ﺛﻼث ﺣﺎﻻت ﺗﻮﺿﺢ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺧﻼص اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ.

ﻟﻘﺪ رﻛﺰﻧﺎ ﺣﺘﻰ اﻵن ﻋﲆ ﺑﻴﺎن ﻛﻴﻒ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ اﻟﻨﺎس ﻗﺒﻞ اﻟﺼﻠﻴﺐ ﻣُﺨﻠﱠﺼﻴﻦ. واﻵن ﺣﺎن اﻟﻮﻗﺖ ﻟﻠﻨﻈﺮ ﻓﻲ اﻟﻄﺮﻳﻘﺔ اﻟﺘﻲ وﺟﺪ ﺑﻬﺎ اﻟﻨﺎس اﻟﺤﻴﺎة اﻷﺑﺪﻳﺔ ﻗﺒﻞ ﻣﻮت اﻟﺮب ﻳﺴﻮع ودﻓﻨﻪ وﻗﻴﺎﻣﺘﻪ.
ﺳﻨﺪرس ﺑﻌﻨﺎﻳﺔ ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻟﻪ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻋﻦ ﺛﻼﺛﺔ رﺟﺎل: إﺑﺮاﻫﻴﻢ، وداود، وﺑﻮﻟﺲ. اﻷول قبل اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ؛ واﻟﺜﺎﻧﻲ ﻋﺎش ﻓﻲ ﻇﻞ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ؛ واﻟﺜﺎﻟﺚ ﺷﻬﺪ اﻻﻧﺘﻘﺎل ﻣﻦ ﻋﺼﺮ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ إﱃ ﻋﺼﺮ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ.

١.إﺑﺮاﻫﻴﻢ
ﻧﻘﺮأ ﻫﺬه اﻟﻜﻠﻤﺎت اﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺈﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ روﻣﻴﺔ “٤”.
“فَمَاذَا نَقُولُ إِنَّ أَبَانَا إِبْرَاهِيمَ قَدْ وَجَدَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ؟ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ تَبَرَّرَ بِٱلْأَعْمَالِ فَلَهُ فَخْرٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَدَى ٱللهِ.” (اﻵﻳﺘﺎن ١-٢).ﻫﻨﺎك ﺗﺒﺮﻳﺮ ﺑﺎﻷﻋﻤﺎل، وﻟﻜﻨﻪ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﻤﺎ ﻫﻮ ﻇﺎﻫﺮ ﻟﻠﻌﻴﺎن. ﻫﺬا اﻟﺘﺒﺮﻳﺮ ﻟﻴﺲ ﺧﻼﺻًﺎ، وﻻ ﻳُﻌﺪ ﺑﺎﻟﻀﺮورة دﻟﻴﻼً ﻋﲆ اﻟﺨﻼص، ﻛﻤﺎ ﺳﻨﺮى ﻻﺣﻘًﺎ.
“لِأَنَّهُ مَاذَا يَقُولُ ٱلْكِتَابُ؟ «فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِٱللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا».” (اﻵﻳﺔ ٣).ﻫﺬا ﺑﺮﱞ ﻳُﻨﺴﺐ إﱃ رﺟﻞ ﻟﻢ ﻳﻔﻌﻞ ﺷﻴﺌًﺎ ﺳﻮى ﺗﺼﺪﻳﻖ ﻛﻼم ﷲ.
“أَمَّا ٱلَّذِي يَعْمَلُ فَلَا تُحْسَبُ لَهُ ٱلْأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ. وَأَمَّا ٱلَّذِي لَا يَعْمَلُ، وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِٱلَّذِي يُبَرِّرُ ٱلْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا.” (اﻵﻳﺎت ٤-٥). وﻓﻲ ﻫﺬا ﻳُﻀﺮب ﻣﺜﺎل إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻟﻘﺮاء رﺳﺎﻟﺔ روﻣﻴﺔ، ﻛﺪﻟﻴﻞ ﻋﲆ اﻟﻄﺮﻳﻖ اﻟﺬي ﺳﻴﺨﻠﺼﻬﻢ ﷲ ﺑﻪ إن آﻣﻨﻮا.
“أَفَهَذَا ٱلتَّطْوِيبُ هُوَ عَلَى ٱلْخِتَانِ فَقَطْ أَمْ عَلَى ٱلْغُرْلَةِ أَيْضًا؟ لِأَنَّنَا نَقُولُ: إِنَّهُ حُسِبَ لِإِبْرَاهِيمَ ٱلْإِيمَانُ بِرًّا. (ﻟﻴﺲ ﺑﺴﺒﺐ ﺑﺮه، ﺑﻞ ﻟﻴُﺤﺴﺐ ﻟﻪ ﻛﺒﺮًا.) فَكَيْفَ حُسِبَ؟ أَوَهُوَ فِي ٱلْخِتَانِ (ﺑﻤﻮﺟﺐ أﻋﻤﺎل ﷲ)، أَمْ فِي ٱلْغُرْلَةِ؟ لَيْسَ فِي ٱلْخِتَانِ، بَلْ فِي ٱلْغُرْلَةِ! وَأَخَذَ عَلَامَةَ ٱلْخِتَانِ خَتْمًا لِبِرِّ ٱلْإِيمَانِ ٱلَّذِي كَانَ فِي ٱلْغُرْلَةِ، لِيَكُونَ أَبًا لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي ٱلْغُرْلَةِ، كَيْ يُحْسَبَ لَهُمْ أَيْضًا ٱلْبِرُّ.” (اﻵﻳﺎت ٩-١١). وﻫﻜﺬا ﻳﺘﻀﺢ أن إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ اﺳﺘﺜﻨﺎءً ﺑﻞ ﻛﺎن اﻟﻨﻤﻮذج اﻷﻣﺜﻞ. ﻓﻜﻞ ﻣﻦ ﻳﺆﻣﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻳُﺤﺴﺐ ﻟﻪ اﻟﺒﺮ دون أﻋﻤﺎل.
“وَأَبًا لِلْخِتَانِ لِلَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ ٱلْخِتَانِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يَسْلُكُونَ فِي خُطُوَاتِ إِيمَانِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي كَانَ وَهُوَ فِي ٱلْغُرْلَةِ. فَإِنَّهُ لَيْسَ بِٱلنَّامُوسِ كَانَ ٱلْوَعْدُ لِإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ ٱلْإِيمَانِ.” (اﻵﻳﺎت ١٢-١٣).ﻧﺮى أن اﻟﻮﻋﻮد اﻟﺘﻲ ﻧﺎﻟﻬﺎ ﻻﺣﻘًﺎ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻣﻜﺎﻓﺂت ﻣﺴﺘﺤﻘﺔ ﻋﲆ أﻋﻤﺎل ﺻﺎﻟﺤﺔ، ﺑﻞ ﺑﺮﻛﺎت ﻣُﻨﺤﺖ ﻟﺮﺟﻞ آﻣﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ.
“لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ ٱلَّذِينَ مِنَ ٱلنَّامُوسِ هُمْ وَرَثَةً، فَقَدْ تَعَطَّلَ ٱلْإِيمَانُ وَبَطَلَ ٱلْوَعْدُ:” (اﻵﻳﺔ ١٤).ﻫﻨﺎ ﻳُﻌﻠﻦ اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس أﻧﻪ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﻜﻮن ﻫﻨﺎك ﻧﻈﺎم ﻳُﻤﻨﺢ ﺑﻤﻮﺟﺒﻪ اﻟﺨﻼص واﻟﺤﻴﺎة ﻟﻤﻦ ﻟﺪﻳﻬﻢ ﻣﺰﻳﺞ ﻣﻌﻴﻦ ﻣﻦ اﻹﻳﻤﺎن واﻻﻟﺘﺰام ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ.
“لِأَنَّ ٱلنَّامُوسَ يُنْشِئُ غَضَبًا، إِذْ حَيْثُ لَيْسَ نَامُوسٌ لَيْسَ أَيْضًا تَعَدٍّ.” (اﻵﻳﺔ ١٥).وﻛﻤﺎ رأﻳﻨﺎ ﺳﺎﺑﻘًﺎ ﻓﻲ دراﺳﺘﻨﺎ، ﻓﺈن اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻻ ﺗﻤﻠﻚ إﻻ اﻹداﻧﺔ، وﻻ ﺗﻤﻠﻚ اﻟﻘﺪرة ﻋﲆ اﻟﺨﻼص.
“لِهَذَا هُوَ مِنَ ٱلْإِيمَانِ، كَيْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ ٱلنِّعْمَةِ، لِيَكُونَ ٱلْوَعْدُ وَطِيدًا لِجَمِيعِ ٱلنَّسْلِ. لَيْسَ لِمَنْ هُوَ مِنَ ٱلنَّامُوسِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا لِمَنْ هُوَ مِنْ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ، ٱلَّذِي هُوَ أَبٌ لِجَمِيعِنَا.” (اﻵﻳﺔ ١٦).
إن اﻟﻤﺜﺎل اﻟﻮارد ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ روﻣﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ، واﻟﺬي ﻳُﺒﻴﻦ ﻛﻴﻒ ﻳُﺨﻠﺺ اﻟﻨﺎس ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻌﺼﺮ ﺑﺎﻟﻨﻌﻤﺔ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻹﻳﻤﺎن، ﻫﻮ ﻣﺜﺎل رﺟﻞ وُﻟﺪ وﻋﺎش وﻣﺎت ﻗﺒﻞ ﻧﺰول اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. ﻟﻘﺪ آﻣﻦ ﺑﺎﻟﻮﺣﻲ اﻟﺬي أﻧﺰﻟﻪ ﷲ ﻋﻠﻴﻪ، واﺳﺘﺠﺎﺑﺔً ﻟﻬﺬا اﻹﻳﻤﺎن، ﺣُﺴﺒﺖ ﻟﻪ اﻟﺒﺮ ﺑﺎﻟﻨﻌﻤﺔ ﻣﻦ اﻟﺮب. ﻗﻠّﻤﺎ ﻧﺠﺪ ﻓﻲ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس ﻣﺎ ﻫﻮ أﺳﻬﻞ ﻓﻬﻤًﺎ ﻣﻦ ﻫﺬا.
واﻵن دﻋﻮﻧﺎ ﻧﻔﺤﺺ ﻏﻼﻃﻴﺔ “٣” ﺣﻴﺚ ﻳﺘﻢ ﺷﺮح ﻧﻔﺲ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ ﺑﻮﻟﺴﻴﺔ أﺧﺮى.
“كَمَا «آمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِٱللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا». ٱعْلَمُوا إِذًا أَنَّ ٱلَّذِينَ هُمْ مِنَ ٱلْإِيمَانِ أُولَئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ. 8وَٱلْكِتَابُ إِذْ سَبَقَ فَرَأَى أَنَّ ٱللهَ بِٱلْإِيمَانِ يُبَرِّرُ ٱلْأُمَمَ، (ﻏﻴﺮ اﻟﻴﻬﻮد اﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﺘﺒﻌﻮن اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ).” (اﻵﻳﺎت ٦ – ٨أ) ﻓﻼ ﺗﻨﺨﺪﻋﻮا ﺑﻤﻦ ﻳﺒﺎﻟﻐﻮن ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺑﻮﻟﺲ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ اﺑﻦ ﷲ. ﻟﻘﺪ ﻋﺮف ﺑﻮﻟﺲ اﻹﻧﺠﻴﻞ، وﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻫﺬا ﻣﺎ ﻳﺴﻤﺢ ﻷﺣﺪ أن ﻳﻔﺴّﺮ اﻹﻧﺠﻴﻞ إﻻ ﻋﲆ أﻧﻪ اﻟﺒﺸﺎرة اﻟﺘﻲ أﻧﺰﻟﻬﺎ ﷲ ﻋﲆ اﻹﻧﺴﺎن.
” سَبَقَ فَبَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ «فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ ٱلْأُمَمِ». إِذًا ٱلَّذِينَ هُمْ مِنَ ٱلْإِيمَانِ يَتَبَارَكُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُؤْمِنِ. لِأَنَّ جَمِيعَ ٱلَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ ٱلنَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ” (اﻵﻳﺎت ٨ب – ١٠أ) ﻻ ﺑﺪ ﻟﻲ ﻣﻦ ﺗﻜﺮار ﻫﺬا ﻷن ﷲ ﻳﻜﺮره. ﻓﺎﻟﻨﺎﻣﻮس ﻻ ﻳُﻨﺠﻲ اﻹﻧﺴﺎن، ﺑﻞ ﻳُﻬﻠﻜﻪ.
“لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لَا يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ ٱلنَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ».” (اﻵﻳﺔ ١٠ب).ﻫﺬا اﻟﺠﺪل اﻟﻌﻘﻴﻢ ﺣﻮل اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ اﻷﺧﻼﻗﻴﺔ ﻣﻘﺎﺑﻞ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ اﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﻣﻘﺎﺑﻞ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ اﻟﻄﻘﺴﻴﺔ ﻫﻮ ﻋﺒﺚ ﻻ أﺳﺎس ﻟﻪ ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس. ﻗﺎل ﷲ إن ﻋﲆ اﻹﻧﺴﺎن أن ﻳﻌﻤﻞ ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﻫﻮ ﻣﻜﺘﻮب ﻓﻲ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺑﺎﺳﺘﻤﺮار، وإﻻ ﻓﻬﻮ ﻣﻠﻌﻮن. ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻷﺣﺪ أن ﻳﻘﺮأ ﻫﺬا ﺑﺼﺪق وﻳﺘﺼﻮر أن اﻻﻟﺘﺰام ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ أو اﻷﻋﻤﺎل اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ﻗﺪ ﻳﻜﻮن ﻟﻪ أي دور ﻓﻲ اﻟﺨﻼص!
“وَلَكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِٱلنَّامُوسِ عِنْدَ ٱللهِ فَظَاهِرٌ، لِأَنَّ «ٱلْبَارَّ بِٱلْإِيمَانِ يَحْيَا».” (اﻵﻳﺔ ١١).وﻫﺬا ﻛﻔﻴﻞٌ ﺑﺤﺴﻢ اﻷﻣﺮ ﻧﻬﺎﺋﻴًﺎ. (وﻫﻮ ﻛﺬﻟﻚ ﻟﻤﻦ ﻳﺆﻣﻨﻮن ﺑﻜﻠﻤﺔ ﷲ.) وﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺤﺮﻳﻒ ﻛﻼم ﷲ وﺣﺼﺮ اﻟﻨﻘﺎش ﻓﻲ ﺷﺮﻳﻌﺔ ﻣﻮﺳﻰ ﺑﺪﻻً ﻣﻦ ﻣﺠﻤﻞ وﺻﺎﻳﺎ ﷲ، ﻷن إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻋﺎش وﻣﺎت ﻗﺒﻞ أن ﻳﻜﺘﺐ ﻳﻬﻮه ﺷﻴﺌًﺎ ﻋﲆ أﻟﻮاح ﻣﻦ ﺣﺠﺮ.
“وَلَكِنَّ ٱلنَّامُوسَ لَيْسَ مِنَ ٱلْإِيمَانِ، بَلِ «ٱلْإِنْسَانُ ٱلَّذِي يَفْعَلُهَا سَيَحْيَا بِهَا». اَلْمَسِيحُ ٱفْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ ٱلنَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لِأَجْلِنَا، لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ». لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلْأُمَمِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِٱلْإِيمَانِ مَوْعِدَ ٱلرُّوحِ. أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ، بِحَسَبِ ٱلْإِنْسَانِ أَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ يُبْطِلُ عَهْدًا قَدْ تَمَكَّنَ وَلَوْ مِنْ إِنْسَانٍ، أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا ٱلْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لَا يَقُولُ: «وَفِي ٱلْأَنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ: «وَفِي نَسْلِكَ» ٱلَّذِي هُوَ ٱلْمَسِيحُ. وَإِنَّمَا أَقُولُ هَذَا: إِنَّ ٱلنَّامُوسَ ٱلَّذِي صَارَ بَعْدَ أَرْبَعِمِئَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، لَا يَنْسَخُ عَهْدًا قَدْ سَبَقَ فَتَمَكَّنَ مِنَ ٱللهِ نَحْوَ ٱلْمَسِيحِ حَتَّى يُبَطِّلَ ٱلْمَوْعِدَ.” (اﻵﻳﺎت ١٢-١٧).
ﻳُﺨﺒﺮﻧﺎ اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس ﻫﻨﺎ ﺑﻤﺎ ﻳﻠﻲ:
١.ﻻ ﻳﻐﻴﺮ الناموس ﺣﻘﻴﻘﺔ أن ﷲ ﺳﻴﺤﺴﺐ اﻟﺒﺮ ﻟﻠﺮﺟﻞ اﻟﺬي ﻳﻀﻊ ﺛﻘﺘﻪ ﻓﻴﻤﺎ ﻗﺎﻟﻪ ﷲ.
٢.ﺗﻢ ﺗﺄﻛﻴﺪ ﻋﻬﺪ اﻟﺨﻼص ﻫﺬا ﺑﺎﻟﻨﻌﻤﺔ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻹﻳﻤﺎن ﻓﻲ اﻟﻤﺴﻴﺢ.
ﻗﺒﻞ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ أرﺑﻌﺔ ﻗﺮون ﻣﻦ ﻟﻘﺎء ﷲ ﺑﻤﻮﺳﻰ ﻋﲆ ﺟﺒﻞ ﺳﻴﻨﺎء، أوﺿﺢ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ أﻧﻪ ﺳﻴﻤﻨﺢ اﻟﺨﻄﺎة اﻟﺒﺮ إذا آﻣﻨﻮا ﺑﻪ، وﻟﻜﻦ ﻫﺬه اﻟﻤﻌﺎﻣﻠﺔ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن ﺗﻜﺘﻤﻞ دون أن ﻳﺘﻢ اﻟﻮﻓﺎء اﻟﻜﺎﻣﻞ ﺑﻤﻄﺎﻟﺐ ﷲ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ.
“لِأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ ٱلْوِرَاثَةُ مِنَ ٱلنَّامُوسِ، فَلَمْ تَكُنْ أَيْضًا مِنْ مَوْعِدٍ. وَلَكِنَّ ٱللهَ وَهَبَهَا لِإِبْرَاهِيمَ بِمَوْعِدٍ.” (اﻵﻳﺔ ١٨). وﻫﻜﺬا ﻛﺎن اﻟﺒﺮ اﻟﻤﻨﺴﻮب ﻋﻬﺪًا ﺑﻴﻦ ﷲ واﻹﻧﺴﺎن، واﻟﺸﺮط اﻟﻮﺣﻴﺪ ﻟﻨﻴﻞ ﺑﺮﻛﺎت ﻫﺬا اﻟﻌﻬﺪ ﻫﻮ اﻹﻳﻤﺎن ﺑﻤﺎ ﻗﺎﻟﻪ ﷲ. وﻛﺎن اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻃﺮﻓًﺎ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻌﻬﺪ، وﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﺄﻛﻴﺪه إﻻ ﻓﻴﻪ. وﺟﺎء اﻟﻨﺎﻣﻮس ﻻﺣﻘًﺎ وﻟﻢ ﻳُﻐﻴّﺮ اﻟﻌﻬﺪ ﺑﺄي ﺷﻜﻞ ﻣﻦ اﻷﺷﻜﺎل.
ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ ﻏﻼﻃﻴﺔ “٤” ﻟﺪﻳﻨﺎ ﻣﻌﻠﻮﻣﺎت إﺿﺎﻓﻴﺔ ﻋﻦ اﻟﺪور اﻟﺬي ﻟﻌﺒﺘﻪ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻓﻲ اﻟﺨﻼص.
“قُولُوا لِي، أَنْتُمُ ٱلَّذِينَ تُرِيدُونَ أَنْ تَكُونُوا تَحْتَ ٱلنَّامُوسِ: أَلَسْتُمْ تَسْمَعُونَ ٱلنَّامُوسَ؟ فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ ٱبْنَانِ، وَاحِدٌ مِنَ ٱلْجَارِيَةِ وَٱلْآخَرُ مِنَ ٱلْحُرَّةِ. لَكِنَّ ٱلَّذِي مِنَ ٱلْجَارِيَةِ وُلِدَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ، وَأَمَّا ٱلَّذِي مِنَ ٱلْحُرَّةِ فَبِالْمَوْعِدِ. وَكُلُّ ذَلِكَ رَمْزٌ، لِأَنَّ هَاتَيْنِ هُمَا ٱلْعَهْدَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ، ٱلْوَالِدُ لِلْعُبُودِيَّةِ، ٱلَّذِي هُوَ هَاجَرُ. لِأَنَّ هَاجَرَ جَبَلُ سِينَاءَ فِي ٱلْعَرَبِيَّةِ. وَلَكِنَّهُ يُقَابِلُ أُورُشَلِيمَ ٱلْحَاضِرَةَ، فَإِنَّهَا مُسْتَعْبَدَةٌ مَعَ بَنِيهَا. وَأَمَّا أُورُشَلِيمُ ٱلْعُلْيَا، ٱلَّتِي هِيَ أُمُّنَا جَمِيعًا، فَهِيَ حُرَّةٌ.”(اﻵﻳﺎت ٢١-٢٦).ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺑﺈﻣﻜﺎن اﻟﻘﺎﻧﻮن أن ﻳﺤﺮر اﻟﻤﺮء، ﺑﻞ ﻛﺎن ﺑﺈﻣﻜﺎﻧﻪ ﻓﻘﻂ أن ﻳﻮﻗﻌﻪ ﻓﻲ اﻟﻌﺒﻮدﻳﺔ.
“لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «ٱفْرَحِي أَيَّتُهَا ٱلْعَاقِرُ ٱلَّتِي لَمْ تَلِدْ. اِهْتِفِي وَٱصْرُخِي أَيَّتُهَا ٱلَّتِي لَمْ تَتَمَخَّضْ، فَإِنَّ أَوْلَادَ ٱلْمُوحِشَةِ أَكْثَرُ مِنَ ٱلَّتِي لَهَا زَوْجٌ». وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ فَنَظِيرُ إِسْحَاقَ، أَوْلَادُ ٱلْمَوْعِدِ. وَلَكِنْ كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ ٱلَّذِي وُلِدَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ يَضْطَهِدُ ٱلَّذِي حَسَبَ ٱلرُّوحِ، هَكَذَا ٱلْآنَ أَيْضًا. لَكِنْ مَاذَا يَقُولُ ٱلْكِتَابُ؟ «ٱطْرُدِ ٱلْجَارِيَةَ وَٱبْنَهَا، لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ ٱبْنُ ٱلْجَارِيَةِ مَعَ ٱبْنِ ٱلْحُرَّةِ». إِذًا أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ لَسْنَا أَوْلَادَ جَارِيَةٍ بَلْ أَوْلَادُ ٱلْحُرَّةِ.” (اﻵﻳﺎت ٢٧-٣١).ﺑﻔﻀﻞ ﷲ، أﻧﺎ ﺷﺮﻳﻚ ﻓﻲ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺬي ﻳﺤﺮر اﻹﻧﺴﺎن، وﻫﻮ أﻣﺮ ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻄﻊ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺗﺤﻘﻴﻘﻪ ﻗﻂ.

٢. داود
واﻵن ﻧﻨﺘﻘﻞ إﱃ ﻗﺼﺔ اﻟﻤﻠﻚ داود اﻟﻤﺬﻫﻠﺔ. ﺟﻤﻴﻌﻨﺎ ﻧﻌﺮف ﺣﻜﺎﻳﺎت ﺑﻄﻮﻻﺗﻪ، وﻛﻴﻒ ﻗﺘﻞ ﺑﺎﺳﻢ اﻟﺮب أﺳﺪًا ودﺑًﺎ وﺟﺒﺎرًا. وﻧﻌﻠﻢ أﻳﻀًﺎ ﻛﻴﻒ ﻗﺎوم ﺷﺎول وﻗﺎﺗﻞ ﺑﺒﺴﺎﻟﺔ ﻣﻦ أﺟﻞ إﺳﺮاﺋﻴﻞ وﻗﺘﻞ ﻋﺸﺮات اﻵﻻف ﻣﻦ رﺟﺎﻟﻪ. وﻟﻜﻦ ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ ﺟﺎء ذﻟﻚ اﻟﻠﻘﺎء اﻟﻤﺮوع ﻣﻊ ﺑﺜﺸﺒﻊ. ﻟﻦ ﻧﺘﻄﺮق إﱃ اﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ ﻫﻨﺎ، وﻟﻜﻦ ﺑﺎﺧﺘﺼﺎر، زﻧﻰ داود ﺑﺒﺜﺸﺒﻊ ﺛﻢ دﺑﺮ ﻟﻘﺘﻞ زوﺟﻬﺎ.
ﻫﺬا ﻛﻠﻪ ﻣﻬﻢ ﻓﻲ دراﺳﺘﻨﺎ، ﻓﻠﻮ ﻗﺮأ اﻟﻤﺮء اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ اﻟﻤﻨﻘﻮﺷﺔ ﻋﲆ اﻟﺤﺠﺮ ﺑﺈﺻﺒﻊ ﷲ ﻗﺮاءة ﻣﺘﺄﻧﻴﺔ، ﻟﻮﺟﺪ أﻧﻪ ﻟﻢ ﺗُﻘ ﱠﺪم أي ذﺑﻴﺤﺔ ﻟﺘﻐﻄﻴﺔ اﻟﺨﻄﻴﺌﺘﻴﻦ اﻟﻠﺘﻴﻦ ارﺗﻜﺒﻬﻤﺎ اﻟﻤﻠﻚ داود. ﻓﺎﻟﺰﻧﺎ واﻟﻘﺘﻞ ﻻ ﻳُﻌﺎﻗﺐ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ إﻻ ﺑﺎﻟﻤﻮت. وﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻓﻲ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ أي ﺳﺒﻴﻞ ﻟﻠﺘﻜﻔﻴﺮ ﻋﻦ ﻫﺎﺗﻴﻦ اﻟﺠﺮﻳﻤﺘﻴﻦ.
اﻗﺮأ ﺑﻌﻨﺎﻳﺔ ﺻﻼة اﻟﺘﻮﺑﺔ اﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﻟﺪاود، اﻟﻤﺴﺠﻠﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺰﻣﻮر “٥١”.
اِرْحَمْنِي يَا ٱللهُ… إذا ﻛﺎن اﻟﺨﻼص ﻗﺒﻞ اﻟﺼﻠﻴﺐ ﻗﺎﺋﻤﺎً ﻋﲆ ﺣﻔﻆ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﻓﻬﺬا دﻋﺎء ﺑﺎﻃﻞ. وﻟﻜﻦ إذا ﻛﺎن ﷲ رﺣﻴﻤﺎً وﻳﻐﻔﺮ ﺑﺮﺣﻤﺘﻪ، ﻓﺤﻴﻨﺌﺬٍ ﻳﻜﻮن ﻫﻨﺎك أﻣﻞ ﻓﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬا اﻷﻣﺮ.
حَسَبَ رَحْمَتِكَ… ﻟﻴﺲ أواﻣﺮ أو ﻗﺮارات ﺑﻞ ﻣﺤﺒﺔ وﻟﻄﻒ.
حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ ٱمْحُ مَعَاصِيَّ. (اﻵﻳﺔ ١). ﻳﻄﻠﺐ داود ﻣﻦ ﷲ أن ﻳﻐﻔﺮ ﻟﻪ ذﻧﻮﺑﻪ اﺳﺘﻨﺎدًا إﱃ اﻟﻨﻌﻤﺔ وﺣﺪﻫﺎ.
ٱغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي. (اﻵﻳﺔ ٢).ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳُﻘﺪّم ﻗﺮﺑﺎﻧًﺎ وﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳُﻄﻴﻊ أي ﺷﺮﻳﻌﺔ. ﻛﺎن ﻳﻄﻠﺐ ﻣﻦ ﷲ أن ﻳﻐﺴﻠﻪ وﻳﻄﻬﺮه دون أي ﻋﻤﻞ ﺻﺎﻟﺢ.
لِأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا. إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَٱلشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ، وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ.” (اﻵﻳﺘﺎن ٣-٤).ﻫﻨﺎ اﻋﺘﺮاف ﺻﺎدق وﻧﺪم ﻋﲆ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ، وﻟﻜﻦ ﻫﻞ ﻳﻜﻔﻲ ذﻟﻚ؟ ﻻﺣﻆ أﻳﻀًﺎ ﻇﻬﻮر ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻟﺘﺒﺮﻳﺮ ﻣﺮة أﺧﺮى ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻊ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن ﺗﻌﻨﻲ ﻓﻴﻪ اﻟﺨﻼص ﻣﻦ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ. ﻫﻨﺎ، ﷲ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻳُﺒﺮﱠر.
هَأَنَذَا بِٱلْإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِٱلْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي.هَا قَدْ سُرِرْتَ بِٱلْحَقِّ فِي ٱلْبَاطِنِ، فَفِي ٱلسَّرِيرَةِ تُعَرِّفُنِي حِكْمَةً.” (اﻵﻳﺎت ٥-٦).ﻟﻘﺪ ﺳﺤﻖ ذﻧﺐ داود، وأﺗﻤّﺖ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻋﻘﻮﺑﺘﻬﺎ. أدرك اﻟﻤﻠﻚ أﻧﻪ ﻛﺎن ﻏﺎرﻗًﺎ ﻓﻲ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ ﻗﺒﻞ أن ﻳﺮى اﻣﺮأة ﺗﺴﺘﺤﻢ. وﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺴﺘﺮﺟﻊ ﺣﻴﺎﺗﻪ، ﻻ ﻳﺮى ﻓﻴﻬﺎ إﻻ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ ﻣﻦ ﺑﺪاﻳﺘﻬﺎ إﱃ ﻧﻬﺎﻳﺘﻬﺎ.
طَهِّرْنِي بِٱلزُّوفَا فَأَطْهُرَ. ٱغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ ٱلثَّلْجِ.” (اﻵﻳﺔ ٧).ﻫﻨﺎ ﻳُﻌﺒّﺮ اﻟﺮﺟﻞ ﻋﻦ إﻳﻤﺎﻧﻪ ﺑﺄن ﷲ ﻗﺎدر ﻋﲆ ﺗﻄﻬﻴﺮه ﺗﻤﺎﻣًﺎ دون أي ﻣﺴﺎﻋﺪة ﻣﻦ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. إﻧﻪ ﻳﺴﻌﻰ ﺑﺠﺮأة إﱃ اﻟﺘﻄﻬﻴﺮ دون اﻟﺤﺎﺟﺔ إﱃ أي ﻗﺮﺑﺎن ﻣﻦ ﻗﺮاﺑﻴﻦ اﻟﻼوﻳﻴﻦ.
أَسْمِعْنِي سُرُورًا وَفَرَحًا، فَتَبْتَهِجَ عِظَامٌ سَحَقْتَهَا. ٱسْتُرْ وَجْهَكَ عَنْ خَطَايَايَ، وَٱمْحُ كُلَّ آثَامِي.قَلْبًا نَقِيًّا ٱخْلُقْ فِيَّ يَا ٱللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي. لَا تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ ٱلْقُدُّوسَ لَا تَنْزِعْهُ مِنِّي. رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلَاصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ ٱعْضُدْنِي.” (٨-١٢).ﻣﻦ اﻟﺒﺪاﻳﺔ إﱃ اﻟﻨﻬﺎﻳﺔ، ﻫﺬا ﻧﺪاء إﱃ إﻟﻪ ﻛﻞ ﻧﻌﻤﺔ. ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻫﻨﺎ أي ذﻛﺮ ﻟﻤﺎ ﺳﻴﻔﻌﻠﻪ داود ﻣﻦ أﺟﻞ ﷲ؛ ﺑﻞ ﻣﺠﺮد دﻋﺎء إﱃ ﷲ أن ﻳﻔﻌﻞ ﻣﻦ أﺟﻠﻪ.
فَأُعَلِّمَ ٱلْأَثَمَةَ طُرُقَكَ، وَٱلْخُطَاةُ إِلَيْكَ يَرْجِعُونَ.” (اﻵﻳﺔ ١٣).وﻫﻜﺬا ﻧﺮى أن رﺟﻼً ﺧﺎﺿﻌﺎً ﻟﻠﺸﺮﻳﻌﺔ ﻳﻄﻠﺐ اﻟﺨﻼص ﺑﻤﻌﺰل ﻋﻨﻬﺎ، وﻳﻌﻠﻦ أن ﻫﺬا اﻟﺨﻼص ﺳﻴﻜﻮن وﺳﻴﻠﺔ ﻟﺘﻌﻠﻴﻢ اﻟﻌﺼﺎة اﻵﺧﺮﻳﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﷲ إﱃ اﻟﺘﻮﺑﺔ. ﺗﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﻫﺬا ﻣﻦ ﻓﻀﻠﻚ.
نَجِّنِي مِنَ ٱلدِّمَاءِ يَا ٱللهُ، إِلَهَ خَلَاصِي، فَيُسَبِّحَ لِسَانِي بِرَّكَ.” (اﻵﻳﺔ ١٤). ﻫﺎ ﻫﻮ ذا. داود ﻳﻄﻠﺐ اﻟﺒﺮّ اﻟﻤﻨﺴﻮب إﱃ إﺑﺮاﻫﻴﻢ اﻟﺬي ﻣﻨﺤﻪ ﷲ إﻳﺎه. ﻫﻮ ﻻ ﻳﻄﻠﺐ ﻣﻦ ﷲ أن ﻳﺠﻌﻠﻪ ﺑﺎرا، ﺑﻞ ﻳﻄﻠﺐ ﺑﺮّ ﷲ.
يَا رَبُّ ٱفْتَحْ شَفَتَيَّ، فَيُخْبِرَ فَمِي بِتَسْبِيحِكَ. لِأَنَّكَ لَا تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلَّا فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لَا تَرْضَى.” (اﻵﻳﺎت ١٥-١٦).ﻫﺎ ﻫﻮ ذا! واﺿﺢ وﺿﻮح اﻟﺸﻤﺲ! ﻻ ﻳُﻤﻜﻦ إﻧﻜﺎره! ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ، اﻟﺬي ﻳﻌﻴﺶ ﺗﺤﺖ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﻗﺪ اﺳﺘﻨﺘﺞ أﻧﻪ ﻻ ﺗﻮﺟﺪ ذﺑﻴﺤﺔ ﺗُﺮﺿﻲ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎت ﷲ اﻟﻘﺪوس اﻟﻌﺎدل. إﻧﻪ ﻳُﺮاﻫﻦ ﺑﺮوﺣﻪ اﻷﺑﺪﻳﺔ ﻋﲆ أﻣﻞ أن ﷲ ﻳُﻔﻀّﻞ ﻗﻠﺐ اﻹﻧﺴﺎن ﻋﲆ ﻣﺎﻟﻪ أو ﺧﺪﻣﺘﻪ. إﻧﻪ ﻣُﺴﺘﻌﺪ ﻟﺘﻘﺪﻳﻢ أي ذﺑﻴﺤﺔ ﻳﻄﻠﺒﻬﺎ ﷲ، ﻟﻜﻨﻪ ﻳﻌﻠﻢ أﻧﻪ ﻻ ﺗﻮﺟﺪ ذﺑﻴﺤﺔ ﺗُﻜﻔّﺮ ﻋﻦ ذﻧﻮﺑﻪ اﻟﻔﻈﻴﻌﺔ. إﻧﻪ ﻳﻀﻊ ﻛﻞ رﺟﺎﺋﻪ ﻓﻲ رﺿﺎ ﷲ ﺑﺈﻳﻤﺎن ﺑﺴﻴﻂ.
ذَبَائِحُ ٱللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. ٱلْقَلْبُ ٱلْمُنْكَسِرُ وَٱلْمُنْسَحِقُ يَا ٱللهُ لَا تَحْتَقِرُهُ.” (اﻵﻳﺔ ١٧).وﻫﻜﺬا، ﻳُﺨﺒﺮﻧﺎ ﻛﻼم ﷲ أن ﷲ ﻻ ﻳﻘﺒﻞ إﻻ ذﺑﻴﺤﺔ واﺣﺪة ﻟﻠﺨﻼص ﺑﻤﻮﺟﺐ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. إﻧﻬﺎ اﻟﺬﺑﻴﺤﺔ اﻟﻮﺣﻴﺪة اﻟﺘﻲ ﺗُﻜﱢﻔﺮ ﻋﻦ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ. إﻧﻬﺎ اﻟﻘﻠﺐ اﻟﻤﻨﻜﺴﺮ واﻟﻤﺘﻮاﺿﻊ، اﻟﻤﺘﻮﻛﻞ ﻋﲆ رﺣﻤﺔ ﷲ اﻟﻜﺮﻳﻢ.
أَحْسِنْ بِرِضَاكَ إِلَى صِهْيَوْنَ. ٱبْنِ أَسْوَارَ أُورُشَلِيمَ. حِينَئِذٍ تُسَرُّ بِذَبَائِحِ ٱلْبِرِّ، مُحْرَقَةٍ وَتَقْدِمَةٍ تَامَّةٍ. حِينَئِذٍ يُصْعِدُونَ عَلَى مَذْبَحِكَ عُجُولًا.” (اﻵﻳﺎت ١٨-١٩).ﻻ ﺗﻐﻔﻠﻮا ﻫﺬه اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ اﻟﺠﻮﻫﺮﻳﺔ، أﻳﻬﺎ اﻷﺣﺒﺎء. ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺬﺑﺎﺋﺢ اﻟﻤﺬﻛﻮرة ﻓﻲ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻗﺮاﺑﻴﻦ ﻃﻮﻋﻴﺔ ﻣﻦ أوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﺳﺒﻖ ﻟﻬﻢ أن ﺗﻮﻛﻠﻮا ﻋﲆ اﻟﺮب ﻟﻐﻔﺮان اﻟﺨﻄﺎﻳﺎ. ﻫﻞ ﻳﺠﺪ ﷲ أي ﺳﺮور ﻓﻲ اﻟﻘﺮاﺑﻴﻦ اﻟﻤﻔﺮوﺿﺔ ﺷﺮﻋﺎً إذا ﺗﻢ ﺗﻘﺪﻳﻢ اﻟﻘﺮﺑﺎن ﺑﺸﻜﻞ ﺻﺤﻴﺢ؟
ﺗﺨﻴّﻞ رﺟﻠﻴﻦ ﻳﺄﺗﻴﺎن إﱃ ﺧﻴﻤﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎع ﻳﻮم اﻟﺴﺒﺖ. أﺣﺪﻫﻤﺎ ﻳﺤﻤﻞ ﺧﺮوﻓًﺎ وﻣﻜﻮﻧﺎت ﻟﺘﻘﺪﻣﺔ ﻃﻌﺎم، وﻳﺄﻣﻞ أن ﻳﻜﻮن ﻫﺬا اﻟﺨﺮوف وﻫﺬه اﻟﺘﻘﺪﻣﺔ ﻛﺎﻓﻴﻴﻦ ﻟﻴﺤﺼﻞ أﺧﻴﺮًا ﻋﲆ ﺑﻌﺾ اﻟﺴﻼم ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ. إﻧﻪ ﻳﺘﻮق ﺑﺸﺪة ﻹﺑﻬﺎر ﷲ ﺑﻄﺎﻋﺘﻪ ﻟﻴﻨﺎل اﻟﺤﻴﺎة. ﻟﻜﻨﻪ ﻫﺎﻟﻚ ﻻ ﻣﺤﺎﻟﺔ. أﻣﺎ اﻵﺧﺮ، ﻓﻴﺤﻤﻞ ﺧﺮوﻓًﺎ وﻣﻜﻮﻧﺎت ﻟﺘﻘﺪﻣﺔ ﻃﻌﺎم، وﻳﺤﻀﺮﻫﺎ ﺷﻜﺮًا ﻟﻠﻪ ﻋﲆ اﻟﺨﻼص اﻟﺬي أﻧﻌﻢ ﺑﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﺠﺎﻧًﺎ. ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ وﺗﻘﺪﻣﺘﻪ ﻣﻘﺒﻮﻻن ﻋﻨﺪ ﷲ.
اﻧﻈﺮ إﱃ رﺟﻠﻴﻦ ﻳﺪﺧﻼن اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﺻﺒﺎح ﻳﻮم اﻷﺣﺪ. أﺣﺪﻫﻤﺎ ﻳﻀﻊ ﻧﻘﻮده ﻓﻲ ﺻﻨﺪوق اﻟﺘﺒﺮﻋﺎت، وﻳﺮﻧّﻢ ﻓﻲ اﻟﺠﻮﻗﺔ، وﻳﺨﺪم ﻓﻲ ﻟﺠﻨﺔ ﻣﺴﺎﻋﺪة ﻛﺒﺎر اﻟﺴﻦ. ﻳﻔﻌﻞ ﻛﻞ ﻫﺬه اﻷﻋﻤﺎل اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ﻋﲆ أﻣﻞ أن ﺗﻨﺎل ﻣﻨﻪ اﻟﺤﻴﺎة اﻷﺑﺪﻳﺔ. ﻟﻜﻦ ﻣﺼﻴﺮه اﻟﻬﻼك. أﻣﺎ اﻵﺧﺮ، ﻓﻴﻀﻊ ﻧﻘﻮده ﻓﻲ ﺻﻨﺪوق اﻟﺘﺒﺮﻋﺎت، وﻳﺮﻧّﻢ ﻓﻲ اﻟﺠﻮﻗﺔ، وﻳﺨﺪم ﻓﻲ ﻟﺠﻨﺔ ﻣﺴﺎﻋﺪة ﻛﺒﺎر اﻟﺴﻦ. ﻳﻔﻌﻞ ﻛﻞ ﻫﺬه اﻷﻋﻤﺎل اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ﺷﻜﺮًا ﻟﻠﻪ ﻋﲆ اﻟﺨﻼص اﻟﺬي ﻣﻨﺤﻪ إﻳﺎه ﻣﺠﺎﻧًﺎ. ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ، وﺗﺒﺮﻋﻪ، ﻣﻘﺒﻮﻻن ﻋﻨﺪ ﷲ.
ﺛﻢ ﻧﺴﺘﻤﺘﻊ ﺑﺘﻌﻠﻴﻖ ﷲ ﻋﲆ ﺻﻼة داود ﻓﻲ اﻟﻤﺰﻣﻮر “٥١”.ﻧﻔﺮح ﻟﺮؤﻳﺔ أن اﻟﺮب ﻟﻢ ﻳﻮﺑﺦ اﻹﻧﺴﺎن اﻟﺴﺎﻗﻂ ﻟﻌﺪم ﺳﻌﻴﻪ ﻟﻠﺨﻼص ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﺑﻞ ﻣﻨﺢ اﻟﺘﺎﺋﺐ ﺑﺮﺣﻤﺘﻪ اﻟﻐﻔﺮان اﻟﺬي ﺳﻌﻰ إﻟﻴﻪ ﺑﺼﺪق.
ﺷﻬﺪ داود ﻓﻲ اﻟﻤﺰاﻣﻴﺮ (٣٢: ١-٥) “طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ (ﺑﺪون ذﺑﻴﺤﺔ ﺣﻴﻮاﻧﻴﺔ)، وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. (ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أن ذﻟﻚ ﻟﻴﺲ ﺑﺴﺒﺐ أﻋﻤﺎل ﺻﺎﻟﺤﺔ.) طُوبَى لِرَجُلٍ لَا يَحْسِبُ لَهُ ٱلرَّبُّ خَطِيَّةً… اﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻓﻴﻤﺎ ﻓﻌﻠﻪ اﻹﻧﺴﺎن أو ﻟﻢ ﻳﻔﻌﻠﻪ، ﺑﻞ ﻓﻴﻤﺎ إذا ﻛﺎن ﷲ ﻳﺨﺘﺎر أن ﻳﺤﺎﺳﺒﻪ ﻋﲆ ﺟﺮاﺋﻤﻪ. …وَلَا فِي رُوحِهِ غِشٌّ.لَمَّا سَكَتُّ بَلِيَتْ عِظَامِي مِنْ زَفِيرِي ٱلْيَوْمَ كُلَّهُ، لِأَنَّ يَدَكَ ثَقُلَتْ عَلَيَّ نَهَارًا وَلَيْلًا. تَحَوَّلَتْ رُطُوبَتِي إِلَى يُبُوسَةِ ٱلْقَيْظِ. سِلَاهْ. أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلَا أَكْتُمُ إِثْمِي…. اﻧﻈﺮ ﻛﻴﻒ ﺗﻌﻤﻞ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻓﻲ إﻇﻬﺎر ذﻧﺐ اﻹﻧﺴﺎن وﺣﺜّﻪ ﻋﲆ اﻟﺘﻮﺑﺔ. … قُلْتُ: «أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي» وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي. سِلَاهْ.
– ﺳﻤﻌﻮا ﻛﻠﻤﺔ ﷲ وآﻣﻨﻮا ﺑﻬﺎ.
– اﻟﻘﻠﺐ اﻟﻤﻜﺴﻮر واﻟﺸﻌﻮر ﺑﺎﻟﺬﻧﺐ.
– دﻋﻮة ﻣﺘﻮاﺿﻌﺔ إﱃ اﻟﺮب.
– اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ ﻏﻴﺮ اﻟﻤﻨﺴﻮﺑﺔ.
– ﺗﻢ ﻣﻨﺢ اﻟﻌﻔﻮ.
– اﻷﻋﻤﺎل اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻋﺎﻣﻼً ﻓﻲ اﻟﺼﻔﻘﺔ.
ﻳُﻮﺟﺪ ﺗﻌﻠﻴﻖ اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس ﻋﲆ ﻫﺬا اﻷﻣﺮ ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ روﻣﻴﺔ (٤: ٥-٨). “وَأَمَّا ٱلَّذِي لَا يَعْمَلُ، وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِٱلَّذِي يُبَرِّرُ ٱلْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا. كَمَا يَقُولُ دَاوُدُ أَيْضًا فِي تَطْوِيبِ ٱلْإِنْسَانِ ٱلَّذِي يَحْسِبُ لَهُ ٱللهُ بِرًّا بِدُونِ أَعْمَالٍ: «طُوبَى لِلَّذِينَ غُفِرَتْ آثَامُهُمْ وَسُتِرَتْ خَطَايَاهُمْ. طُوبَى لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي لَا يَحْسِبُ لَهُ ٱلرَّبُّ خَطِيَّةً».”
ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ ﻷوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺆﻣﻨﻮن ﺑﺎﻟﻜﺘﺐ اﻟﻤﻘﺪﺳﺔ أن ﻛﻼً ﻣﻦ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ واﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ ﻳﻌﻠﻨﺎن أن اﻟﺨﻼص ﻗﺒﻞ اﻟﺼﻠﻴﺐ ﻛﺎن ﻣﺴﺄﻟﺔ ﺑﺮ ﻣﻨﺴﻮب، ﻳُﻤﻨﺢ ﻣﺠﺎﻧﺎً ﻷوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻀﻌﻮن إﻳﻤﺎﻧﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﺮب وأن ﻫﺬه اﻟﻬﺒﺔ ﺗُﻤﻨﺢ ﺑﺪون أﻋﻤﺎل.
ﻟﻤﺎذا إذن ﻳُﺒﻴّﻦ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ ﺑﻮﺿﻮح أن إﺑﺮاﻫﻴﻢ (ﻟﻮﻗﺎ ١٦) وداود (أﻋﻤﺎل اﻟﺮﺳﻞ ٢) ﻟﻢ ﻳﺼﻌﺪا إﱃ اﻟﺴﻤﺎء ﺑﻌﺪ ﻣﻮﺗﻬﻤﺎ؟ ﻷن ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻫﻮ اﻟﻄﺮﻳﻖ واﻟﺤﻖ واﻟﺤﻴﺎة، وﻻ ﻳﺄﺗﻲ أﺣﺪ إﱃ اﻵب إﻻ ﺑﻪ (ﻳﻮﺣﻨﺎ ١٤: ٦). “«اَلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ ٱلَّذِي لَا يَدْخُلُ مِنَ ٱلْبَابِ إِلَى حَظِيرَةِ ٱلْخِرَافِ، بَلْ يَطْلَعُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَذَاكَ سَارِقٌ وَلِصٌّ.” (ﻳﻮﺣﻨﺎ ١٠: ١).
ﻣﺎت ﻫﺆﻻء اﻟﺮﺟﺎل ﻋﲆ اﻹﻳﻤﺎن، وﻟﺬﻟﻚ ﻟﻢ ﻳُﺤﻜﻢ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﺎﻟﻬﻼك اﻷﺑﺪي. ﻟﻜﻨﻬﻢ اﺿﻄﺮوا ﻟﻼﻧﺘﻈﺎر ﺣﺘﻰ ﻳُﻄﻬﺮﻫﻢ دم ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻟﻴﺘﻤﻜﻨﻮا ﻣﻦ دﺧﻮل ﺣﻀﺮة اﻟﺮب. ﻟﻘﺪ ﻏُﻔﺮت ذﻧﻮﺑﻬﻢ، وﺳُﺘﺮت، ﻟﻜﻦ ﺗﻠﻚ اﻟﺬﻧﻮب ﻟﻢ ﺗُﻜﻔّﺮ، ﻛﻤﺎ ﺗﻘﺘﻀﻲ ﻋﺪاﻟﺔ ﷲ وﻗﺪﺳﻪ.
وﻣﻦ اﻟﻼﻓﺖ ﻟﻠﻨﻈﺮ أن ﺻﻼة داود ﻓﻲ اﻟﻤﺰﻣﻮر ٥١ ﻣﺬﻛﻮرة ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ اﻟﻌﺒﺮاﻧﻴﻴﻦ ١٠ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺴﻴﺎق ﺑﺎﻟﺬات.
ﻳﻘﻮل اﻟﻌﺒﺮاﻧﻴﻮن (١٠: ١-١٠) “لِأَنَّ ٱلنَّامُوسَ، إِذْ لَهُ ظِلُّ ٱلْخَيْرَاتِ ٱلْعَتِيدَةِ لَا نَفْسُ صُورَةِ ٱلْأَشْيَاءِ، لَا يَقْدِرُ أَبَدًا بِنَفْسِ ٱلذَّبَائِحِ كُلَّ سَنَةٍ، ٱلَّتِي يُقَدِّمُونَهَا عَلَى ٱلدَّوَامِ، أَنْ يُكَمِّلَ ٱلَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ. وَإِلَّا، أَفَمَا زَالَتْ تُقَدَّمُ؟ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ٱلْخَادِمِينَ، وَهُمْ مُطَهَّرُونَ مَرَّةً، لَا يَكُونُ لَهُمْ أَيْضًا ضَمِيرُ خَطَايَا.” وﻛﻤﺎ أوﺿﺤﻨﺎ ﻣﺮارًا، ﻓﺈن ﻫﺬه اﻟﻘﺮاﺑﻴﻦ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺳﻮى رﻣﺰٍ ﻟﻠﺘﻜﻔﻴﺮ اﻟﻀﺮوري، ﻻ ﺟﻮﻫﺮه. وﻟﻮ ﻗﺪﻣﻬﺎ اﻟﻤﺮء ﺑﺎﻧﺘﻈﺎم ﻛﻞ ﻋﺎم، ﻟﻤﺎ اﺳﺘﻄﺎﻋﺖ أن ﺗُﺮﺿﻲ ﷲ أو ﺗُﺮﺿﻲ ﻗﻠﺐ اﻹﻧﺴﺎن.
“لَكِنْ فِيهَا كُلَّ سَنَةٍ ذِكْرُ خَطَايَا.” ﻳُﺬﻛّﺮﻧﺎ ﻋﺸﺎء اﻟﺮب (ﻛﻮرﻧﺜﻮس اﻷوﱃ ١١) ﺑﺄن ﻛﻔﺎرة ﺧﻄﺎﻳﺎﻧﺎ ﻗﺪ دُﻓﻌﺖ ﺑﺎﻟﻜﺎﻣﻞ. أﻣﺎ ذﺑﺎﺋﺢ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ ﻓﻜﺎﻧﺖ ﺗُﺬﻛّﺮ ﻣﻦ ﻳُﻘﺪّﻣﻮن ﻫﺬه اﻟﻘﺮاﺑﻴﻦ ﺑﺄن ﺧﻄﺎﻳﺎﻫﻢ ﻣﺎ زاﻟﺖ ﻗﺎﺋﻤﺔ.
“لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا.” ﻣﺴﺘﺤﻴﻞ! ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﻮت ﻳﺴﻮع ﻃﺮﻳﻘًﺎ آﺧﺮ ﻟﻠﺨﻼص، أو ﻃﺮﻳﻘًﺎ أﺳﻬﻞ، أو أي ﻓﻜﺮة ﺗﺠﺪﻳﻔﻴﺔ أﺧﺮى ﻃﺮﺣﻬﺎ رﺟﺎل اﻟﺪﻳﻦ واﻟﻤﻔﺴﺮون. أﻋﻤﺎل اﻹﻧﺴﺎن اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ ﻻ ﺗﻤﺤﻮ ﺧﻄﺎﻳﺎه.
“لِذَلِكَ (ﻷن ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺨﻄﺎﻳﺎ ﻛﺎن ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﻛﻔﺎرة ﻟﻬﺎ ﻗﺒﻞ أن ﻳُﻐﻔﺮ ﻷي ﺧﺎﻃﺊ) عِنْدَ دُخُولِهِ (ﺟﺎء ﻳﺴﻮع)  إِلَى ٱلْعَالَمِ يَقُولُ: «ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلَكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا. بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ…. ﻻ ﺳُﺮّة، وﻻ ﺳُﺮّة ﻣﺤﺪودة، وﻻ ﺳُﺮّة ﺟﺰﺋﻴﺔ – لم تسره ﻋﲆ اﻹﻃﻼق! … وَلَكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا. بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ. ثُمَّ قُلْتُ: هَأَنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ ٱلْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لِأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا ٱللهُ». إِذْ يَقُولُ آنِفًا: «إِنَّكَ ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا وَمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُرِدْ وَلَا سُرِرْتَ بِهَا». ٱلَّتِي تُقَدَّمُ حَسَبَ ٱلنَّامُوسِ. ثُمَّ قَالَ: «هَأَنَذَا أَجِيءُ لِأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا ٱللهُ».” ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺸﻴﺌﺔ ﷲ أن ﺗُﻜﻔّﺮ اﻟﺨﻄﺎﻳﺎ، وﻻ ﺷﻲء ﺳﻮى دم ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ اﻟﺜﻤﻴﻦ ﻳُﻤﻜﻦ أن ﻳُﻜﻔّﺮ ﻋﻨﻬﺎ.
“يَنْزِعُ ٱلْأَوَّلَ لِكَيْ يُثَبِّتَ ٱلثَّانِيَ. فَبِهَذِهِ ٱلْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً.” ﻛﺎن ﻣﻮت اﻟﺮب اﻟﻔﺪاﺋﻲ ﻋﲆ اﻟﺼﻠﻴﺐ ﻛﻔﺎرة ﻟﺠﻤﻴﻊ ﺧﻄﺎﻳﺎ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﺨﻄﺎة إﱃ اﻷﺑﺪ.
وﻫﻜﺬا ﻧﺮى أﻧﻪ ﻛﻤﺎ أن اﻟﺒﺮ اﻟﻤﻨﺴﻮب إﱃ إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺗﻄﻠﺐ أن ﺗﻜﻮن اﻟﻤﻌﺎﻣﻠﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﻴﺢ، ﻓﺈن اﻟﻐﻔﺮان اﻟﻜﺮﻳﻢ اﻟﺬي ﻣُﻨﺢ ﻟﺪاود ﺗﻄﻠﺐ ﺗﻘﺪﻳﻢ ﺟﺴﺪ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻗﺒﻞ أن ﻳﺘﻢ اﻟﺘﻤﺘﻊ ﺑﻜﺎﻣﻞ ﺑﺮﻛﺘﻪ.
ﻣﺎ ﻳﺪرﻛﻪ اﻟﻘﻠﻴﻠﻮن ﻫﻮ أن دﻳﺒﺎﺟﺔ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻫﻲ ﺷﻬﺎدة ﻣﻦ ﷲ ﺑﺄن اﻟﺨﻼص ﺳﻴﻜﻮن ﻣﺴﺄﻟﺔ ﻧﻌﻤﺔ ورﺣﻤﺔ وأن اﻟﺘﻄﻬﻴﺮ اﻟﻜﺎﻣﻞ ﻣﻦ ذﻧﺐ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ ﺳﻴﻨﺘﻈﺮ ﻳﻮﻣًﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ.
ﻳُﻌﺪّ ﺳﻔﺮ اﻟﺨﺮوج (٣٤: ٤-٧) ﻣﻘﻄﻌًﺎ راﺋﻌًﺎ ﻣﻦ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس. ﻫﻨﺎ ﻳﻘﻮل اﻟﺮب إن ﻣﻮﺳﻰ “فَنَحَتَ لَوْحَيْنِ مِنْ حَجَرٍ كَٱلْأَوَّلَيْنِ. وَبَكَّرَ مُوسَى فِي ٱلصَّبَاحِ وَصَعِدَ إِلَى جَبَلِ سِينَاءَ كَمَا أَمَرَهُ ٱلرَّبُّ، وَأَخَذَ فِي يَدِهِ لَوْحَيِ ٱلْحَجَرِ.فَنَزَلَ ٱلرَّبُّ فِي ٱلسَّحَابِ، فَوَقَفَ عِنْدَهُ هُنَاكَ وَنَادَى بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ. فَٱجْتَازَ ٱلرَّبُّ قُدَّامَهُ، وَنَادَى ٱلرَّبُّ: «ٱلرَّبُّ إِلَهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ ٱلْغَضَبِ وَكَثِيرُ ٱلْإِحْسَانِ وَٱلْوَفَاءِ. حَافِظُ ٱلْإِحْسَانِ إِلَى أُلُوفٍ. غَافِرُ ٱلْإِثْمِ وَٱلْمَعْصِيَةِ وَٱلْخَطِيَّةِ. وَلَكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إِبْرَاءً. مُفْتَقِدٌ إِثْمَ ٱلْآبَاءِ فِي ٱلْأَبْنَاءِ، وَفِي أَبْنَاءِ ٱلْأَبْنَاءِ، فِي ٱلْجِيلِ ٱلثَّالِثِ وَٱلرَّابِعِ».”
ﻟﻬﺬا اﻟﺴﺒﺐ اﻧﺘﻈﺮ إﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺑﻌﺪ ﻣﻮﺗﻪ، واﻧﺘﻈﺮ داود وﻟﻌﺎزر ﺑﻌﺪ ﻣﻮﺗﻬﻤﺎ، وﻟﻬﺬا اﻟﺴﺒﺐ ﻟﻢ ﺗﺴﺘﻄﻊ ﻗﺒﻮر اﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﻘﺪﻳﺴﻴﻦ ﺗﺤﺮﻳﺮ أﺳﺮى رﺟﺎﺋﻬﻢ. ﻛﺎن ﷲ ﻳﻐﻔﺮ اﻟﺬﻧﻮب، وﻟﻜﻦ ﺑﺪون ﻓﺪاءٍ ﻋﻨﻬﺎ، ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻴﻤﺤﻮ ﺳﺠﻞ اﻟﻤﺬﻧﺐ. ﻟﻢ ﻳُﺪﻓﻊ ﻫﺬا اﻟﻔﺪاء ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﺬﺑﺎﺋﺢ ﻗﺒﻞ أو ﻓﻲ ﻇﻞ ﺷﺮﻳﻌﺔ ﻣﻮﺳﻰ، وإﻻ ﻟﻜﺎن اﻟﻄﺮﻳﻖ إﱃ اﻟﺴﻤﺎء ﻗﺪ ﻓُﺘﺢ. ﻟﻘﺪ دُﻓﻊ اﻟﻔﺪاء، وأﺗﻤﻪ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻋﲆ اﻟﺼﻠﻴﺐ. ﺣﻴﻨﻬﺎ ﻓﻘﻂ، وﺑﻤﻮﺟﺐ ذﻟﻚ، ﻃُﱢﻬﺮ اﻟﻤﺬﻧﺒﻮن اﻟﺬﻳﻦ ﻏُﻔﺮت ذﻧﻮﺑﻬﻢ، ﻟﻴﺼﻌﺪوا ﻣﻊ ﻳﺴﻮع إﱃ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻨﺘﻈﺮوﻧﻬﺎ.

ﻗﺒﻞ اﻟﺨﻮض ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺑﻮﻟﺲ، اﺳﻤﺤﻮا ﻟﻲ أن أذﻛﺮ ﻣﺜﺎﻟﻴﻦ آﺧﺮﻳﻦ ﻟﺮﺟﻠﻴﻦ ﻧﺎﻻ اﻟﺤﻴﺎة ﻣﻦ ﷲ ﻛﻌﻄﻴﺔ ﻣﻦ ﻧﻌﻤﺘﻪ ﺑﻤﻌﺰل ﻋﻦ ﺣﻔﻆ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. ﻻ ﻧﻌﺮف أﺳﻤﺎءﻫﻤﺎ، ﻟﻜﻨﻨﺎ ﻧﻔﺨﺮ ﺑﺘﺪﺑﻴﺮ اﻟﺮب ﻟﻜﻠﻴﻬﻤﺎ.
ﻳُﻨﺎﻗﺶ اﻟﻤﺜﺎل اﻷول ﻓﻲ إﻧﺠﻴﻞ ﻟﻮﻗﺎ (١٨: ١٠-١٤). “«إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى ٱلْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَٱلْآخَرُ عَشَّارٌ. أَمَّا ٱلْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هَكَذَا: اَللَّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي ٱلنَّاسِ ٱلْخَاطِفِينَ ٱلظَّالِمِينَ ٱلزُّنَاةِ، وَلَا مِثْلَ هَذَا ٱلْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي ٱلْأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. وَأَمَّا ٱلْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لَا يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ ٱلسَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلًا: اَللَّهُمَّ ٱرْحَمْنِي، أَنَا ٱلْخَاطِئَ. أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هَذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ».”
أﻣﺎ اﻟﺮﺟﻞ اﻟﺜﺎﻧﻲ، ﻓﻘﺪ ﻋﺎد إﱃ ﺑﻴﺘﻪ ﻣﻊ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ، ﻣُﻌﻠﻨًﺎ أﻧﻪ رﺟﻞ ﺑﺎرّ ﻟﻤﺠﺮد ﺗﻮﺳﻠﻪ إﱃ ﷲ ﻃﻠﺒًﺎ ﻟﻠﺮﺣﻤﺔ. ﺣﺪث ﻫﺬا ﻗﺒﻞ ﻣﻮت ﻳﺴﻮع ﻋﲆ اﻟﺼﻠﻴﺐ، وﻟﺬﻟﻚ، ﻣُﻨﺤﺖ ﻫﺬه اﻟﺒﺮﻛﺔ ﻟﺮﺟﻞ ﻛﺎن ﻳﻌﻴﺶ ﺗﺤﺖ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. ﻣﻦ اﻟﻮاﺿﺢ أﻧﻪ أُﻋﻠﻦ ﺑﺎرًا دون اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺑﻨﻌﻤﺔ اﻟﺮب.
وﺑﺎﻟﻤﺜﻞ، ﻳﻘﻒ اﻟﺨﺎﻃﺊ اﻟﻤﺘﻮاﺿﻊ ﺑﺸﺠﺎﻋﺔ ﻓﻲ وﺟﻪ ﻛﻞ ﻃﺮﻳﻖ زاﺋﻒ ﻟﻠﺨﻼص. اﺧﺘﺮ أي ﻃﺎﺋﻔﺔ أو دﻳﻦ ﻳﺴﻌﻰ ﻟﺠﻌﻞ اﻷﻋﻤﺎل اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ أو اﻟﻨﺒﻴﻠﺔ ﺟﺰءًا ﻣﻦ ﻣﺘﻄﻠﺒﺎت ﷲ، وﺳﻴﺜﺒﺖ اﻟﻠﺺ اﻟﻤﺤﺘﻀﺮ زﻳﻔﻬﺎ ﺟﻤﻴﻌًﺎ. ﺳﻮاء أﻛﺎﻧﺖ ﻛﻨﻴﺴﺔ اﻟﻤﺴﻴﺢ أو اﻟﻜﺎﺛﻮﻟﻴﻜﻴﺔ اﻟﺮوﻣﺎﻧﻴﺔ ﺗﻄﺎﻟﺐ ﺑﺎﻟﻤﻌﻤﻮدﻳﺔ ﺑﺎﻟﻤﺎء، أو اﻟﻤﻮرﻣﻮن أو ﺷﻬﻮد ﻳﻬﻮه ﻳﻄﺎﻟﺒﻮن ﺑﺎﻟﺨﺪﻣﺔ اﻟﻤﺨﻠﺼﺔ، أو اﻟﺒﺮوﺗﺴﺘﺎﻧﺖ أو اﻟﻤﺴﻠﻤﻮن ﻳﻄﺎﻟﺒﻮن ﺑﺎﻟﻌﻀﻮﻳﺔ، أو اﻟﻤﻌﻤﺪاﻧﻴﻮن اﻟﻤﺴﺘﻘﻠﻮن ﻳﺪاﻓﻌﻮن ﻋﻦ ﻋﻘﻴﺪة اﻟﺨﻼص ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن واﻷﻋﻤﺎل، ﻓﺈن اﻟﻠﺺ ﻋﲆ اﻟﺼﻠﻴﺐ ﻳﺪﺣﻀﻬﺎ ﺟﻤﻴﻌًﺎ.
ﻟﻢ ﻳُﻘﺪّم ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ أي ﻗﺮﺑﺎن، وﻟﻢ ﻳُﻜﻔّﺮ ﻋﻦ ذﻧﻮﺑﻪ، وﻟﻢ ﻳﻌﺘﺮف ﻷي ﻛﺎﻫﻦ، وﻟﻢ ﻳﺘﻌﻤّﺪ، وﻟﻢ ﻳﻨﻀﻢ إﱃ أي ﻛﻨﻴﺴﺔ، وﻟﻢ ﻳُﻌﻮّض ﻋﻦ ذﻧﻮﺑﻪ، وﻟﻢ ﻳﻔﻌﻞ أي ﻋﻤﻞ ﺻﺎﻟﺢ. ﻛﺎن ﻳﻤﻮت ﺟﺰاءً ﻟﺠﺮاﺋﻤﻪ ﺿﺪ ﷲ واﻹﻧﺴﺎن، وﺳﻴﻤﻮت ﻗﺒﻞ ﻏﺮوب اﻟﺸﻤﺲ.
“ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: «ٱذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي ٱلْفِرْدَوْسِ».” (ﻟﻮﻗﺎ ٢٣: ٤٢-٤٣).
ﻳﺎ ﻟﻪ ﻣﻦ ﻛﺘﺎب! ﻫﻠﻠﻮﻳﺎ! ﻟﻘﺪ ﻣُﻨﺤﺖ اﻟﺤﻴﺎة ﻣﺠﺎﻧًﺎ ﻟﺮﺟﻞ ﻟﻢ ﻳﻔﻌﻞ ﺷﻴﺌًﺎ ﺳﻮى اﻟﺪﻋﺎء ﺑﺎﺳﻢ اﻟﺮب. وﺑﻤﺎ أن ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ ﻣﺎت ﻗﺒﻞ ﻗﻴﺎﻣﺔ ﻳﺴﻮع، ﻓﻠﻢ ﻳُﻮﻋﺪ السماء، ﺑﻞ ﺑﺎﻟﻨﻘﻞ إﱃ اﻟﻔﺮدوس. ﻳﺎ ﻟﻪ ﻣﻦ ﻛﺘﺎب!

٣.ﺷﺎول اﻟﻄﺮﺳﻮﺳﻲ
ﻟﻨﺘﺄﻣﻞ اﻵن ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺮﺳﻮل ﺑﻮﻟﺲ اﻟﻔﺮﻳﺪة؛ ﻓﻲ اﻟﻮاﻗﻊ ﺣﺎﻟﺔ ﺷﺎول اﻟﻄﺮﺳﻮﺳﻲ. ﺷﻬﺎدﺗﻪ ﻋﻦ اﻟﺨﻼص ﻣﺄﻟﻮﻓﺔ ﻟﺪى ﻣﻌﻈﻢ اﻟﻘﺮاء، وﻳﻤﻜﻦ إﻳﺠﺎدﻫﺎ ﻓﻲ ﺳﻔﺮ أﻋﻤﺎل اﻟﺮﺳﻞ “٩”.وﻟﻜﻦ ﻷﻏﺮاض دراﺳﺘﻨﺎ، ﻧﺮﻳﺪ أن ﻧﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﺷﻬﺎدﺗﻪ ﻋﻦ ﺣﺎﻟﺘﻪ ﻗﺒﻞ اﻫﺘﺪاﺋﻪ.
ﻫﺬا ﻣﻮﺟﻮد ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ ﺑﻮﻟﺲ اﻟﺮﺳﻮل إﱃ أﻫﻞ ﻓﻴﻠﺒﻲ (٣: ٤-٩).
“مَعَ أَنَّ لِي أَنْ أَتَّكِلَ عَلَى ٱلْجَسَدِ أَيْضًا. إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى ٱلْجَسَدِ فَأَنَا بِٱلْأَوْلَى.” (اﻵﻳﺔ ٤).ﻟﻢ ﻳُﻠﻬﻢ اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ ﻟﻴﻜﺬب ﺛﻢ ﻳُﺴﺠﻞ ﻛﺬﺑﺘﻪ ﻓﻲ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس. ﻫﺎ ﻫﻮ رﺟﻞ اﺧﺘﺎره اﻟﺮب ﻟﻨﺴﺘﻤﻊ إﱃ ﺷﻬﺎدة ﺷﺨﺺ ﻛﺎن ﻟﺪﻳﻪ ﺳﺒﺐٌ أﻛﺒﺮ ﻟﻼﻋﺘﻤﺎد ﻋﲆ اﻟﺘﺰاﻣﻪ ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻟﻠﺨﻼص ﻣﻦ أي إﻧﺴﺎن آﺧﺮ.
“مِنْ جِهَةِ ٱلْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ ٱلْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ ٱلنَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ.” (اﻵﻳﺔ ٥). ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺷﻌﻮب اﻷرض، اﺧﺘﺎر ﷲ ﺷﻌﺒًﺎ واﺣﺪًا: إﺳﺮاﺋﻴﻞ. ﻛﺎن ﺷﺎول واﺣﺪًا ﻣﻨﻬﻢ. ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺟﻤﻴﻊ اﻷﺳﺒﺎط ﻓﻲ ﺗﻠﻚ اﻷﻣﺔ، ﺑﻘﻲ ﺳﺒﻄﺎن وﻓﻴﻴﻦ ﻟﻠﺮب ﻟﻔﺘﺮة ﻃﻮﻳﻠﺔ ﺑﻌﺪ أن ارﺗﺪ اﻵﺧﺮون: ﻳﻬﻮذا وﺑﻨﻴﺎﻣﻴﻦ. ﻛﺎن ﺷﺎول واﺣﺪًا ﻣﻨﻬﻢ. ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻄﻮاﺋﻒ داﺧﻞ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ، ﺗﻤﺴﻜﺖ ﻃﺎﺋﻔﺔ واﺣﺪة ﺑﺘﻔﺴﻴﺮ ﺣﺮﻓﻲ ﺻﺎرم ﻟﻠﻜﺘﺐ اﻟﻤﻘﺪﺳﺔ: اﻟﻔﺮﻳﺴﻴﻮن. ﻛﺎن ﺷﺎول واﺣﺪًا ﻣﻨﻬﻢ.
ﻣﻊ ذﻟﻚ، ﺗﺄﻣﻞ ﻫﺬه اﻟﻤﻼﺣﻈﺔ اﻹﺿﺎﻓﻴﺔ ﻣﻦ ﺳﻔﺮ أﻋﻤﺎل اﻟﺮﺳﻞ (٢٦: ٤-٥). “فَسِيرَتِي مُنْذُ حَدَاثَتِي ٱلَّتِي مِنَ ٱلْبُدَاءَةِ كَانَتْ بَيْنَ أُمَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ يَعْرِفُهَا جَمِيعُ ٱلْيَهُودِ، عَالِمِينَ بِي مِنَ ٱلْأَوَّلِ، إِنْ أَرَادُوا أَنْ يَشْهَدُوا، أَنِّي حَسَبَ مَذْهَبِ عِبَادَتِنَا ٱلْأَضْيَقِ عِشْتُ فَرِّيسِيًّا.” ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﻌﺮف اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻓﺤﺴﺐ، ﺑﻞ ﻋﺎﺷﻬﺎ أﻳﻀًﺎ. ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﻜﺘﻔﻲ ﺑﺎﻟﻌﻴﺶ وﻓﻘًﺎ ﻷدقّ ﺗﻔﺴﻴﺮاﺗﻬﺎ، ﺑﻞ ﻓﻌﻞ ذﻟﻚ ﻣﻨﺬ ﺻﻐﺮه. ﻟﻢ ﻳﻜﺘﻒِ ﺑﺎﻟﺘﺒﺎﻫﻲ ﺑﺬﻟﻚ، ﺑﻞ ﺗﺠﺮأ ﻋﲆ اﺳﺘﺪﻋﺎء ﻛﻞ ﻣﻦ ﻋﺮﻓﻪ أو ﻋﺮﻓﻪ ﻟﻴﺸﻬﺪ، واﺛﻘًﺎ ﻣﻦ أﻧﻬﻢ ﺳﻴﺆﻳﺪون ادﻋﺎءاﺗﻪ.
“مِنْ جِهَةِ ٱلْغَيْرَةِ: مُضْطَهِدُ ٱلْكَنِيسَةِ.” (اﻵﻳﺔ ٦أ.) ﻫﺬا ﻟﻴﺲ دﻟﻴﻼً ﺿﺪ ﺷﻬﺎدﺗﻪ، ﺑﻞ ﻫﻮ ﻧﻘﻄﺔ ﻗﻮة ﺑﺎﻟﻐﺔ اﻷﻫﻤﻴﺔ ﻟﺼﺎﻟﺤﻪ. ﻓﺒﺤﺴﺐ ﺳﻔﺮ اﻟﺘﺜﻨﻴﺔ “١٣” إذا ادﻋﻰ ﻳﺴﻮع أﻧﻪ ﷲ (وﻗﺪ ﻓﻌﻞ) وإذا ﺻﻨﻊ ﻣﻌﺠﺰات ﻹﺛﺒﺎت ادﻋﺎﺋﻪ (وﻗﺪ ﻓﻌﻞ) وإذا ﻛﺎن ﻳﺠﺬب اﻟﺘﻼﻣﻴﺬ إﻟﻴﻪ (وﻗﺪ ﻓﻌﻞ.) ﻛﺎن ﻣﺼﻴﺮه اﻟﻤﻮت، وﻛﺬﻟﻚ ﻣﺼﻴﺮ ﺟﻤﻴﻊ أﺗﺒﺎﻋﻪ. وﺣﺪه ﺷﺎول اﻟﻄﺮﺳﻮﺳﻲ ﻛﺎن ﻳﺘﻤﺘﻊ ﺑﻤﺴﺘﻮى ﻣﻦ اﻹﺧﻼص ﻟﻠﺸﺮﻳﻌﺔ وﻟﻠﻪ، وﻟﻠﻮﻃﻦ، ﻣﺎ دﻓﻌﻪ إﱃ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﻣﺜﻞ ﻫﺬا اﻟﻤﺮﺳﻮم اﻟﻘﺎﺳﻲ. وﻣﻬﻤﺎ ﺑﺪا اﻷﻣﺮ ﺻﺎدﻣًﺎ ﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﻴﺤﻴﻴﻦ، ﻓﺈن ﻣﺎ ﻓﻌﻠﻪ ﺷﺎول ﻓﻲ ﻫﺠﻤﺎﺗﻪ ﻋﲆ اﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﻛﺎن ﻃﺎﻋﺔً، وإن ﻛﺎن ذﻟﻚ ﺷﺮﻃًﺎ ﻋﻈﻴﻤًﺎ: إن ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻫﻮ ﷲ. أﻣﺎ ﻗﺎدة إﺳﺮاﺋﻴﻞ اﻵﺧﺮون ﻓﻜﺎﻧﻮا ﻣﺘﺮددﻳﻦ أو ﻣﺘﺨﺎذﻟﻴﻦ، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺷﺎول ﻛﺬﻟﻚ.
” مِنْ جِهَةِ ٱلْبِرِّ ٱلَّذِي فِي ٱلنَّامُوسِ: بِلَا لَوْمٍ.” (اﻵﻳﺔ ٦ب) ﻫﺎ ﻫﻮ ذا رﺟﻞ ﻋﺎش وﻓﻘًﺎ ﻟﻠﺸﺮﻳﻌﺔ ﻣﻨﺬ ﺻﻐﺮه، وﺣﺠﺰ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻣﻜﺎﻧﺔً ﺑﻴﻦ أﺷﺪّ ﻓﺮق اﻟﻔﺮﻳﺴﻴﻴﻦ ﺗﺸﺪدًا، واﺳﺘﻄﺎع أن ﻳﺸﻬﺪ ﺑﻤﻮاﻓﻘﺔ اﻟﺮب أﻧﻪ ﺑﻼ ﻟﻮم ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. اﻟﺒﺮّ ﻟﻴﺲ ﻫﻮ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﺨﻠﻮ ﻣﻦ اﻟﺨﻄﻴﺌﺔ. اﻟﺒﺮّ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺒﺮّ اﻟﻈﺎﻫﺮ ﻟﻠﻌﻴﺎن. اﻟﻔﻜﺮة ﻫﻲ أﻧﻚ داﺋﻤًﺎ، ﻓﻲ ﻧﻈﺮ اﻟﺠﻤﻴﻊ، ﻣﻠﺘﺰم ﺑﺎﻟﻮﺻﺎﻳﺎ. وﻗﺪ ﺑﻠﻎ واﻟﺪا ﻳﻮﺣﻨﺎ اﻟﻤﻌﻤﺪان ﻧﻔﺲ ﻫﺬا اﻟﻤﺴﺘﻮى اﻟﺮﻓﻴﻊ (ﻟﻮﻗﺎ ١: ٦).
“لَكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهَذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ ٱلْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، ٱلَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ ٱلْأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ ٱلْمَسِيحَ، وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي ٱلَّذِي مِنَ ٱلنَّامُوسِ، بَلِ ٱلَّذِي بِإِيمَانِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلْبِرُّ ٱلَّذِي مِنَ ٱللهِ بِٱلْإِيمَانِ.” (اﻵﻳﺎت ٧-٩). ﻳﺬﻛﺮ ﻓﻲ ﺷﻬﺎدﺗﻪ ﺛﻼﺛﺔ أﻧﻮاع ﻣﻦ اﻟﺒﺮ. أوﻻً، اﻟﺒﺮّ اﻟﺬي ﻓﻲ اﻟﻨﺎﻣﻮس، اﻟﺬي اﻟﺘﺰم ﺑﻪ. ﺛﺎﻧﻴًﺎ، ﺑﺮّ اﻟﻨﺎﻣﻮس (أي ﻣﺎ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﺼﻨﻌﻪ اﻹﻧﺴﺎن ﻇﺎﻫﺮﻳًﺎ) اﻟﺬي ﻧﺎﻟﻪ. ﺛﺎﻟﺜًﺎ، ﺑﺮّ ﷲ، اﻟﺬي ﻻ ﻳُﻨﺎل إﻻ ﺑﺎﻹﻳﻤﺎن ﺑﻴﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ.
ﻟﻮ ﻛﺎن ﺑﺈﻣﻜﺎن أي إﻧﺴﺎن أن ﻳﺪﺧﻞ اﻟﺠﻨﺔ ﺑﻔﻀﻞ اﺳﺘﺤﻘﺎﻗﻪ أو ﺑﻔﻀﻞ اﻟﺘﺰاﻣﻪ ﺑﺎﻟﺸﺮﻳﻌﺔ، ﻟﻜﺎن ﺷﺎول اﻟﻄﺮﺳﻮﺳﻲ، ﻛﻤﺎ ﻳﻘﻮل اﻟﺮوح اﻟﻘﺪس. ﻟﻜﻦ ﻋﻨﺪﻣﺎ وﺿﻊ اﻟﺸﻜﻠﻴﻦ اﻷوﻟﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﺒﺮ ﺟﻨﺒًﺎ إﱃ ﺟﻨﺐ ﻣﻊ ﻣﺎ ﻳﻄﻠﺒﻪ ﷲ، اﻋﺘﺒﺮ اﻷوﻟﻴﻦ ﻧﻔﺎﻳﺔ وﺗﺮﻛﻬﻤﺎ ﺟﻤﻴﻌًﺎ ﻟﻴﻘﺒﻞ اﻟﺮب ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ. ﻟﻘﺪ ﻛﺎن أﻛﺜﺮ اﻟﺮﺟﺎل ﻃﺎﻋﺔً ﻣﻤﻦ ﻋﺎﺷﻮا ﺗﺤﺖ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻳﻌﺘﺒﺮ إن اﻟﺒﺮ اﻟﺬي ﺣﺼﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﺬﻟﻚ ﻫﻮ ﻗﻤﺎﻣﺔ ﻻ ﻗﻴﻤﺔ ﻟﻬﺎ ﻣﻘﺎرﻧﺔ ﺑﻤﺎ ﻋُﺮض ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻹﻳﻤﺎن ﺑﺎﻟﻤﺴﻴﺢ ﻳﺴﻮع.
ﻳﺆﻛﺪ ﻫﺬا اﻟﻤﻨﻄﻖ ﻣﺎ ﺟﺎء ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺔ روﻣﻴﺔ (١٠: ١-٤).ﻫﻨﺎ، ﻳﺴﺘﺨﺪم ﷲ ﺑﻮﻟﺲ ﻟﻴﻘﻮل: “أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ، إِنَّ مَسَرَّةَ قَلْبِي وَطَلْبَتِي إِلَى ٱللهِ لِأَجْلِ إِسْرَائِيلَ هِيَ لِلْخَلَاصِ. لِأَنِّي أَشْهَدُ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ غَيْرَةً لِلهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ حَسَبَ ٱلْمَعْرِفَةِ…. ﺣﺎﻟﺘﻪ ﺗﻤﺎﻣًﺎ… لِأَنَّهُمْ إِذْ كَانُوا يَجْهَلُونَ بِرَّ ٱللهِ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ لَمْ يُخْضَعُوا لِبِرِّ ٱللهِ…. ﻫﻨﺎ ﺗُﻌﺮض أﻧﻮاع اﻟﺒﺮ اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﺟﻨﺒًﺎ إﱃ ﺟﻨﺐ ﻛﻤﺎ ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺑﻮﻟﺲ… لِأَنَّ غَايَةَ ٱلنَّامُوسِ هِيَ: ٱلْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ.
وﻛﻤﺎ رأﻳﻨﺎ ﻃﻮال دراﺳﺘﻨﺎ، ﻟﻢ ﺗﻜﻦ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﻏﺎﻳﺔ ﻓﻲ ﺣﺪ ذاﺗﻬﺎ، ﺑﻞ ﻛﺎن اﻟﻬﺪف ﻣﻨﻬﺎ أن ﺗﺪﻓﻊ اﻹﻧﺴﺎن إﱃ أﻗﺼﻰ ﺣﺪود ﻗﺪراﺗﻪ ﺣﺘﻰ ﻳﺴﻠﻢ روﺣﻪ إﱃ ﻧﻌﻤﺔ اﻟﺮب ورﺣﻤﺘﻪ وﻓﻀﻠﻪ.
ﻓﻠﻨﺴﺘﻤﻊ إﱃ ﺧﺎﺗﻤﺔ اﻷﻣﺮ.
١.ﻟﻘﺪ ﻧﺠﺎ اﻟﻨﺎس ﻟﻘﺮون ﻗﺒﻞ ﻧﺰول اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ. ﻟﻢ ﻳﻨﺞُ ﻫﺆﻻء اﻟﺮﺟﺎل ﺑﺄﻋﻤﺎﻟﻬﻢ اﻟﺼﺎﻟﺤﺔ، ﺑﻞ ﺑﺈﻳﻤﺎﻧﻬﻢ ﺑﻤﺎ أوﺣﻰ ﺑﻪ ﷲ إﻟﻴﻬﻢ.
٢.ﻧﺎل اﻟﻨﺎس اﻟﺨﻼص ﺑﻌﺪ ﻧﺰول اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﺑﺈﻳﻤﺎﻧﻬﻢ ﺑﻤﺎ أوﺣﻰ ﷲ إﻟﻴﻬﻢ. وﻫﺬا واﺿﺢ، إذ ﻳﺬﻛﺮ اﻟﻜﺘﺎب اﻟﻤﻘﺪس رﺟﺎﻻً ﻏُﻔﺮت ذﻧﻮﺑﻬﻢ دون ذﺑﺎﺋﺢ، ورﺟﺎﻻً أُدﻳﻨﻮا رﻏﻢ ﺗﻘﺪﻳﻤﻬﻢ ﻟﻬﺎ.
٣.ﻻ ﺗﺪع رﺳﺎﺋﻞ اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺠﺪﻳﺪ ﻣﺠﺎﻻً ﻟﻠﺸﻚ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ وﻋﺠﺰﻫﺎ ﻋﻦ ﺗﺨﻠﻴﺺ اﻟﻨﺎس ﻣﻦ ﺧﻄﺎﻳﺎﻫﻢ.
٤.أوﻟﺌﻚ اﻟﺬﻳﻦ ﻣﺎﺗﻮا ﻋﲆ اﻹﻳﻤﺎن ﻗﺒﻞ ﺗﻀﺤﻴﺔ ﻳﺴﻮع اﻟﻤﺴﻴﺢ ﻋﲆ ﺟﺒﻞ اﻟﺠﻠﺠﻠﺔ ﻟﻢ ﻳﺬﻫﺒﻮا إﱃ اﻟﺠﺤﻴﻢ، ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﺘﻤﻜﻨﻮا ﻣﻦ دﺧﻮل السماء. ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻨﺘﻈﺮون ﺑﺴﻼم دﻣﻪ اﻟﺜﻤﻴﻦ ﻟﻴﻄﻬﺮﻫﻢ وﻳﺴﻤﺢ ﻟﻬﻢ ﺑﺎﻟﺪﺧﻮل إﱃ ﺣﻀﺮة اﻟﺮب.