺋﻴﺲ اﻟﻤﺠﻤﻊ ﻋﻨﺪ ﻗﺪﻣﻲ ﻳﺴﻮع. ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻪ اﺑﻨﺔ ﻋﲆ وﺷﻚ اﻟﻤﻮت (اﻵﻳﺔ ٢٣) ﻓﺬﻫﺐ ﻳﺴﻮع ﻟﻤﺴﺎﻋﺪﺗﻬﺎ (اﻵﻳﺔ ٢٤).ﺛﻢ ﻳﻨﻘﻄﻊ اﻟﺴﺮد ﺑﻘﺼﺔ اﻣﺮأة ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻗﺪ ﺷﻔﻴﺖ ﺗﻤﺎﻣًﺎ (اﻵﻳﺔ ٢٥).ﻟﻘﺪ ﻋﺎﻧﺖ، وﺑﺬﻟﺖ ﻛﻞ ﻣﺎ ﺗﻤﻠﻚ ﻟﺸﻔﺎﺋﻬﺎ، ﻟﻜﻦ ﺣﺎﻟﺘﻬﺎ ﺗﺪﻫﻮرت ﺗﺪرﻳﺠﻴًﺎ (اﻵﻳﺔ ٢٦).ﻟﻢ ﻳﺴﺘﻄﻊ أﺣﺪ ﻣﺴﺎﻋﺪﺗﻬﺎ. ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن، أﺗﺖ إﱃ ﻳﺴﻮع، وﻟﻤﺴﺘﻪ، ﻓﺸﻔﻴﺖ (اﻵﻳﺘﺎن ٢٧-٢٨).ﻟﻢ ﺗﻨﻞ اﻟﺸﻔﺎء ﻓﺤﺴﺐ، ﺑﻞ ﺧﺮﺟﺖ ﻣﻦ ﻳﺴﻮع ﻗﻮةٌ وأُﻋﻄﻴﺖ ﻟﻬﺎ (اﻵﻳﺘﺎن ٢٩-٣٠).اﺳﺘﻤﺘﻌﺖ اﻟﻤﺮأة ﺑﺴﻤﺎع ﻛﻠﻤﺔ اﻟﺮب، وﺗﻌﺰّت ﺑﻪ، وﻧﺎﻟﺖ اﻟﺴﻼم (اﻵﻳﺔ ٣٤). ﺛﻢ اﺧﺘﻔﺖ ﻣﻦ اﻟﻤﻜﺎن.
ﺛﻢ اﺳﺘﺆﻧﻒ ﺣﺪﻳﺚ اﻟﺮب ﻣﻊ اﻟﺤﺎﻛﻢ اﻟﻴﻬﻮدي ﻣﻦ اﻟﻨﻘﻄﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺎﻃﻌﺖ ﻓﻴﻬﺎ اﻟﻤﺮأة اﻟﺴﺮد. ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻔﺘﺎة ﻗﺪ ﻣﺎﺗﺖ (اﻵﻳﺔ ٣٥) وﻓﻘﺪ ﻛﺜﻴﺮون اﻷﻣﻞ (اﻵﻳﺔ ٣٥).ﻟﻜﻦ ﻳﺴﻮع دﻋﺎ اﻟﺮﺟﻞ إﱃ اﻹﻳﻤﺎن (اﻵﻳﺔ ٣٦).وﻟﻤﺎ وﺻﻞ إﱃ اﻟﺒﻴﺖ، ﻛﺎن ﻫﻨﺎك ﺣﺰن ﺷﺪﻳﺪ وﻛﺮب (اﻵﻳﺔ ٣٨).ﻓﺪﺧﻞ ﻋﲆ اﻟﺠﻤﻊ وأﺧﺒﺮﻫﻢ أن ﻫﺬا اﻟﻤﻮت ﻟﻴﺲ داﺋﻤًﺎ ﺑﻞ ﻣﺆﻗﺘًﺎ (اﻵﻳﺔ ٣٩). وﻟﻤﺎ أﻛﺪ اﻟﺮب ﺑﺠﺮأة أن اﻟﻤﻮت ﻟﻴﺲ ﻋﺎﺋﻘًﺎ أﻣﺎم ﻗﺪرﺗﻪ، ﺳﺨﺮ ﻣﻨﻪ ﻛﺜﻴﺮون ﻣﻦ اﻟﺠﻤﺎﻋﺔ واﺳﺘﻬﺰأوا ﺑﻜﻼﻣﻪ (اﻵﻳﺔ ٣٩).ﻓﺄﺑﻌﺪﻫﻢ ﻋﻦ اﻟﻤﻜﺎن (اﻵﻳﺔ ٣٩).أﻣﺎ اﻟﺬﻳﻦ آﻣﻨﻮا ﺑﻜﻼﻣﻪ، ﻓﺒﻘﻴﻮا ﻣﻌﻪ وراﻓﻘﻮه إﱃ اﻟﻤﻜﺎن اﻟﺬي ﺳﻴﻌﻴﺪ ﻓﻴﻪ اﻟﺤﻴﺎة ﻟﻠﻔﺘﺎة (اﻵﻳﺎت ٤٠-٤١).وﺑﻜﻠﻤﺔ ﻗﺪرﺗﻪ أﻗﺎﻣﻬﺎ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ اﻷﻣﻮات، ﻓﻌﺎدت ﺗﻤﺸﻲ ﻋﲆ اﻷرض ﻣﺮة أﺧﺮى (اﻵﻳﺔ ٤٢).
واﻵن، ﺗﺄﻣﻠﻮا ﻓﻲ ﺣﺎل ﺑﻨﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ. ﻓﺒﺴﺒﺐ ﺧﻄﺎﻳﺎﻫﻢ اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ واﺳﺘﻬﺎﻧﺘﻬﻢ ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﻫﻢ ﻋﲆ وﺷﻚ اﻟﻬﻼك. ﻟﻜﻦ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻗﻠﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻠﺘﻤﺴﻮن اﻟﻌﻮن ﻣﻦ اﻟﺮب، ﻓﻴﺴﻌﻰ ﺟﺎﻫﺪاً ﻟﻤﺴﺎﻋﺪة ﺷﻌﺒﻪ اﻟﻤﺨﺘﺎر. ﻟﻜﻦّ اﻟﺴﺮد ﻳُﻘﺎﻃﻊ ﺑﻈﻬﻮر اﻣﺮأة (رﻣﺰ ﻟﻠﻜﻨﻴﺴﺔ) ﻟﻢ ﺗُﺸﻒَ ﺗﻤﺎﻣًﺎ. ﻟﻘﺪ ﻋﺎﻧﻰ أﺑﻨﺎء آدم ﻣﻌﺎﻧﺎةً ﺷﺪﻳﺪة. ﺑﺬﻟﻮا ﻛﻞّ ﻣﺎ ﻓﻲ وﺳﻌﻬﻢ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ دﻳﻦٍ أو ﻓﻠﺴﻔﺔٍ ﺗﻠﻮ اﻷﺧﺮى، وﻟﻜﻦ ﺑﺪﻻً ﻣﻦ أن ﻳﺘﺤﺴّﻨﻮا، ازدادوا ﺗﺪﻫﻮرًا. ﻟﻢ ﻳﺴﺘﻄﻊ أﺣﺪٌ ﻣﺴﺎﻋﺪﺗﻬﻢ. ﺛﻢّ ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن ﺷﻘّﻮا ﻃﺮﻳﻘﻬﻢ ﻋﺒﺮ اﻟﺠﻤﻮع اﻟﻤُﻌﻴﻘﺔ ووﺻﻠﻮا إﱃ ﻳﺴﻮع. إﻳﻤﺎﻧﻬﻢ ﺑﻪ ﺷﻔﺎﻫﻢ. ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﻌﺠﺰات اﻟﺸﻔﺎء اﻟﺘﻲ أﺟﺮاﻫﺎ اﻟﺮبّ ﻋﲆ ﺑﻨﻲ إﺳﺮاﺋﻴﻞ، ﻻ ﻧﻘﺮأ ﻋﻦ ﻓﻀﻴﻠﺔٍ ﺧﺮﺟﺖ ﻣﻨﻪ. ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ أﻧﺤﺎء اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ، ﻏُﻔﺮت ذﻧﻮب اﻟﻜﺜﻴﺮﻳﻦ وﻧﺎﻟﻮا اﻟﺨﻼص ﺑﺎﻟﻨﻌﻤﺔ، ﻟﻜﻦّ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ وﺣﺪﻫﺎ ﻫﻲ اﻟﺘﻲ ﻣُﻨﺤﺖ ﺑﺮّ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ اﻟﻤﻨﺴﻮب إﻟﻴﻬﺎ. اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ وﺣﺪﻫﺎ ﻫﻲ اﻟﺘﻲ ﻟﺪﻳﻬﺎ روح ﷲ اﻟﺤﻲّ اﻟﻤُﺮﺳَﻞ ﻣﻦ اﻵب ﻟﻴﺴﻜﻦ ﻓﻲ ﻛﻞّ واﺣﺪٍ ﻣﻨﻬﺎ. ﻋﺮوس اﻟﻤﺴﻴﺢ ﺗﺴﺘﻤﺘﻊ ﺑﺴﻤﺎع ﻛﻠﻤﺔ اﻟﺮبّ، وﺗُﻌﺰّى ﺑﻪ، وﺗُﻤﻨﺢ اﻟﺴﻼم. ﺛﻢّ ﺗﺨﺘﻔﻲ ﻣﻦ اﻟﻤﺸﻬﺪ.
ﺛﻢ ﻳﺴﺘﺄﻧﻒ اﻟﺮب ﺗﻌﺎﻣﻠﻪ ﻣﻊ اﻟﻴﻬﻮد ﻣﻦ اﻟﻨﻘﻄﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺎﻃﻌﺖ ﻋﻨﺪﻫﺎ اﻟﻤﺮأة اﻟﺴﺮد. اﻷﻣﺔ ﻫﻲ ﻳُﻌﺘﺒﺮون اﻵن أﻣﻮاﺗًﺎ (ﻣﻘﻄﻮﻋﻴﻦ روﻣﻴﺔ ١١)وﻗﺪ ﻓﻘﺪ اﻟﻜﺜﻴﺮون اﻷﻣﻞ ﻓﻲ ﻋﻮدﺗﻬﻢ ﻟﻠﺤﻴﺎة. ﻟﻜﻦ ﻳﺴﻮع ﻳﺪﻋﻮ أﺑﻨﺎء إﺑﺮاﻫﻴﻢ إﱃ اﻹﻳﻤﺎن. ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻈﻬﺮ، ﺳﻴﻜﻮن ذﻟﻚ ﻓﻲ وﻗﺖ ﺣﺰن وﺿﻴﻖ ﺷﺪﻳﺪﻳﻦ؛ ضيقه ﻟﻢ ﻳﺸﻬﺪ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻣﺜﻠﻬﺎ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ. ﻳﺘﺪﺧﻞ ﻓﻲ ﺷﺆوﻧﻬﻢ وﻳﺨﺒﺮﻫﻢ أن ﻣﻮﺗﻬﻢ ﻟﻴﺲ داﺋﻤًﺎ ﺑﻞ ﻣﺆﻗﺘًﺎ. ﻳﺴﺘﻬﺰئ ﺑﻪ اﻟﻜﺜﻴﺮون وﻳﺮﻓﻀﻮﻧﻪ، ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻠﻮا ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺟﺎء ﻓﻲ اﻟﻤﺮة اﻷوﱃ. ﻳﻄﺮدﻫﻢ ﻣﻦ اﻟﻤﻜﺎن، ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﻮﺿﺢ ﻓﻲ ﻗﺴﻢ اﻷﻧﺎﺟﻴﻞ اﻟﻨﺒﻮي وﻓﻲ ﺳﻔﺮ اﻟﺮؤﻳﺎ. أﻣﺎ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺆﻣﻨﻮن ﺑﻜﻼﻣﻪ ﻓﻴﺒﻘﻮن ﻣﻌﻪ وﻳﺮاﻓﻘﻮﻧﻪ إﱃ اﻟﻤﻜﺎن اﻟﺬي ﺳﻴﻌﻴﺪ ﻓﻴﻪ ﺑﻘﻴﺔ إﺳﺮاﺋﻴﻞ إﱃ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻤﻮﻋﻮدة ﻵﺑﺎﺋﻬﻢ. ﺑﻜﻠﻤﺔ ﻗﺪرﺗﻪ ﻳﻘﻴﻢ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻣﻦ اﻷﻣﻮات (ﺣﺰﻗﻴﺎل ٣٧)وﻳﺴﻴﺮون ﻋﲆ اﻷرض ﻣﺮة أﺧﺮى.
ﻻﺣﻆ أن اﻟﻤﺮأة ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺮﻳﻀﺔ ﻟﻤﺪة اﺛﻨﺘﻲ ﻋﺸﺮة ﺳﻨﺔ (اﻵﻳﺔ ٢٥).وﻫﺬه ﻫﻲ ﻧﻔﺲ اﻟﻤﺪة اﻟﺘﻲ ﻋﺎﺷﺘﻬﺎ اﻟﻔﺘﺎة (اﻵﻳﺔ ٤٢).ﻟﻘﺪ ﻇﻞّ اﻷﻣﻢ ﺑﻼ أﻣﻞ وﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻋﻬﺪ ﻣﻊ ﷲ ﻣﻨﺬ أن أﺻﺒﺢ ﺑﻨﻮ إﺳﺮاﺋﻴﻞ أﻣﺔ. ﻻ ﺗﻐﻔﻞ ﺣﻘﻴﻘﺔ أن ﻛﻼ اﻟﻄﺮﻓﻴﻦ ﻗﺪ ﺗﻢ ﺷﻔﺎؤﻫﻤﺎ ﺑﻘﻮة ﷲ، وﺑﺘﻮﺟﻴﻪ ﻣﻦ ﻧﻌﻤﺔ ﷲ، اﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻺﻳﻤﺎن، وﻟﻴﺲ ﺑﺎﻷﻋﻤﺎل أو اﻻﻟﺘﺰام ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ.

ﺑﺎﺧﺘﺼﺎر، دﻋﻮﻧﺎ ﻧﺤﺪد اﻟﻔﺮوق اﻟﺨﻤﺴﺔ اﻟﺮﺋﻴﺴﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ وﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات.:
١.ﻣﻠﻜﻮت ﷲ ﺷﺎﻣﻞٌ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ، ﻓﻬﻮ ﻳﻀﻢ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﺨﻀﻊ ﻟﻠﻪ ﻃﻮاﻋﻴﺔً، ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ واﻟﻘﺪﻳﺴﻴﻦ ﻋﲆ ﻣﺮّ اﻟﻌﺼﻮر. ﻳﻘﻮل ﻟﻮﻗﺎ (١٣: ٢٨) “هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلْأَسْنَانِ، مَتَى رَأَيْتُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَمِيعَ ٱلْأَنْبِيَاءِ فِي مَلَكُوتِ ٱللهِ، وَأَنْتُمْ مَطْرُوحُونَ خَارِجًا.” وﻫﻨﺎك ﻗﺪﻳﺴﻮن ﻣﻦ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ دﺧﻠﻮا ﻣﻠﻜﻮت ﷲ ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن.
ﻳﻘﻮل اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻓﻲ ﻋﺒﺮاﻧﻴﻴﻦ (١٢: ٢٢-٢٣) “بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ ٱللهِ ٱلْحَيِّ، أُورُشَلِيمَ ٱلسَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلَائِكَةٍ، وَكَنِيسَةُ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، وَإِلَى ٱللهِ دَيَّانِ ٱلْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ” اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ، واﻟﻜﻨﻴﺴﺔ، وﻛﻞ ﻣﻦ ﺑﻠﻎ اﻟﻜﻤﺎل ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن ﺑﺎﻟﺮب، ﺟﻤﻴﻌﻬﻢ ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ. إن ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻣﺤﺼﻮرٌ ﻓﻲ ﻋﺮشٍ أرﺿﻲ وﺷﻌﺐٍ أرﺿﻲ. وﻓﻲ اﻟﻨﻬﺎﻳﺔ، ﺳﻴﻜﻮن ﻣﻠﻜﺎً ﻟﻴﺴﻮع، ﻣﻠﻚ اﻟﻴﻬﻮد، اﻟﺬي ﺳﻴﺤﻜﻢ ﻓﻲ أورﺷﻠﻴﻢ.

٢.ﻻ ﻳُﺪﺧﻞ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ إﻻ ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن (ﻳﻮﺣﻨﺎ ٣: ٣-٧).ﻳﺪﺧﻞ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻣﻦ ﻫﻢ أﺑﺮار ﻇﺎﻫﺮﻳًﺎ، ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻀﻌﻮا ﺛﻘﺘﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﺮب ﻗﻂ. ﻳﺮوي ﺳﻔﺮ اﻟﺮؤﻳﺎ (٢٠: ٧-٨) ﻋﻦ أوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﻧﺎﻟﻮا ﻣﻜﺎﻧﺔ ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات، ﻟﻜﻦ ﻗﻠﻮﺑﻬﻢ ﺗﺎﺑﻌﺔ ﻟﻠﺸﻴﻄﺎن. “ثُمَّ مَتَى تَمَّتِ ٱلْأَلْفُ ٱلسَّنَةِ يُحَلُّ ٱلشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ، وَيَخْرُجُ لِيُضِلَّ ٱلْأُمَمَ ٱلَّذِينَ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا ٱلْأَرْضِ: جُوجَ وَمَاجُوجَ، لِيَجْمَعَهُمْ لِلْحَرْبِ، ٱلَّذِينَ عَدَدُهُمْ مِثْلُ رَمْلِ ٱلْبَحْرِ.” ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ﻫﻨﺎك أﻧﺎﺳًﺎ ﺳﻴﻌﻴﺸﻮن ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات وﻳﺘﻤﺘﻌﻮن ﺑﻪ، وﻫﻢ ﻻ ﻳﺪﻳﻨﻮن ﺑﺎﻟﻮﻻء ﻟﻴﺴﻮع.

٣.ﺑﻤﺎ أن ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻫﻮ، ﻣﻦ ﺑﻌﺾ اﻟﻨﻮاﺣﻲ، ﺗﺠﱟﻞ أرﺿﻲ أو ﻣﺎدي ﻟﻤﻠﻜﻮت ﷲ، ﻓﺈن ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﻗﻮاﺳﻢ ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ ﻛﺜﻴﺮة. وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻻ ﻳُﻘﺎل أﺑﺪًا إﻧﻬﻤﺎ ﻣﺘﻄﺎﺑﻘﺎن. ﻓﻤﻠﻜﻮت ﷲ ﻟﻴﺲ ﻣُﺘﺎﺣًﺎ ﻟﻠﻤُﻨﺘﺰﻋﻴﻦ، ﻛﻤﺎ ﻗﺎل ﻳﺴﻮع ﻋﻦ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات. “وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ إِلَى ٱلْآنَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَٱلْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ.” (ﻣﺘﻰ ١١: ١٢). ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ أﺣﺪٌ أن ﻳﻘﺘﺤﻢ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ، وﻻ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ أي ﻗﻮة أن ﺗُﻄﻴﺢ ﺑﺎﻟﻠﻪ وﺗﻨﺘﺰع ﻣﻨﻪ زﻣﺎم اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ اﻟﺮوﺣﻴﺔ. ﺗﺄﻣﻞ ﻛﻴﻒ اﺳﺘﻮﱃ دارﻳﻮس ﻋﲆ اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻣﻦ ﺑﻠﻄﺸﺎﺻﺮ، أو ﻛﻴﻒ ﺳﻴُﻄﻴﺢ اﻟﻤﻠﻚ ﻳﺴﻮع ﺑﺎﻟﻮﺣﺶ. ﻫﺬا ﻫﻮ ﺗﺎرﻳﺦ ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات. وﻣﻊ ذﻟﻚ، ﻓﻲ أورﺷﻠﻴﻢ اﻟﺠﺪﻳﺪة اﻟﺘﻲ ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء، ﻛﺎن وﺳﻴﻈﻞ ﻫﻨﺎك ﻣﻠﻚ واﺣﺪ ﻳﺤﻜﻢ إﱃ اﻷﺑﺪ.

٤.ﻳﺄﺗﻲ ﻣﻠﻜﻮت ﷲ دون دﻟﻴﻞ ﻇﺎﻫﺮي أو ﻣﺮﺋﻲ (ﻟﻮﻗﺎ ١٧: ٢٠). إﻧﻪ داﺧﻠﻲ وروﺣﻲ (روﻣﻴﺔ ١٤: ١٧). ﻛﺜﻴﺮون ﻣﻤﻦ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻤﻠﻜﻮت ﻟﻢ ﻳﺮوا ﻣﻠﻜﻪ ﻗﻂ (١ ﺑﻄﺮس ١: ٨). ﻣﻠﻜﻮت اﻟﺴﻤﺎوات ﻛﺎن داﺋﻤًﺎ ﻣﺮﺋﻴًﺎ. ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻌﻮد ﻣﻠﻜﻪ اﻟﻤﻨﺘﺼﺮ، ﺳﺘﺮاه ﻛﻞ ﻋﻴﻦ (رؤﻳﺎ ١: ٧).

٥.ﺳﺘﻨﺪﻣﺞ ﻣﻤﻠﻜﺔ اﻟﺴﻤﺎوات ﻓﻲ اﻟﻨﻬﺎﻳﺔ ﻣﻊ ﻣﻤﻠﻜﺔ ﷲ. اﻧﻈﺮ إﱃ ١ﻛﻮرﻧﺜﻮس (١٥: ٢٤-٢٦). “وَبَعْدَ ذَلِكَ ٱلنِّهَايَةُ، مَتَى سَلَّمَ ٱلْمُلْكَ لِلهِ ٱلْآبِ، مَتَى أَبْطَلَ كُلَّ رِيَاسَةٍ وَكُلَّ سُلْطَانٍ وَكُلَّ قُوَّةٍ. لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى «يَضَعَ جَمِيعَ ٱلْأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ». آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ ٱلْمَوْتُ.” وﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺰول ﻛﻞ أﺛﺮ لعدم الايمان، ﻟﻦ ﺗﻜﻮن ﻫﻨﺎك ﺣﺎﺟﺔ ﻟﻔﺼﻞ اﻟﻤﻤﻠﻜﺘﻴﻦ.